نعم، والآن نحب أن نعرف أين يكون الرضا، وأين يكون السخط، ونحب أن نعرف أين يكون الأمل، وأين يكون اليأس، ونحب أن نعرف آخر الأمر لمن تُحْكَمُ مصر الآن. فأما أين يكون الرضا عن الحياة المصرية الآن، فسؤال تستطيع أن تلقيه متى شئت، وحيث شئت، وعلى مَن شئت، وأنت واثق كل الثقة بأنك ستظفر بجواب سلبي واحد مهما تكن الظروف، ومهما تكن البيئات، ومهما يكن المسئولون، وهو أن هذا الرضا الذي تبحث عنه ليس في قلوب المصريين، ولا يمكن أن يكون في قلوب المصريين على اختلاف طبقاتهم، وتباين منازلهم، وتفاوت حظوظهم من الثقافة والتعليم، لا نستثني من ذلك إلا الوزراء، وأشباه الوزراء، وأنصار الوزراء.

وهم جماعة تستطيع أن تحصيهم، وأن تحقق في إحصائهم، حتى إذا فرغت من التحقيق والإحصاء الدقيق تستطيع أن تضيف إليهم مثلهم أو مثليهم هبة منك وتبرعًا، وأنت بعد هذا كله لن تبلغ بهم الألف، ولن تتجاوز بهم المئات. وهؤلاء قد يخبرونك بأنهم راضون، وقد يؤكدون لك أنهم راضون، وقد يُقسمون لك جهد أيمانهم أنهم راضون، ولكنك مع هذا تستطيع أن تشك، وتستطيع أن ترتاب، بل تستطيع أن توقن أنهم ساخطون، ساخطون على خصومهم الذين ينكرون الحياة المصرية الحاضرة، ساخطون على مخالفيهم الذين لا يطمئنون إلى أساليب الحكم في هذه الأيام، ساخطون في أقل تقدير على الشعب المصري إذا لم يكونوا ساخطين على فنون الحكم في مصر.

فأما المصريون أنفسهم إذا استثنيت منهم هؤلاء الناس فسَلْهم متى شئت، وكيف شئت، وحيثما شئت: هل للرضا في قلوبهم مكان، وهل للرضا إلى نفوسهم سبيل؟ فسيجمعون على جواب واحد، لا يختلفون فيه، وستنطلق ألسنتهم بكلمة واحدة لا يترددون فيها، وهي: لا. سل الموظفين فستعلم أنهم ساخطون؛ لأنهم لا يطمئنون إلى العدل؛ ولأنهم لا يستريحون إلى ما يستريح إليه الموظف في البلاد المتحضرة من أنه: آخذ بحقه من الإنصاف والمساواة، واثق بنصيبه من العدل والقسط، آمن من أن تفسد عليه حياته المحاباة.

سل المثقفين الذين لا يعملون في دواوين الدولة؛ فسينبئونك بأنهم ساخطون؛ لأن كل شيء من حولهم رديء، وسينبئونك بأنهم ساخطون؛ لأنهم لا يشعرون بما يشعر به الرجل المثقف في بلده من أنه: حر، عزيز الجانب، مرعي الحرمة، محفوظ الكرامة، لا يُقَدَّمُ عليه الأجنبي، ولا يُفَضَّلُ عليه الجاهل، ولا يُنْظَرُ إليه كما ينظر إلى المهملات التي لا تغني ولا يرجى منها غناء. سل الفلاحين، وويل للفلاحين! وويل لعواطف الرحمة والإشفاق في نفسك حين تسأل الفلاحين! بل حين ترى الفلاحين، بل حين تسمع أخبار الفلاحين؛ فهناك البؤس والضيق، وهناك الشقاء والضنك، وهناك الذلة والمسكنة، وهناك ما شئت وما لم تشأ مما لم يكن ينتظر أن يُلِمَّ بالناس في القرن العشرين من ألوان الجهد وضروب العناء.

سل العمال، بل سل العاطلين، سل مَنْ شئت من المصريين عن حاله، وعن حال غيره من المصريين؛ فلن تسمع إلا الشكوى، ولن ترى إلا السخط، ولن تستيقن إلا اضطراب النفوس والقلوب، ثم سل من شئت من هؤلاء المصريين عن أسباب هذا السخط الذي يملأ نفوس المصريين؛ فسيعيدون عليك من شئونهم العامة والخاصة ما أجملناه في الفصول السابقة، ولا تسل السياسيين الذين يخاصمون رجال هذا العهد فآراؤهم معروفة، ومذاهبهم واضحة.

ولعلك إن كنت تحب القضاء الذي لا جور فيه، ولا تأثر بالميول والأهواء أن تكره سؤال الساسة بعدما ظهر من موقفهم، وما تبين من إنكارهم لكل شيء في هذا العهد السعيد، فإذا أرضيت حاجتك من سؤال المصريين، وعلمت علمهم، واستيقنت أنهم أبعد الناس عن الرضا، وأقرب الناس إلى السخط؛ فدعهم إلى الأجانب، فسل هؤلاء الأجانب أين يكون موقع الرضا من قلوبهم؟ وأين يكون منزل الاطمئنان من نفوسهم؟ فستسمع منهم جوابًا تدهش له أول الأمر، ولكنك لا تنكره بعد التفكير، ستسمع منهم جوابًا يشبه جواب المصريين؛ فهم غير راضين، وهم غير مطمئنين.

ومع ذلك فقد كانوا يعلنون الرضا منذ حين، ومع ذلك فقد كانوا يسرفون في الثناء على صدقي باشا وأصحابه منذ حين، ومع ذلك فقد كان كل ما يظهر من أمرهم يدل على الرضا، بل على الغبطة والابتهاج، ولكنهم برغم هذا ليسوا راضين الآن، ولا مطمئنين، وإنما هم ساخطون أشد السخط، قلقون أعظم القلق. لماذا؟ لأن المصريين أنفسهم ساخطون قلقون؛ لأن الحياة كلها في مصر ساخطة قلقة مضطربة؛ ولأن الأجنبي لا يستطيع أن يرضى ولا أن يطمئن إلا إذا رضي من حوله، واطمأن الناس الذين يعيش معهم ويعاملهم في كل يوم؛ ولأن سوء الظن بالأجنبي قد وجد السبل إلى نفوس المصريين لما ظهر من إسراف الرجال الرسميين في هذا العهد في: إرضائهم، ومحاباتهم، وإيثارهم بالخير والبر دون أبناء الوطن.

وإذا وصل سوء الظن بالأجانب إلى قلوب المواطنين؛ فلا بد من أن يصل إلى قلوب الأجانب أنفسهم، ولا بد أن تقوم الصلات بين الوطنيين والأجانب على الشك والريبة، وعلى الحذر والاحتياط، وعلى الخوف وانتظار المكروه، وليس هذا كله مما يقر الرضا في القلوب، ويذود السخط عن النفوس.

ثم دع المصريين ودع الأجانب أيضًا، واعمد إلى صدقي نفسه مؤسس النظام الحاضر، ومقيم هذا العهد الجديد السعيد، وإلى من بقي له من الأصدقاء والأولياء مهما يكونوا قليلين، فسلهم هل هم راضون؟ بل سلهم هل للرضا إلى نفوسهم سبيل؟ فستظفر منهم بنفس الجواب الذي ظفرت به من المصريين والأجانب، وهو لا، وستعلم منهم ما علمته من المصريين والأجانب من أن الرضا لا يعرف إلى نفوسهم سبيلًا، وليس من شك في أن الأسباب التي تدفعهم إلى السخط وتحرمهم لذة الرضا والاطمئنان، مخالفة كل المخالفة للأسباب التي تحول بين المصريين والأجانب وبين الرضا والاطمئنان، ولكنهم ساخطون قلقون على كل حال، ولكنهم منكرون للعهد الذي أقاموه، كانوا ينتظرون منه شيئًا فجنوا منه أشياء، لم يكونوا ينتظرونها ولا يقدرونها، وهَبْ رئيس الوزراء وأصحابه صُرِفُوا عن الحكم كما صُرِفَ عنه صدقي باشا؛ فسيسخطون كما سخط عنه صدقي باشا، وكما كان رئيس الوزراء نفسه ساخطًا في تلك الأشهر التي قضاها بين خروجه من الوزارة وعودته إلى الرياسة، وإذن فأين يكون الرضا ما دام لا يوجد في نفوس المصريين، ولا في نفوس الأجانب، ولا في نفوس الذين أقاموا هذا العهد؟

سل عنه الإنجليز؛ فهم الذين يمكن أن يكونوا راضين، وهم الذين يمكن أن يكونوا مطمئنين؛ هم يرضون لأن إليهم القوة والبأس؛ ولأن لهم السطوة والسلطان؛ ولأنهم لا يكرهون اضطراب المصريين وفساد أمورهم، فقد ينتفعون من الاضطراب وفساد الأمور، ومع ذلك فهل من الحق أن الإنجليز راضون؟ وهل من الحق أن مواهبهم السياسية قد قصرت حتى عن أن تفهم هذه الأوليات التي تقضي بأن اضطراب الأحزاب قد يفيدهم، ولكن اضطراب الشعب كله لا يمكن أن يفيدهم ولا أن ينفعهم؛ لأن اضطراب الشعب كله خليق أن يفسد عليهم وعلى الشعب نفسه كل شيء.

ما نظن أن الإنجليز قد وطنوا أنفسهم على أن يحكموا مصر كما تحكم المستعمرات؛ فهم أذكى من ذلك وأمهر، وهم أضعف من ذلك وأعجز إن طمعوا فيه؛ وإذن فليس هناك موقف بين موقفين، وإنما هناك موقف من موقفين: فإما أن تقوم الصلة بين مصر وإنجلترا على المودة والحق، وما أبعدها الآن من القيام على المودة والحق، وإما أن تقوم على السلطان والبطش، وعلى القهر والعسف، وعلى الإخضاع والإذلال، والإنجليز يعلمون حق العلم؛ لأنهم مجربون أن هذا لا سبيل إليه، وأنه إن نجح الآن في ظاهر الأمر فهو مخفق من غير شك غدًا، وأنه إن خُيِّلَ إليهم أنهم مسيطرون على الأمر، فهو يزرع لهم في قلوب المصريين — نستغفر الله — بل في أرض مصر وسمائها، وفي ماء مصر وهوائها بغضًا قويًّا عميقًا بعيد الأثر لا طاقة لهم به مهما يكونوا أقوياء، ولا قدرة لهم عليه مهما يسيطروا على البر والبحر.

لا يمكن أن تقوم الصلة بين المصريين والإنجليز إلا على إحدى هاتين القاعدتين، فأما الموقف المُذبذب بينهما، فأما الاضطراب بين الشدة واللين، فأما التردد بين الحق والباطل، فأما إظهار الحياد وإضمار التدخل؛ فالإنجليز يرون آثاره الآن، وهم يرونها يسيرة في ظاهر الأمر، ولكنهم قادرون على أن يمضوا في التجربة؛ فسيرون يومئذ أن نتائجها ليست مما يسر، ولا مما يرضي، ولا مما يلائم كرامة الشعوب المتحضرة، ولا مطامع الشعوب القوية المتسلطة.

وهنا تستطيع أن تلقي السؤال الثاني من هذه الأسئلة التي بدأنا بها هذا الفصل، وهو: أين يكون الأمل؟ وأين يكون اليأس؟ ولن تشقى في انتظار الجواب على هذا السؤال؛ فالمصريون ساخطون كل السخط، ولكنهم بعيدون كل البعيد عن اليأس والقنوط؛ لأن هذا الظلم الذي يلقونه ليس أول ظلم عرفوه؛ ولأن هذه المحنة التي يشقون بها ليست أول محنة بلوها، هم جربوا كما جرب غيرهم من الأمم، وهم عرفوا كما عرف غيرهم من الأمم أن ليس إلى اليأس سبيل إلى نفوس الشعوب الحية، وإن وجد اليأس سبيلًا إلى نفوس الضعفاء من الأفراد.

هم ساخطون لكن سخطهم هذا دليل على الحياة، وآية على الأمل، فلو قد كانوا يائسين أو قريبين من اليأس لرضوا بما ينكرون، ولقبلوا ما يرفضون، ولسعدوا بما يرونه شقاء وبؤسًا.

ليس اليأس في قلوب المصريين، فابحث عنه إن شئت في قلوب أخرى فلعلك تجده، أو تجد شيئًا يشبهه.

ثم ألقِ السؤال الثالث الذي قدَّمناه بين يدي هذا المقال، لمن تُحْكَمُ مصر الآن؟ ليست تحكم للمصريين، وإلا لما سخطوا ولا شكوا ولا ضاقوا بالحياة؛ وإذن فلمن تحكم مصر الآن؟ سَلْ عن ذلك الإنجليز، وسَلْ عن ذلك هذه المئات التي تُظْهِرُ الرضا والاغتباط، فلعلَّ الإنجليز ولعلَّ هذه المئات يستطيعون أن يجيبوك على هذا السؤال.

ثم ألقِ بعد هذه الأسئلة كلها سؤالًا رابعًا أخيرًا لمَنْ ينبغي أن تُحْكَمُ مصر؟ فإذا أردت جوابًا على هذا السؤال، فالتمسه عند الحق، والتمسه عند العدل، والتمسه عند الضمائر الحية في الأمم الحية، ولا تنسَ بعد هذا كله أن تلتمسه في قلوب المصريين وضمائرهم، وفي آمال المصريين، وفي تاريخهم أيضًا؛ فأنت واثق بأنك ستجد هناك الجواب الصريح الجلي القاطع الذي لا لبس فيه ولا غموض.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.