قليلة هي الأنواع المنقرضة التي صاحَب إخراجَها من باطن الأرض ضجةٌ تفوق الضجة التي صاحبت خروج الأركيوبتركس. ففي عام ١٨٦١، عثر بعض العمال في محجر للحجر الجيري بألمانيا على أثر ريشة واحدة عمرها ١٤٥ مليون سنة في الأحجار؛ فكاد هيرمان فون ماير — أول خبير حفريات فحَصَها — يظن أن أحدًا شكَّلَها على تلك الهيئة، حتى قارَن الآثار التي خلَّفتها الريشة على الطبقتين العليا والسفلى من الحجر الجيري الذي اكتُشِفَتْ فيه. عندها أعلن أن «ما من مصمِّم قادر على صُنْع شيء واقعي إلى هذا الحد.»

وسرعان ما كان ماير يدرس حفرية أخرى، تمثَّلَتْ في الجسد الكامل للحيوان الذي كساه ذلك الريش. كان يحمل بعض سمات الطيور — مثل الأجنحة المكسوَّة بالريش — ولكنه كان يتمتع أيضًا بسمات تعود أكثر إلى الزواحف لا نراها لدى أي طائر اليوم، مثل الأسنان والذيل الطويل العظمي؛ فأطلق فون ماير على الحفريتين اسم أركيوبتركس؛ أيْ «الجناح العتيق». كان داروين قد نشر كتابه «أصل الأنواع» منذ عامين لا أكثر، ولم يكن يأمل في الحصول على دليل أفضل على عملية التطور؛ فأسرَّ إلى أحد أصدقائه قائلًا: «إنها لحجة عظيمة في صالحي.»

ولما يربو على القرن ظلت حفرية الأركيوبتركس محورية بالنسبة إلى العلماء الراغبين في فهم كيفية تطوُّر الزواحف إلى طيور مكسوَّة بالريش، ولكن بدءًا من أواخر العقد الأول من القرن العشرين، بدأت حفريات جديدة في الظهور، ومثلما نشرتُ في مقال في مجلة ناشونال جيوجرافيك عام ٢٠١١؛ فقد كشفت تلك الحفريات تحوُّل الديناصورات السائرة على الأرض إلى طيور تدريجيًّا.

وحتى مع المجموعة الجديدة من الديناصورات المكسوة بالريش التي صحبتها، احتفظ الأركيوبتركس بمكانة استثنائية في مجال دراسة أصل الطيور؛ فقد بدا أنه الأقرب إلى الطيور الحية الآن؛ إذ يتمتع بتشريح ملائم للطيران، وخصائص من قبيل الذراعين الطويلتين. فمن منطلق شديد الواقعية، كان لا يزال هو الطائر الأول.

والأركيوبتركس الآن آخِذ في التقهقر في صفوف الطيور البدائية والديناصورات المكسوَّة بالريش. ومثلما شرح إد يونج ببراعة، فإن ثمة موجة جديدة من الحفريات بصدد الخروج إلى النور، تلك الحفريات تؤكِّد الحجة التي اتفق عليها علماء الحفريات منذ عقدين من الزمان وحتى الآن؛ أَلَا وهي: أن الطيور تطورت من إحدى سلالات الديناصورات تُدعَى الثيروبودات. إلا أن الموضع الذي يشغله الأركيوبتركس بالتحديد في تلك العملية التطورية ليس على القدر ذاته من الوضوح، فربما كان لا يزال وثيق الصلة بأسلاف الطيور الحية، أو ربما كان ثمة ثيروبودات غير طائرة أوثق صلة به. فإذا أضفت ذلك إلى الاكتشافات الحديثة المتعلقة بديناصورات مكسوة بريش كثيف — حتى أخمص قدميها، في واقع الأمر — فينشأ احتمال أن تكون الديناصورات تطوَّرتْ إلى كائناتٍ طائرة أكثر من مرة. وعندما نتطلَّع إلى السماء اليوم، لا نرى سوى نتيجة واحدة من نتائج تلك المراحل الانتقالية.

واليوم جاءت دراسة جديدة زادت تقهقر الأركيوبتركس في صفوف الكائنات البدائية الطائرة؛ فقد ألقى فريق من الباحثين في المتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي وجامعة تكساس نظرةً على دماغ الأركيوبتركس، ووجدوه عاديًّا إلى حد كبير.

فلطالما عرف العلماء أن أدمغة الطيور الحية استثنائية «إلى حدٍّ كبير»؛ فمقارنةً بالزواحف، تتمتع الطيور بدماغ عملاق بالنسبة إلى جسدها، ومصطلح «فائقة التضخم» هو الوصف الذي يروق للعلماء استخدامه لوصف أمخاخها.

دماغ أركيوبتركس أُعِيد تركيبه من إحدى الحفريات. تميِّز الألوان مناطق الدماغ: البصيلات الشمية (برتقالي)، المخ (أخضر)، الفصوص البصرية (وردي)، المخيخ (أزرق)، وجذع الدماغ (أصفر).
دماغ أركيوبتركس أُعِيد تركيبه من إحدى الحفريات. تميِّز الألوان مناطق الدماغ: البصيلات الشمية (برتقالي)، المخ (أخضر)، الفصوص البصرية (وردي)، المخيخ (أزرق)، وجذع الدماغ (أصفر).

وعندما اتضح للمرة الأولى أن الطيور تطوَّرت من الثيروبودات، ألقى العلماء نظرةً على دماغ الديناصورات لتتبع ذلك التضخم الفائق؛ فوجدوا أن دماغ الأركيوبتركس يقع ما بين دماغ الثيروبودات التي تجمعها به صلة قرابة بعيدة — مثل تيرانوصور ركس — والطيور الحية. والأدهى من ذلك أن بنية دماغ الأركيوبتركس شابهت بنية الطيور، مقارنةً بالديناصورات الأخرى على الأقل؛ فقد كانت مراكز البصر فيه نامية، بينما كانت مناطق الدماغ التي استخدمها لمعالجة الأصوات كبيرة. لقد بَدَا أن دماغها مجهز للطيران.

وإذ وجَدَ فريق المتحف الأمريكي أن ثمة حفريات كثيرة جدًّا لديناصورات شبيهة بالطيور يمكن فحصها، قرَّروا عقد مقارنةٍ أكثر تفصيلًا بين حالات أدمغة ٢٨ نوعًا في المجمل.

في تلك الدراسة الجديدة، لم يَعُدِ الأركيوبتركس يحتل مكانة ظاهرة؛ إذ وجد الباحثون أن أنواعًا عدة من الديناصورات المكسوة بالريش — مثل أحد الترودونتيدات المسمَّى زانابازار، والأوفيرابتور المدعُوِّ كونكورابتور — تتمتع بأدمغة أكبر من الأركيوبتركس، مقارنةً بحجم جسدها.

عكف العلماء أيضًا على دراسة التفاصيل بغية النظر إلى أحجام مناطق مختلفة من الدماغ، ووجدوا أن المنطقة الدماغية الوحيدة الشبيهة بالطيور لدى الأركيوبتركس هي البصيلة الشمية، التي تُستخدَم في الشم. إلا أن بعض الديناصورات الأخرى لديها بصيلات تعادلها حجمًا.

معالجة ثلاثية الأبعاد من صور مأخوذة بالأشعة المقطعية لديناصور زانابازار الصغير من فصيلة الترودونتيدات. في هذه الصورة صار القالب الداخلي (الدماغ) معتمًا، بينما صارت الجمجمة شفَّافة.
معالجة ثلاثية الأبعاد من صور مأخوذة بالأشعة المقطعية لديناصور زانابازار الصغير من فصيلة الترودونتيدات. في هذه الصورة صار القالب الداخلي (الدماغ) معتمًا، بينما صارت الجمجمة شفَّافة.

قد يكون دماغ السلف المشترك للأركيوبتركس وغيره من أقارب الطيور المقربين تطوَّر بالفعل ليشبه دماغ الطيور أكثر مما فعلَتْ باقي الديناصورات، وقد تكون السلالات المختلفة من الديناصورات وثيقة الصلة بالطيور تطوَّرتْ أدمغتها أيضًا بالتوازي إلى حجم أكبر. فإذا كان وجود دماغ شبيه بدماغ الطيور لازمًا من أجل التحدي الذهني المتمثل في التحليق في الجو، فقد تمتَّعَتْ تلك الديناصورات بالخواص اللازمة للطيران. ويُترَك لعلماء الحفريات وعلماء الطيور في المستقبل مسألة التوصل إلى كيفية تشكيل عملية الطيران للدماغ، ومدى قدرة الديناصورات المكسوة بالريش الأخرى على الطيران، إلا أن الأركيوبتركس لن يكون سوى نوع ضمن أنواع كثيرة يأخذها العلماء في الحسبان عندما يتطرقون لتلك الأمور.

Archaeopteryx’s Evolutionary Humiliation Continues by Carl Zimmer. The Loom. July 31, 2013.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.