النسيم يلعب بموج البحر كما يلعب بموج النيل، والحر يلعب بعقول الناس والوزارة تلعب بالدستور، والمحامون يلعبون بقرارات الوزارة، والطبيعة تلعب بكل شيء.

وإذا لم يكن اللعب في الصيف، فمتى يكون؟ لا حظ للناس من نشاط في هذا الفصل الثقيل يوجهون به نفوسهم وعقولهم إلى الجد، أو يحملون به أنفسهم على العمل المنتج المفيد، فهم بين اثنتين: خمود لا نفع فيه، أو لعب يشبه الخمود، وهم — بإذن الله — يخمدون حين تشتد وطأة القيظ، وهم — بإذن الله — يلعبون حين تخف وطأة القيظ، وهم — بإذن الله — لا ينتجون في خمودهم ولعبهم إلا فنونًا من الحركات لا قوام لها كهذه الحركات التي تراها منذ أقبل الصيف.

على أن هذا اللعب الذي يُدفع إليه الناس دفعًا في هذه الأيام تختلف أنواعه فيما بينها اختلافًا شديدًا، فمن اللعب ما لا قوام له، ولا خير فيه، ولكنه لا يفسد شيئًا، ولا يؤذي أحدًا، وإنما هو إنفاق للوقت، وتلهية للنفس، واستعانة به على احتمال أثقال الحياة، ومن اللعب ما يلهي أصحابه، ولكنه يؤذي غيره من الناس، ومن اللعب ما لا يلهي أصحابه ولكنه يؤذيهم ويعرضهم لألوان من المكروه، وهو في الوقت نفسه ينفع الناس، وينفع شيئًا آخر خيرًا من الناس، وأبقى منهم، يقال له: الحرية والعدل والقانون.

وأظنك توافقني على أن لعب أمثالك وأمثالي بالكلام أو بغير الكلام لا ضرر منه ولا شر فيه، وعلى أن لعب الوزراء بالدستور والقانون، وبحرية الناس وكراماتهم، وبمنافع الناس وحرماتهم، شرٌّ كله، يؤذي الناس جميعًا، وإن كان يلهي الوزراء، ويخيل إليهم أنهم ينعمون بالقوة والسلطان شيئًا من الوقت، وعلى أن لعب المحامين بقرارات الوزارة لا يلهي أحدًا، ولكنه يؤذي المحامين أنفسهم — يضيع عليهم وقتًا كان ينبغي ألا يضيع، وجهدًا كانوا خليقين أن يبذلوه فيما هو خير من هذا اللعب الثقيل — ولكنه ينفع الناس؛ لأنه يضرب لهم الأمثال القيمة في إنكار الظلم، والامتناع عليه، وفي حماية العدل، والذود عنه، وهو في الوقت نفسه ينفع هذه المعاني الخالدة العليا التي قلَّ من يدافع عنها في هذه الأيام، وفي هذا البلد بنوع خاص، معاني الحرية والعدل والمساواة.

وأغرب ما في هذا اللعب الذي نشهده منذ آخر العام الماضي حتى قبل أن يهجم الصيف، أنه يقلب وضع الأشياء، ويسير بها في اتجاه معاكس كل المعاكسة لاتجاهها الطبيعي الذي كان الناس ينتظرونه، ويطمعون فيه، فأول ما يجب على الوزارة القائمة أن تحمي النظام الجديد وتصونه من العبث، وتحترم الدستور، وتضن به على الفساد، ولكن انظر إلى أعمال الوزارة وحدثني: أملائمة هي لحماية النظام الجديد، ومحققة هي لاحترام الدستور الجديد؟

يريد المحامون أن ينتخبوا لهم نقيبًا، وليس في القانون، ولا في الدستور، ولا في المألوف من العرف ما يفرض عليهم مذهبًا في الانتخاب دون مذهب، أو نقيبًا بين المحامين دون نقيب، ولكن الوزارة لا تسأل الدستور، ولا تسأل القانون، ولا تسأل العرف المألوف، بل لا تحفل بشيء من هذا، وإنما تسأل نفسها وهواها، وإذا هي ترى أن كل شيء مباح للمحامين إلا أن ينتخبوا مكرمًا ويثقوا به، فتنذر المحامين وتنبههم إلى ما تريد، وتخوفهم عاقبة الخلاف عما تريد.

وكان المعقول — لو أن المحامين أصحاب جد وتقدير للعواقب وحساب للغد — أن يسمعوا ويطيعوا، وينفذوا ما تريد الوزارة، ويطرحوا ما يريدون، ولكن المحامين أصحاب لعب ودعابة، وفيهم ميل إلى الفكاهة، وحرص على المزاح؛ فهم ينتخبون مكرمًا، ويُسلِمون إنذار الوزارة إلى الريح! وترى الوزارة منهم ذلك فتتم الوعيد، وتنفذ العقاب، وتشرع قانونًا تجره على الماضي جرًّا، كما تجر الأثقال بالأمراس والحبال.

وكان المعقول — لو أن المحامين أصحاب جد وحذر — أن يذعنوا للقضاء، وأن يتخلوا عن مكرم، وأن يتخلى مكرم عنهم، ولكن في المحامين حبًّا للعب، وميلًا إلى الدعابة، وكلفًا بالفكاهة والمزاح، فهم يمتنعون، ويلحون في الامتناع، وهم يحمون الدستور الجديد من حماة الدستور الجديد، وهم يصونون النظام الجديد من القوَّامين على حماية النظام الجديد، وهم يعلنون أن جر الأثقال بالأمراس والحبال لا يجدي في المسائل الدستورية شيئًا؛ لأن الأثقال الدستورية لا يمكن أن تحتمل، ولا أن تجر.

وقد أصبح المحامون المخاصمون للوزارة حماة للدستور من الوزارة، وأصبحت الوزارة مسرفة في الاعتداء على الدستور، وأي دستور؟ الدستور الجديد! يريد المحامون ألا يحملوه ما لا يطيق، ويريد الوزراء أن يحملوه ما يمكن وما لا يمكن من الأعباء. فإذا رأت الوزارة من المحامين إصرارهم على حماية الدستور، خافت منهم، وانهزمت لهم، وكفت عن إنفاذ قانونها الرجعي الغريب، ومضت في تهيئة تشريع آخر يوصلها إلى ما تريد.

ولكنها تحس من المحامين مقاومة، ومن البرلمان نفسه معارضة، ومع ذلك فقد عودها البرلمان ألا يخاصمها حين يجد الجد، وألا يقاومها حين تتعقد الأمور، ولكنه يُظهِر في هذه المرة ميلًا إلى المقاومة والمخاصمة، فيثوب إلى الوزارة بعض الصواب، وإذا هي لا تداور المحامين وحدهم، وإنما تداور البرلمان أيضًا، حتى إذا انقضت الدورة وتفرق الشيوخ والنواب، وانصرف المحامون إلى الراحة، وذهب الوزراء إلى الإسكندرية فخرجوا من القيظ المهلك إلى النسيم الذي يبعث النشاط، دبروا هجمة مضاعفة على الدستور والمحامين جميعًا؛ فاستصدروا هذا المرسوم بالقانون الذي استصدروه، وخالفوا الدستور مخالفة صارخة، وضربوا المحامين ضربة ظنوا أنها القاضية.

وكان المعقول — لو أن المحامين أصحاب جد — أن يطيعوا الوزراء، ويذعنوا للقضاء، وينعموا بالراحة بعد العناء، ولكن المحامين لا يكرهون اللعب ولا يملونه حتى حين يشتد القيظ؛ فهم يجتمعون، وهم يرفضون القانون الثاني كما رفضوا القانون الأول، وهم يقاومون الوزارة مقاومة ظاهرها فيه اللعب، وباطنها فيه الجد كل الجد، وهم ينذرون المصارف، وهم يتهيئون للذهاب إلى القضاء، وهم يعلنون أن حماة الدستور الجديد ينتهكون حرمات الدستور الجديد، وأن خصوم هذا العهد سيحمون دستور هذا العهد من رجال هذا العهد أنفسهم. أرأيت قلبًا للأوضاع، وعكسًا للأمور، ولعبًا بالأشياء، وعبثًا بالمنطق أكثر مما نحن فيه الآن؟

وكنت أظن أن هذا كله أثر من آثار الصيف، ونتيجة من نتائج القيظ، ولكنك ترى أن اللعبة قد بدأت بين المحامين والوزراء في أوائل الشتاء، وأنها لم تنته بعد، وأنها لا تريد أن تنتهي، وأنها توشك أن تصبح جدًّا من الأمر، وأن يصدق رأي أبي نواس حين يقول في غزله الظريف:

صار جدًّا ما مزحت به

رب جدٍّ جرَّه اللعب

وقد يكون من الحق أن لا نلعب نحن مع اللاعبين، وأن نلتمس نحن العلة القريبة أو البعيدة لما نشهده من هذه الأمور المختلطة التي تحير العقول، والتي تجعل خصوم الوزارة حماة للدستور الجديد، وتجعل الوزارة حربًا على هذا الدستور. وهذه العلة ليست غريبة ولا بعيدة، وإنما هي يسيرة قريبة المنال؛ فرجال الحكم في هذا الزمن السعيد لا يريدون جدًّا من الأمر، ولا شيئًا يشبه الجد، لا يريدون دستورًا قديمًا ولا جديدًا، ولا شيئًا يشبه الدستور القديم أو الجديد؛ إنما يريدون حكمًا وتسلُّطًا وسيطرة ليس غير، فهم يسلكون إلى هذه الأغراض سبيل الدستور إن أدتهم إليها، وسبيل العبث بالدستور إن أدت إليها، وهم من أجل ذلك يعبثون ويلعبون.

وخصوم الوزارة لا يتعمدون حماية الدستور الجديد، ولا يقصدون بعملهم مجرد صيانته من عبث الوزارة، وإنما يريدون حماية الحق من حيث هو، وصيانة العدل من حيث هو، وحفظ الكرامة من حيث هي، وحياطة المنافع العامة من حيث هي. وهم يؤمنون أن الحق والعدل والكرامة ومنافع الشعوب أرقى وأبقى من الدستور، قديمًا كان أو جديدًا؛ لأنها هي المثل العليا التي يعيش لها الرجال المثقفون، ويموت لها الرجال المثقفون.

فهم حين يخاصمون الوزارة فيها، ويذودون الوزارة عنها، لا يفكرون في أنفسهم، ولا يفكرون في منافعهم، ولا يفكرون في اللعب وما يتيح لهم من لهو، ولا في الجد وما يحملهم من مشقة؛ إنما يفكرون في المثل العليا وما يجب لها في أعناق الرجال الكرام من حقوق مقدسة تهون في سبيلها المنافع والآمال، والآجال أيضًا؛ فالخصومة بين المحامين والوزراء هي الخصومة بين المثل العليا الخالدة، وبين المنافع الدنيا التي تُؤقَّت بالأشهر والأسابيع، أو بالأيام والساعات، وأظنك تعرف أين يكون النصر الأخير في هذه الخصومات.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.