منذ عام مضى اشتركت في تشييعك — يا داود — إلى مقرك الأخير، وأنصَتُّ خاشعًا لأقوال من رَثَوْكَ من خلفائك وخِلَّانك، وسمعت أنَّات الحزن عليك وشهدت مظاهر الأسى. وبعد ذلك قرأت ما ذكرك به الذاكرون من حسنات لك بارزة. ولقد كنت مع من كانوا في محافل ما هُيِّئَ لروحك وذكراك من صلوات وحفلات، وشاءت الأقدار — وقتئذٍ يا داود — أن لا يسجل لك قلمي ما يعلم من مناقبك في الصداقة مني ما سجلت لك الأقلام، ولربما كان قلمي من أَحَقِّهَا برثائك، ومن أولاها ببرك وولائك؛ لأنك كنت «لخطراته» ناصرًا قويًّا، ولصاحبه صديقًا وفيًّا … لكن هكذا شاءت الأقدار ففوتت عليَّ للقلم حقًّا دون أن تفوت على العين دمعًا صادقًا وعلى النفس حسرةَ أسًى.

وزرت «دار الأهرام» في خلال هذا العام الذي انقضى على وفاتك مرارًا، ومررت بالمكان الذي كنت تعمل فيه، وغشيت بعض المجامع والمنتديات التي طالما جمعت بيننا. وفي كل زورة لتلك الدار، وفي كل غشية لهذه المنتديات كان يتمثل لي شبحُك الباسم وكأني كنت أحدث نفسي قائلًا: هنا كان يجلس الصديق ويكتب، وهنا كان يفيض عنه القول الجميل، وهنا كان يسمر ويفيض عن سمره الأنس، وعن مجلسه جَمُّ الأدب، وهنا كان يسير وبعض الإخوان، وكنا نسير ونتبادل من شئون الحديث ما يطيِّب خفي السرائر، ويريح مكنون الضمائر.

أتذكر — يا داود — إذ ضربنا يومًا ما بعيدًا في صحراء الجيزة، والشمس تسير آفلة إلى مغربها، وأخذ بنا المسيرُ مأخذًا وحديث الود والصداقة يلهينا عن تعب المسير، وكنا نعمل على أن نُخلِّص نفوسنا من مشاغل حاضرها لتعود بها لذكريات ماضيها، ولنقف في تلك الذكريات حيث نجد حُلمًا معسولًا، وشبحًا لذلك الماضي جميلًا، ولما أن انسلختَ لحظات عن مشاغل شيخوختك إلى ذكريات طفولتك في قريتك «وحول السنديانة» لُحت لي وقتئذٍ كالطفل السعيد، فظهرتْ حول وجهك هالة من البِشْر كأنها تكون لمن لا يعرف من أمور الدنيا إلا الهناء، ويجهل من العيش أمر الحزن والعناء، فكأنك كنت تشعر بالسعادة بمقدار ما تستطيع أن تطرح عن كتفيك من أعباء التجارِب، وتخفف عنهما بنسيان ما يتراكم من ضغط السنين … ثم عدت فتذكرت الوقت وواجب العمل، وما ارتبطت به من أحوال الحياة الاجتماعية الفانية فعادت إلى تقاسيم وجهك دلائل الشعور بالواجب وأثقاله، وكنت رجلًا تعرِف الواجب كيف تحمل أمانته. وكذلك انطبع محياك بطابع يشعر بمتاعب الدنيا وهمومها، وكنت من الذين عَرَفُوا كيف يتحملون في شجاعة متاعب الدنيا وهموم الحياة … وحين أذَّن المؤذِّن سِرْنَا سراعًا كأننا كنا نعدو لكي نلحق القطار. ثم وصلنا إلى غرفة عملك، وانقلبت إذ ذاك في ناظري إلى ذلك الشيخ المُحَنَّك الوديع الوقور الصبور، وتخيَّلتك أمام مكتبك وعليه أكداس الأعمال التي تُسئِم أحيانًا وتُمِل، وكالأسد الغالب الذي لا تهزمه السآمة ولا يثنيه عن مقصده الملل.

كل ذلك نحفظه من الذكريات — يا داود — ولا ننساه، وإن حق ما يُبَرُّ به من الأحياء بعد مواتهم هو جميل الذكرى.

***

على أن أظهر ما أذكره عن أثرك في نفسي بعد وفاتك أنك كنت — يا داود — أشد الإخوان الذين اختارهم الله لجواره مطالبةً لي بوفاء من القلم، وكأن في الوجود سرًّا نفسانيًّا لا أعلمه، ولا نعلم من أسرار النفوس إلا قليلًا يُلِحُّ عليَّ بوفاء لك من القلم. على أن ذلك السر المُلِحَّ — وهو من عالم غير عالمنا — يكاد يُحَمِّلُنِي ما لا أطيق. فهذا يَرَاعي الذي كان مِطْوَاعًا أصبح جامحًا غير طائع، وهذا نشاطي الذي كان يَستمِد منه ذلك اليراع وحيَه أمسى من عنت الأيام، وقد غاض نبعُه وقَلَّ ماؤه وتعسَّر مجراه. فلتتقبل إذن رُوحُك الكريمة — يا داود — تلك الكلمة الصغيرة، وإن آية قبولها أن تستريح نفسي من دَيْنٍ على القلم كان لا بد أن يؤديه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.