يقول الأستاذ منصور جاب الله: «إنه في إحدى ندوات المتأدبين بالإسكندرية دار الحديث حول لفظ الاشتراكية ومَن أدخله بمعناه العلمي في اللغة العربية، فقال بعض الحاضرين: إن أول مَن استعمل الكلمة سلامة موسى، وقال آخر: بل إسماعيل مظهر، وأخيرًا قال كاتب هذه السطور: إنه يغلب على الظن أن أول مَن كتب عن الاشتراكية بمعناها الاصطلاحي والسياسي هو العقاد عام ١٩١٢، ثم اتفقا على أن نحتكم إلى سيادتكم عسى أن توافونا بالبيان الشافي في يوميات الأخبار.»

وفي خطاب بتوقيع «فريد حنَّا السويفي» يقترح الكاتب أن أوضح له وللقراء بيانًا عن المذهب المفضل عندي من مذاهب الاشتراكية، بعد أن عرَّفت القراء برأيي في الماركسية ومذهب المادية الاقتصادية.

وأقول للأستاذ منصور جاب الله: إن كلمة الاشتراكية كانت شائعة في الصحف والأحاديث قبل كتابة كلٍّ من سلامة موسى وإسماعيل مظهر، وكان المتعلمون يتناقشون فيها بهذا الاسم كثيرًا حين ظهر كتاب محمد مسعود وزملائه عن الاقتصاد السياسي، وقد كان ذلك قبل نيف وخمسين سنة، وحدث أن الكاتب الصحفي المعروف سليم سركيس أراد أن يستدرج الدكتور شلبي شميل إلى الكتابة للمؤيد في مثل ذلك الوقت، فتحرش به مُتهمًا إياه بالاشتراكية، وهو يتعمد بهذا التحرش أن يُغضبه لاعتبار الاشتراكية تهمة مريبة، فكان له ما أراد.

لقد كتبت عن «الاشتراكية» قبل سنة ١٩١٢، بعد شيوع هذا الاسم على الأقلام والألسنة بسنوات، وكنت على رأي بعض الفضلاء في انتقاد ترجمة اﻟ «سوشالزم» Socialism بالاشتراكية؛ لأن ترجمتها الصحيحة هي «الاجتماعية» تمييزًا لها من الكومنزم Communism، التي هي أقرب إلى معنى المشاركة وتحريم كل ملكية غير ملكية الجماعة.

وخطر لي أن أترجم الكومنزم بعد الحرب العالمية ﺑ «المشاعية»؛ لما في هذه الكلمة من الموافقة لمعناها في المعاملات القانونية، ولكن بعض زملائنا الصحفيين فضَّلوا «الشيوعية» على «المشاعية»، ودرجت على ألسنة الكثيرين لسهولتها وابتعادها عن لغة المصطلحات الفقهية، فلم أر مانعًا من مجاراة «الشيوع» في هذه الحالة؛ لأنه أساس من أسس الاصطلاح، ولو على رأي القائلين أن الخطأ المشهور أصلح من الصواب المهجور، وعدلت عن استعمال المشاعية منذ أكثر من أربعين سنة.

ولما ظهرت في اللغة العربية ترجمة كتب العالم الفرنسي جوستاف لوبون، كان ذلك قبل سنة ١٩١٢، وقبل اشتهار سلامة موسى وإسماعيل مظهر بدعوة الاشتراكية على مذهب من مذاهبها التي كانت معروفة في ذلك الحين، وكان اطلاعي على تلك الكتب قبل ردي عليها بطبيعة الحال، ولم أقصد في دفاعي عن الاشتراكية تأييدًا لمذهب خاص من مذاهبها؛ لأنني لا أدين بمذهب محدود من مذاهب الاجتماع أو الاقتصاد، ولا أرى أن مذهبًا منها يصلح للأخذ به اعتقادًا أو تطبيقًا في جميع الأحوال، وجميع الأمم الغربية والشرقية، ولكنني أومِنُ إيمانًا جازمًا بصحة رأي واحد يتفق عليه جميع الاشتراكيين؛ وهو إنكار الاحتكار والاستغلال.

وعلى هذا الأساس ينبغي أن يقوم كل مذهب إنساني سليم، وميزان سلامته حين تتفق الخطط العملية على محاربة الاحتكار والاستغلال شيء واحد لا هوادة فيه، ولا علامة غيره للتفرقة بين فلسفة وفلسفة، أو بين عقيدة وعقيدة، أو بين أيديولوجية وأيديولوجية — على قولهم في المصطلحات العصرية — ذلك الشيء الواحد هو نصيب المذهب من رعاية «الشخصية الإنسانية»، وهي شيء بعيد كل البعد من نزعة «الفردية» باعتبارها عنوانًا لتقرير «الذات» في وجه حقوق الأمم والجماعات؛ فإن النزعة الفردية قد تنتهي إلى الأنانية البغيضة، ولا محل لهذه الأنانية في الشخصية الإنسانية الوافية، سواء في علاقاتها بالآحاد أو الجماعات.

وعلى هذا الاعتبار يكون الأساس الذي قامت عليه الاشتراكية الفابية هو أقرب الأسس التي أؤمن بها، وأعتقد صلاحها فكرًا وعملًا لتفسير تطور الناس آحادًا وجماعات؛ لأنها تقيم دعوتها على قواعد الأخلاق والمرافق الاقتصادية التي تحسن بكرامة الإنسان، مع تقديس ضمير الإنسان في المبدأ والختام.

وإنما تفترق الطريقان بعض الافتراق حين يعتبر الفابيون أن قوانين الاقتصاد مصدر التصرف الإنساني في دوافعه الأولى؛ إذ ينبغي عند التأصيل والتعميق أن تكون قوانين الحياة سابقة لقوانين الاقتصاد، شاملة لها محيطة بها من جميع الأطراف.

وإذا شاء الأستاذ «السويفي» أن يلحقني بعنوان من عناوين المذاهب في الدعوة الاشتراكية، أو في غيرها من دعوات الفكر والعقيدة، فلا سبيل إلى ذلك؛ لأنني — أنا نفسي — لا أعرف ذلك العنوان، ولا أظن أنني سأعرفه يومًا من الأيام؛ إذ لست أتبع المذاهب بعناوينها وعناوين الداعين إليها، ولكنني أوافقها بحسب الأسس التي تقوم عليها في أصولها، وإن تشعبت بها الفروع والتفاصيل، وليس للدعوة الاجتماعية أو الفكرية عندي من أساس أصح وأثبت وأولى بالاتباع والدوام من أساس الحقائق «الحيوية النفسية»، أو الحقائق التي تقوم على دوافع الحياة وتُفسِّرها البواعث «السيكولوجية».

فالإنسان قبل كل شيء كائن حي به نفس ووجدان، وحياته النفسية بيئة تؤثر في البيئة الطبيعية، وليست هي بالطارئ الفضولي على بيئة الأرض والجو والزرع والهواء تقف منها موقفًا سلبيًّا مشلولًا بلا عمل غير تلقي المؤثرات منها كيفما تشاء.

فإذا قال الماديون: إن الإنسان ابن البيئة؛ فيجب أن يذكروا أنه هو نفسه بيئة فعالة تتطلب من ظروفها الجغرافية والتاريخية ما لا تتطلبه الكائنات الأخرى.

***

إنني ألجأ إلى مؤلف أبي الشهداء ليخرجنا من الحيرة التي نحن فيها لمناسبة يوم عاشوراء، وقد سمعنا من أحاديث الإذاعة أمس حديثًا دينيًّا عن فضائل يوم عاشوراء جاء فيه: إنه اليوم الذي رست فيه سفينة سيدنا نوح على الجودي … ولا أعرف الجداول الفلكية التي حددت هذا اليوم بيوم عاشوراء، ولا كيف طبقت، وأرجو أن تتكرموا ببيانٍ يضع الأمر في نصابه … والسلام عليكم ورحمة الله.

محمد عبد الرحمن عينوس، جليم، رمل، الإسكندرية

والحسبة بسيطة جدًّا — على تعبير «خوجتنا» الذي علمنا أرقام الحساب — فإذا كان المقصود بيوم عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر المحرم بالسنة الهجرية؛ فالتاريخ الهجري كله لم يكن معروفًا قبل الإسلام على عهد المسيح أو عهد موسى، عليهما السلام، فضلًا عن جدهما إبراهيم وجده نوح، صلوات الله عليهم أجمعين.

ولا يمكن أن تكون لسفينة الطوفان «خطوط سير» محسوبة بيوم من أيام السنة الهجرية؛ لأن هذه الأيام لا تعود في موعد واحد من العام، ولا يوجد عندنا التقويم الشمسي أو القمري، أو الذي جرى عليه حساب الحل والترحال على عهد الطوفان.

أما إذا كان لاسم عاشوراء مرجع آخر غير علاقته بمصرع أبي الشهداء، فليس هذا المرجع موضع اتفاق بين المؤرخين من المسلمين وغير المسلمين.

والمحقق أن اسم عاشوراء كان معروفًا قبل توقيت الأيام بمواقيت السنة الهجرية، وقبل إطلاق هذا الاسم على اليوم العاشر من أول شهر في السنة الهجرية؛ فإن الأخبار تتفق على أن الهجرة حدثت في شهر ربيع الأول، وأن النبي، عليه السلام، قَدِم إلى المدينة واليهود يحتفلون بعيد عاشوراء ويقولون: إنه اليوم الذي نجا فيه موسى الكليم من الغرق، فقال رسول الله: «أنا أولى بموسى.» وأمر بصومه.

أما أصل الاحتفال بعاشوراء عند اليهود، فهو — كما جاء في العهد القديم — أنه يوافق اليوم العاشر من الشهر السابع في التقويم العبري، وهو رأس السنة المدنية عندهم وعيد الكفارة أو الكبور الذي يحتفلون به إلى اليوم. وقد جاء في الإصحاح الثالث والعشرين من سِفر اللاويين أن الرب كلم موسى قائلًا: «كلم بني إسرائيل وقل لهم: مواسم الرب التي فيها تنادون محافل مقدسة هذه هي.»

إلى أن قال: «أما العاشر من هذا الشهر السابع؛ فهو يوم الكفارة.»

وهو بعينه يوم عاشوراء في حسابهم بهذا التوقيت.

ويقول البيروني، العالم الفلكي الكبير، في كتاب الآثار: «قيل: إن يوم عاشوراء عبراني معرب يعني عاشور، وهو العاشر من تشري اليهود الذي صومه صوم الكبور، وإنه اعتُبر في شهور العرب فجُعل في اليوم العاشر من أول شهورهم، كما هو اليوم العاشر من أول شهور اليهود.»

ويقول محمود باشا الفلكي — خليفة البيروني بين علمائنا المحدثين — إن: «الذي يتضح من الحساب أن هذا اليوم كان موافقًا لعشرين من سبتمبر. وهذا هو اليوم الثامن من الشهر القمري باعتبار الانفصال؛ وذلك لأن اجتماع النيرين كان في يوم السبت ١١ سبتمبر بعد نصف الليل بساعة تقريبًا على حساب باريس، ولم يتيسر رؤية الهلال بالعين المجردة إلا في مساء الأحد من ١٢ إلى ١٣ سبتمبر، حتى صار حساب يوم الاثنين ١٣ سبتمبر أول الشهر الهلالي.»

وجميع ذلك محقق بالحساب الدقيق في رسالة نفيسة كتبها محمود باشا الفلكي باللغة الفرنسية، وترجمها «أحمد زكي أفندي» سنة ١٣٠٥ هجرية، وهو «أحمد زكي باشا» الذي أصبح بعد ذلك سكرتيرًا عامًّا لمجلس النظار.

فاليوم الذي أذيع فيه الحديث لا يوافق ميقاتًا محدودًا بالسنة الهجرية، ولا بالسنة الميلادية، ولا بالسنة العبرية، ولا سند له من أثر معروف.

ويصح أن نرجع بعيد «الكبور» عند اليهود إلى أصله القديم قبل البعثة الموسوية بمئات السنين؛ فلا نتتبع الشعائر التي تقترن بأعياد اليهود مما كان له أصل سابق لبعثة موسى، عليه السلام، إلا تبيَّن لنا أنها — بغير استثناء — كانت مواسم طبيعية يحتفلون فيها بالحصاد، أو بالمبيت تحت الظلال والتعاريش، أو بأكل الخبز الفطير ولحم الحمل وليد السنة من بواكير العام.

وقد نقل العبرانيون هذه المواسم ممن تقدمهم إلى الأمم التي عاشوا بينها بعد سَبْيِهِمْ، وبعد خروجهم من وادي النيل. وقد يشاهد أثر ذلك في مراسم الاحتفال بشم النسيم وطبخ الحبوب في حلوى عاشوراء.

***

والسيد «محمد مدحت محمود»، الطالب بجامعة القاهرة، يسومني في هذه الرسالة — سامحه الله — أن أفتح محضر التحقيق للفنانة «تحية كاريوكا»؛ لأنها — والعهدة عليه — كانت ضيفة الشرف في برنامج من برامج التليفزيون، فتحدثت عن رواد موسيقى الرقص، وذكرت منهم عبده الحامولي ومحمد عبده.

قال الطالب الأديب: إننا بعد تلاحق هذه المعلومات التي تصدر عن جهات مفروض فيها أن يكون ما يصدر عنها حقيقة لا يرقى إليها الشك، نرجو أن تفيدونا ولكم الأجر عند الله:

(١) هل في ديننا الرسمي، وهو الإسلام، ما يسمى الموسيقى الدينية؟ ومتى نشأت؟ وما هي الطقوس الدينية التي تصاحبها؟

(٢) هل كان الإمام محمد عبده من رواد الموسيقى في مصر؟ أو هناك محمد عبده آخر بلغت شهرته أن يذكر اسمه بغير تعريف؟

والذي نرجوه من السيد «مدحت» أن يقفل محضر التحقيق قبل افتتاحه؛ إكرامًا للقانون البلدي و«الفني» الذي يُفتي في هذه القضية «بأن الخطأ مردود».

ولم نسمع نحن ما قيل في برنامج التليفزيون، الذي أشار إليه الطالب الأديب، ولكننا لا نشك في سبق اللسان أو الأذن بين القائل والسامع، وبين اسم محمد عبده واسم محمد عثمان.

فهذان هما الاسمان المتلازمان في تاريخ الموسيقى، لا يُذكر أحدهما إلا سبق اللسان إلى ذكر صاحبه، وقد يريد أن ينطق بمحمد عثمان فيحضره اسم عبده، فيصل اسم «محمد عبده» إلى السمع من هذا الطريق.

وإذا صحَّ أن الفنانة «تحية كاريوكا» أخطأت هذا الخطأ، ولم يخطئ السامع في السماع؛ فمن حقِّها أن تُشكر؛ لأن اسم «محمد عبده» يخطر في ذهنها ولا يغيب عنه في هذا المقام.

ولا حاجة إذن إلى فتح باب الكلام على الموسيقى الدينية في الإسلام؛ فليس في الإسلام موسيقى دينية، ولا شعائر يؤديها المسلم على توقيع الغناء، وغاية ما يقال فيما يجوز الاستماع إليه أن النبي، عليه السلام، سمح للسيدة عائشة أن تستمع معه إلى الغناء الذي «تزفن» عليه الحبشة زفنها المعروف، وهو ضرب من حركات الرقص التي توقع على الألحان، ولكنها حركات لا خلاعة فيها، ولا تخالف المشهور من حركات الرياضة المقبولة، وفي حكمها على ما يشابهها من حركات الإيقاع.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.