كانت وعود الحلفاء أثناء الحرب حين كانت الخطوب تتلاحق، والكوارث تتابع، والمحن يقفو بعضها إثر بعض …

كانت وعود الحلفاء رائعة حقًّا؛ فهم قد ضمنوا للعالم سلامًا دائمًا، وأمنًا متصلًا من العدوان والحرمان والخوف والجوع، واستمتاعًا مستقرًّا بحرية الرأي والقول والعمل والدين.

وكانت هذه الدعوة الرائعة ملحة تتكرر في كل يوم، لا يدار مفتاح الراديو إلا سُمعت من المذيعين، ولا تنشر صحيفة إلَّا قُرِئتْ فيما يذاع من المقالات المُدبَّجة، والفصول المنمقة، والأخبار الطوال، حتى استيقن أصحاب السذاجة وأصحاب الثقافة الممتازة، والذين يتوسطون بين أولئك وهؤلاء، أن هذه الوعود ستصبح حقائق واقعة متى وضعت الحرب أوزارها.

وقد وضعت الحرب أوزارها، وأخذ قادة العالم الجديد يضعون أسس العالم الجديد، واتجهت العقول والقلوب والأبصار والأسماع إلى سان فرانسسكو لترى فَجْرَ عالم العدل والأمن والحرية، ولتتنسم هذا النسيم الجديد الذي يملأ النفوس رضًا وبهجة وأملًا، ولكنها ارتدت خاسرة حاسرة، وبائسة يائسة؛ فقد وضعت أسس العالم الجديد، ولم يُضمَن فيها للناس أمن من خوف ولا من جوع، كما لم يُضمَن للناس استمتاع بحرية أو استقلال، وإنما قام العالم الجديد على ما قام عليه العالم القديم من الأسس: توازن بين الأمم القوية من جهة، وتسلط على الأمم الضعيفة من جهة أخرى، واستغلال الشعوب المتأخرة في الحضارة من جهة ثالثة.

وإذن فستطلع الشمس وتغرب على نفس العالم الذي كانت تطلع عليه وتغرب من قبلُ لا يتغير إلا تغيرًا ضئيلًا ظاهرًا … فقد قلَّ عدد الأمم القوية فأصبحت ثلاثًا بعد أن كانت ستًّا أو سبعًا، وكثر عدد الأمم الضعيفة، وتفاوتت في الضعف؛ فمنها ما لا خطر له من قوة، ومنها ما له من القوة حظ متواضع، ومنها ما لا يخاف الآن، ولكنه سيخاف غدًا أو بعد غد، ومنها ما لا يخاف اليوم ولا غدًا ولا بعد غد …

أمَّا الشعوب التي كانت خاضعة للاستعمار فظلت خاضعة للاستعمار، ولكن الأمر فيها يختلف اختلافًا شديدًا، فقد همَّت بعض الأمم المنتصرة أن تفكر في إصلاح حالها شيئًا ما، وأن تتحدث عن تهيئة مستقبل حسن لها في الغد القريب أو البعيد، ولكنها رُدَّت عن ذلك ردًّا عنيفًا، وتقرر في مؤتمر سان فرانسسكو أن ليس لأحد أن يتعرض للمستعمرات التي كانت في أيدي المنتصرين قبل الحرب. أمَّا مستعمرات الأمم المغلوبة فسيُنظر في أمرها؛ أي في تقسيمها بين المنتصرين، وفي طريقة إدارتها، وفي الغرض من هذه الإدارة …

وتقرر مجاراةً للرأي العام العالمي، وإرضاء للعدل والأخلاق، في ظاهر الأمر على أقل تقدير، أن الغرض الأساسي للاستعمار إنما هو الوصول بالمستعمرات إلى الاستقلال الذاتي في يوم من الأيام. والمهم أن المؤتمرين في سان فرانسسكو تفرقوا دون أن يقدموا للعالم خطوة قريبة أو بعيدة نحو هذه الحرية الشاملة الكاملة التي وُعد الناس بها طوال ستة أعوام.

فالإمبراطورية البريطانية محتفظة بمستعمراتها القديمة، منتظرة ما سيضاف إليها من أملاك المغلوبين، والإمبراطورية الفرنسية محتفظة بمستعمراتها على شيء من الشك والتردد في مصير بعض هذه المستعمرات في الشرق الأقصى، وقل مثل ذلك بالقياس إلى هولندا وبلجيكا، والولايات المتحدة تنظر إلى الشرق الأقصى نظرة طامعة طامحة فيها كلف كثير، وشغف كثير، وعطف كثير على المستضعفين، وتنظر إلى الشرق الأدنى والشرق الأوسط نظرة فيها كثير من الحرص على تحقيق المصالح التجارية والاقتصادية بتأييد من النفوذ السياسي العظيم، وروسيا تنظر إلى الشرق الأقصى وإلى الشرق الأوسط كما تنظر إليهما الولايات المتحدة، فهي تحب الصين حبًّا جمًّا، وتعطف على إيران عطفًا عظيمًا، ولا تكره مداعبة جارتها تركيا. وكما أن الولايات المتحدة هي الزعيمة المستأثرة بالزعامة في القارة الأمريكية كلها، فقد يحسن أن تكون روسيا هي الزعيمة المستأثرة بالزعامة في شرق أوروبا ووسطها، وفي بلاد البلقان أيضًا. كل هذا على أساس العدل والأمن والحرية والمساواة بين الشعوب!

ومع ذلك فقد ظهر اتجاه جديد في الاستعمار لا يخلو من طرافة، وهو هذا الذي أذاعته الحكومة الفرنسية أمس الأربعاء. ولأجل أن نفهم طرافة هذا الاتجاه يحسن أن نتبين في شيء من الإيجاز الصورة القديمة للاستعمار، فقد عرف العالم المعاصر أنواعًا مختلفة من الاستعمار، أبسطها هذا الاستعمار الخالص الذي تخضع فيه المستعمرات خضوعًا مطلقًا لسلطان الأمم التي تستعمرها؛ فليس لهذه المستعمرات حق في أن تحكم نفسها، أو تدبر أمرها، أو تتصرف في شأن من شئونها، وإنما هو الاستغلال المطلق. وهذا النوع من المستعمرات شائع بين الإمبراطوريات الاستعمارية المعروفة؛ فلإنجلترا وفرنسا وهولندا وبلجيكا، بل لإسبانيا والبرتغال مستعمرات تستغلها على هذا النحو.

وهناك نوع آخر من المستعمرات له لون من الاستقلال الشكلي بشئونه الداخلية يطلق عليه أحيانًا اسم الحماية، وتطلق عليه أحيانًا أسماء أخرى، ولفرنسا وإنجلترا مستعمرات معروفة من هذا النوع الذي يستمتع بشيء من الشخصية، ولكنه لا يكاد يستمتع بشيء من الحق. على أن المثل الأعلى الذي وصل إليه العالم الحديث في الاستعمار هو هذا الذي حققته الإمبراطورية البريطانية بالقياس إلى مستعمراتها المستقلة، فكندا وأفريقيا الجنوبية وأستراليا وزيلندا الجديدة بلاد مستقلة استقلالًا داخليًّا تامًّا، لها نظمها البرلمانية الكاملة، وهي مستقلة استقلالًا خارجيًّا كاملًا أيضًا لا تحده إلا مصالح الإمبراطورية؛ فسياستها الخارجية يجب أن تكون متسقة مع السياسة الإمبراطورية الخارجية.

ومن أجل ذلك وُجد هذا النظام الرائع الذي يقضي بالتشاور بين الحكومة البريطانية في لندرة، وبين حكومات المستعمرات المستقلة في كل ما يتصل بالسياسة العالمية. فالصلة إذن بين بريطانيا العظمى وهذه المستعمرات أشبه بأن تكون صلة تحالف دقيق متين منها بأي شيء آخر.

وصاحب الجلالة البريطانية ملك لكل مستعمرة من هذه المستعمرات، كما أنه ملك للمملكة المتحدة.

وقد أنشأت الحرب العالمية الأولى نظام الانتداب، ولكنه نظام لم ينجح، وإنما أخفق إخفاقًا شنيعًا في بعض المواطن، وتحول إلى النظام الاستعماري القديم في بعضها الآخر. أمَّا الاتجاه الجديد، الذي استحدثته فرنسا وأذاعته أمس، فهو هذا الذي يرمي إلى أن تشترك أجزاء الإمبراطورية الفرنسية كلها في وضع النظام الدستوري الفرنسي الجديد، فسينتخب الفرنسيون في شهر أكتوبر المقبل أعضاء الجمعية التأسيسية التي تضع للجمهورية الرابعة دستورها.

وكان المنتظر أن يُقصَر حق العضوية في هذه الجمعية على الفرنسيين دون غيرهم من أهل الإمبراطورية، وكان المنتظر أيضًا أن تُعنى الجمعية التأسيسية إلى جانب الدستور الفرنسي الخاص بوضع نظام للإمبراطورية يحدد العلاقة بين فرنسا ومستعمراتها، وكان المنتظر كذلك أن يكون هذا النظام أدنى إلى الحرية والتسامح، وأشد تأثرًا بما يخضع له العالم من التطور الحديث، ولكن الفرنسيين خطوا خطوة لا تخلو من الجراءة حين أشركوا أجزاء الإمبراطورية في وضع الدستور الفرنسي، وفي وضع النظام الإمبراطوري أيضًا.

وقد علل المسيو جاكوبي، وزير المستعمرات، هذه الخطوة الجريئة في الإذاعة التي حملها إلينا الراديو أمس، بأن الإمبراطورية قد وفت لفرنسا في محنتها فقاومت الألمان والإيطاليين واليابانيين، كما قاومها الشعب الفرنسي نفسه، ثم أرسلت أبناءها إلى ميادين القتال في جميع أقطار الأرض، ثم أرسلت أبناءها إلى أوروبا لتحرير الشعب الفرنسي نفسه، وأعانته على طرد الألمان من الأرض الفرنسية، وما دامت الإمبراطورية قد نهضت بالواجبات التي نهض بها الشعب الفرنسي، فمن العدل أن تشترك في الحقوق التي يستمتع بها الشعب الفرنسي.

وكذلك سترسل المستعمرات نوَّابها إلى الجمعية التأسيسية، وسيختلف الانتخاب في هذه المستعمرات باختلاف حظوظها من الحضارة والرقي، فيكون عامًّا مباشرًا في بعضها، ويكون محدودًا غير مباشر في بعضها الآخر. والمهم هو أن الإمبراطورية ستُعامل معاملة الفرنسيين، فتستمتع بحقوقهم كما نهضت بواجباتهم. والفرنسيون أصحاب تجديد دائمًا، وقلما يمضي عصر من العصور دون أن يبتدعوا فيه شيئًا جديدًا، فخطوتهم هذه الجريئة لا تخلو من طرافة، ولكن إلى أي حد يمكن أن يقال: إن هذه الخطوة ستخفف من عنف الاستعمار، وستُرضي طموح المستعمرات إلى الحرية والاستقلال؟

هذه هي المشكلة الكبرى؛ فالفرنسيون فخورون بحقوقهم الوطنية، مكبرون لديمقراطيتهم، وحريتهم، ونظمهم الدستورية، ولكنهم قد يخطئون إن ظنوا أن الناس جميعًا يشاركونهم في هذا الفخر، ويشاطرونهم هذا الإعجاب. ومن المعقول أن يُؤثِر بعض الشعوب حياته المتواضعة ووطنيته اليسيرة، وأن يطمع في نمو طبيعي ملائم لتقاليده وعاداته وحضارته الموروثة، ويُؤثِر هذا كله على أن يشارك في الحقوق الوطنية الفرنسية. وليس من شك في أن الشعوب العربية التي تخضع للسلطان الفرنسي في أفريقيا الشمالية مثلًا تُؤثِر وجودها الشخصي العربي، واستمتاعها باستقلالها الخاص وتطورها في حدود ما ورثت من حضارة وتقاليد على أن تكون جزءًا مقوِّمًا للوطن الفرنسي العظيم.

ومن المحقق أن المراكشي يؤثر ألف مرة أن يكون مراكشيًّا مستقلًّا حليفًا لفرنسا أو صديقًا لها، على أن يكون فرنسيًّا له ما للفرنسيين، وعليه ما عليهم من الحقوق والواجبات.

فالخطوة التي اتخذتها فرنسا طريفة من غير شك، جريئة من غير شك، حسنة من غير شك، ولكن بشرط أن تكملها الجمعية التأسيسية، وأن تضع النظام الإمبراطوري الذي يسمح لبعض أجزاء الإمبراطورية بأن تحيا حياة مستقلة، تقوم على المحالفة والصداقة لا على الارتباط بحقوق الوطنية الفرنسية وواجباتها، وأكبر الظن أن العرب في شمال أفريقيا، وأن أهل الهند الصينية في الشرق الأقصى لن يرضوا بأقل من هذا.

فإذا كانت فرنسا تريد أن تستقبل العالم الجديد بشيء من الهدوء الذي يكفل لها استئناف حياتها المجيدة؛ فقد يظهر أنها مضطرة إلى أن تسير مع بعض الشعوب التي تشارك في الإمبراطورية الفرنسية، كما تسير بريطانيا العظمى مع كندا وأستراليا وغيرهما من المستعمرات المستقلة.

هذا من ناحية الحياة الفرنسية الخاصة، على أن هناك وجهًا آخر لمشكلة الاستعمار في مستقبل العالم الجديد، فقد أصبح الاستعمار بعد الحرب العالمية الثانية أساسًا من أسس التوازن الدولي خارج أوروبا، وقد ظهر بوضوح شديد حرص المنتصرين على تحقيق هذا التوازن، فقد تفوقت الولايات المتحدة في المحيط الهادي وفي الشرق الأقصى، ونظرت بريطانيا العظمى فإذا هي محتاجة إلى أن تسند نفسها بما يكفل التوازن بينها وبين حليفتها الأمريكية العظمى؛ ولذلك تغير اتجاه السياسة البريطانية نحو فرنسا تغيرًا سريعًا، ظهر في رسالة الملك جورج السادس إلى الجنرال دي جول بمناسبة استسلام اليابان، ولم يكد اتجاه بريطانيا العظمى يتغير نحو فرنسا حتى ظهر أثر ذلك في السياسة الأمريكية، وبعد أن كان الفرنسيون يضعون أيديهم على قلوبهم خوفًا على الهند الصينية، أصبحوا مطمئنين يشاركون في تلقي إذعان اليابان من جهة، وفي تنظيم شئون الشرق الأقصى من جهة أخرى.

وكذلك يقوم أمر الاستعمار على تحقيق التوازن خارج أوروبا بين هذه الدول الثلاث المنتصرة، كما يقوم أمر إنهاض أوروبا على تحقيق هذا التوازن نفسه، وفرنسا هي التي تُحقق التوازن بين الإنجليز والروس في أوروبا، وبين الإنجليز والأمريكيين في الشرق الأقصى، وإذا لم أُخطئ الفهم فسيلجأ العمال إلى فرنسا لتحقق التوازن بين الإنجليز والروس في الشرق الأوسط وفي الشرق الأدنى مُشتَرِكةً في ذلك مع تركيا.

والخلاصة أن مستقبل الاستعمار في العالم الجديد كماضي الاستعمار في العالم القديم، يقوم على التنافس وتعارض المنافع بين الأقوياء أكثر مما يقوم على النظر إلى حقوق الضعفاء؛ فعلى الأمم الضعيفة أن تختار بين اثنتين: فإما أن تكون نهبًا مقسمًا، وإما أن تكد وتجد وتشقى وتحتمل لتلقي في نفوس الأقوياء شيئًا من الاحترام يحملهم على أن ينزلوا عن بعض الأثرة، ويحسبوا لها بعض الحساب.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.