خطوب يجب أن يضحك لها المصريون؛ لأنها لن تدوم مهما يبذل في سبيل استمرارها من الجهود. وهي لن تدوم؛ لأنها تخالف طبيعة الأشياء، وتخالف منطق الحياة، وتخالف الحقائق الواقعة. وتدل على أن الذين يفرضونها على الناس ما زالوا أغرارًا قد تثقفوا وتعمقوا الثقافة الحديثة، ولكن ذلك لم يغنِ عنهم شيئًا؛ لأنهم يحبون أنفسهم أكثر مما يحبون الناس، ولأنهم يؤثرون المنافع العاجلة على المنافع الآجلة، ولأنهم يريدون أن يعيشوا وأن ينعموا وإن جاء من بعدهم الطوفان، وأنهم ينسون الماضي فلا يفكرون في المستقبل، وإنما يقتطعون الحاضر مما قبله ومما بعده، فيعيشون كما يقول الشاعر القديم:

فات ما فات والمؤمل غيب

ولك الساعة التي أنت فيها

وقد يكون هذا الحمق جائزًا بالقياس إلى الفرد حين لا يفكر إلَّا في نفسه، ولا يعمل إلَّا لنفسه؛ فهو يقتطع حياة مما قبلها ومما بعدها، ويختطف من لذات العيش ما يتيح له هذه السعادة السخيفة فيما يتاح له من الأيام، ثم يموت وقد نعم ما وجد إلى النعيم سبيلًا، وترك أمر المستقبل إلى الله الذي يعلم الغيب وحده ولا يشاركه أحد في العلم به. هذا الحمق ممكن بالقياس إلى الفرد الذي يعيش لنفسه ويعمل لنفسه، فأمَّا الذين ينهضون بأعباء الحكم ويدبرون شئون الأمم ويقومون على مصالح الشعوب، فإن عليهم لهذه الشعوب حقوقًا تقتضيهم أن يفكروا في أمس، ويعتبروا بتجاربه ودروسه القاسية، وأن يفكروا في غد، ويعدوا له عدته؛ لأن حياة الأمم أطول جدًّا من حياة الأفراد، ولأن انقراض جيل من الأجيال ليس معناه انقراض الشعب، وإنما معناه انتهاء طور ضئيل جدًّا من أطوار الحياة العامة وإقبال طور آخر، يليه أطوار. فالذين ينهضون بأعباء الحكم يجب عليهم أن يفكروا في هذا كله ويقدِّروه، وأن يعملوا للشعب؛ لأن الشعب يعيش أبدًا وإن اعتقدوا هم أنهم سيموتون غدًا.

كل هذه أوليات لم يكن من الحق علينا ولا على غيرنا أن نعرض لها أو نتحدث فيها، ولكن سوء الحظ أراد، وما أكثر ما يريد سوء الحظ أن يضطر الناس إلى أن يبدءوا ويعيدوا في عرض الأوليات.

لقد قرأ المصريون أن وزير الخارجية البريطانية تحدث إلى مجلس العموم البريطاني يوم الخميس، فأعلن أن الحكومة البريطانية يسوءها أن يتم بين روسيا وبين إيران اتفاق متأثر بالضغط الذي ينشأ عن استمرار الاحتلال الروسي للوطن الإيراني. ولو أن صدقي باشا وزملاءه الذين ينهضون معه بأعباء الحكم وزملاءه الآخرين الذين يريدون أن ينهضوا معه بأعباء المفاوضة، لو أن هؤلاء السادة جميعًا يقدِّرون طبيعة الأشياء ومنطق الحياة والحقائق الواقعة، ويفكرون في مصر أكثر مما يفكرون في أنفسهم؛ لكان لهم بالقياس إلى هذا التصريح الذي ألقاه المستر بيفن في مجلس العموم البريطاني موقف خطير جدًّا تخفق له قلوب الشعب وتحيا له آمال الشعب ويعظم له نشاط الشعب.

الحكومة البريطانية تشفق من أن يعقد اتفاق بين روسيا وإيران في ظل الاحتلال الروسي للأرض الإيرانية. والحكومة البريطانية في الوقت نفسه تستعد للمفاوضة مع الحكومة المصرية؛ لتعدِّل المعاهدة التي أُمضيت منذ عشر سنين إن صدقنا المذكرات الرسمية ورئيس الوزراء، ولتعقد معاهدة جديدة إن جارينا وزير الخارجية فيما صرح به أمام مجلس النواب من أن المعاهدة قد أصبحت ملغاة؛ لأنها غير ذات موضوع.

الحكومة البريطانية تستعد لهذه المفاوضة والاحتلال البريطاني قائم في مصر، يكتنف الوادي من الشرق والغرب ومن الشمال والجنوب، ويرى المصريون مظاهره المنكرة في المدن والقرى وفي الشوارع والأندية وفي الملاعب والقهوات، لا يجتمعون في مدينة من مدنهم؛ ليعلنوا رأيًا من آرائهم ويطالبوا بحق من حقوقهم إلَّا رأوا مظاهر هذا الاحتلال وحقائقه المرة المؤلمة المهينة للنفوس، المخزية لكل كرامة وطنية والتي لا تتحرج أحيانًا من سفك الدماء المصرية والمطالبة بعد ذلك بالتعويض.

الحكومة البريطانية تستعد لمفاوضة مصر في تعديل المعاهدة أو في عقد معاهدة جديدة، والاحتلال البريطاني قائم يفرض على مصر أن تكون مؤدبة مهذبة مطيعة، لا تقول إلَّا بمقدار، ولا تعمل إلَّا بمقدار، ولا تتحرك إلَّا لتطلب الطعام والشراب وتنعم بما يقدم لها من اللهو واللعب. والحكومة البريطانية في الوقت نفسه يسوءها أن يعقد اتفاق بين روسيا وإيران يتأثر بالضغط الذي ينشأ عن الاحتلال الروسي لأرض إيران.

والحكومة المصرية تقرأ هذا الكلام، وتمر به مرًّا سريعًا، والمفاوضون المصريون يقرءون هذا الكلام ويمرون به مرًّا سريعًا؛ لأنهم قرروا أن يكونوا أحرارًا حين يقدمون على المفاوضات، كأنما يكفي أن يقرر الإنسان أنه حر ليكون حرًّا بالفعل! ولأن الحكومة البريطانية أو وزيرًا من الوزراء البريطانيين قد صرح في بعض حديثه بأن المفاوضات ستكون حرة. كأنما الإنجليز لم يصرحوا نيفًا وستين مرة بأنهم سيجلون عن مصر! ولكن الوزراء المصريين والسادة المفاوضين يمرون بهذا التصريح مرًّا سريعًا كأنهم لا يرون الجيش البريطاني في المدن والقرى، وكأنهم لم يعلموا بما كان في شهر فبراير في القاهرة، وبما كان في شهر مارس في الإسكندرية. وماذا يعنيهم؟ لقد قرروا أنهم أحرار وسيكونون أحرارًا بإذن الله، فمن الحماقة أن يطلب إليهم أن تكون مصر حرة بالفعل قبل البدء في المفاوضات، وأن تسير بريطانيا العظمى مع مصر نفس السيرة التي تطلبها إلى روسيا بالقياس إلى إيران.

لا ينبغي أن نطلب ذلك إلى وزرائنا ولا إلى السادة الذين سيشاركونهم في المفاوضات؛ لأننا نكلفهم بهذا المطلب ما لا يطيقون، فليس من الممكن أن يجلو الإنجليز عن مصر قبل المفاوضات؛ لأن المفاوضات ستتخذ الجلاء نفسه موضوعًا لها. وليس من الممكن أن تكون مصر حرة قبل المفاوضات؛ لأن المفاوضات ستتخذ حرية مصر نفسها موضوعًا للأخذ والرد، ويجب أن تظل القاهرة والإسكندرية ووادي النيل كله رهنًا في يد الإنجليز إلى أن تتم المفاوضات. فإن عرف المفاوضون المصريون كيف يكونون مؤدبين مهذبين مطيعين مذعنين؛ كان من الممكن أن ينزل لهم الإنجليز عن بعض ما في أيديهم، وإلَّا فالرهن قائم والجيوش البريطانية تكتنف الوادي من الشرق والغرب ومن الشمال والجنوب، وتحتل مدنه وقراه، وتستطيع أن تعمل البنادق والمتراليوز، بل المدافع والطائرات إن احتاجت إلى شيءٍ من ذلك.

ورغم ذلك كله أحب أن يضحك المصريون، فهذا كله خطب إن شق علينا احتماله اليوم فليس من سبيل إلى أن يدوم. يجب أن يكون الشعب المصري أذكى من سادته وقادته، ويجب أن يعتبر الشعب المصري بما كان ليفهم ما هو كائن وليستعد لما سيكون. لقد خدع الشعب المصري مرتين في الحربين العالميتين بالأماني والآمال وبالعهود والوعود، فيجب أن يأخذ حذره وألَّا يخدع في المرة الثالثة، والمرة الثالثة واقعة من غير شك.

أمَّا غدًا زعموا

أو لا فبعد غدٍ

وخطبٌ آخر يجب أن يضحك له المصريون، فقد صرح رئيس وزرائنا صدقي باشا في مجلس الشيوخ بأنه لم يصدر إلى الصحف تلك التعليمات التي ذكرها زعيم المعارضة، ولم يصدرها إلى أحدٍ من رجال الأمن. كان هذا يوم الإثنين، فلما كان يوم الأربعاء دُعيَ الصحفيون إلى وزارة الداخلية، وتُليت عليهم فيها رسالة من صدقي باشا حيَّاهم فيها أحسن تحية، ثم رجا منهم أن يعاونوه فينتهوا عن كيت وكيت وعن كذا وكذا، وعدد لهم كل التعليمات التي أنكر في مجلس الشيوخ أنه أصدرها إلى الصحف أو إلى رجال الأمن. فصدقي باشا ينكر في مجلس الشيوخ ويعترف في وزارة الداخلية، يعطي باليمين ويسترد باليسرى. ويظن أن الصحفيين أغرار لا يفهمونه ولا يفطنون لما أراد، وأن الشعب المصري ساذج لا يفقه خطته هذه التي كانت لبقة قبل ستة عشر عامًا، فأصبحت مكشوفة في هذه الأيام لا تخدع أحدًا.

وخطبٌ ثالثٌ يجب أن يضحك منه المصريون؛ لأنه عبث من العبث لا يغني عن أصحابه شيئًا، ولا يغيِّر من حقائق الحياة شيئًا، فصدقي باشا يريد أن يُعلِّم المصريين بعد جهل، وأن يُطعمهم بعد جوع، وأن يكسوهم بعد عري، وأن يردَّ عليهم الصحة كاملة والعافية موفورة. وقديمًا وعد صدقي باشا بمثال ذلك فلم يصنع شيئًا، وقديمًا وعد غير صدقي باشا بمثل ذلك فلم يصنعوا شيئًا. ولكن صدقي باشا في هذه المرة يجب أن يخيِّل إلينا أنه سيصنع شيئًا، فقد يقال: إن صدقي باشا يريد أن يعقد قرضًا عامًّا قوامه خمسون مليونًا من الجنيهات يحارب به الفقر والجهل والمرض. ومعنى ذلك أن صدقي باشا يريد أن ينشئ شركة لمحاربة الآفات، وما يمنعه من ذلك والشركات تنشأ في مصر كل يوم لاستغلال هذا المرفق أو ذاك من مرافق الحياة، فلتنشأ شركة جديدة لاستغلال الفقر والمرض والجهل، ولتكن الحكومة هي المشرفة على هذه الشركة، ولتمتلئ جيوب أصحاب الأموال على حساب الجائع الذي قد يشبع، والمريض الذي قد يصح، والجاهل الذي قد يتعلم.

كل شيء يجب أن يُستغل. ألم يذكر بعض الماليين بل بعض الوزراء السابقين أن القمامة يجب أن تُستغل فتحول إلى سماد؛ لتزداد الأرض خصبًا وإنتاجًا؟ فلم لا تستغل هذه القمامة الإنسانية الأخرى فتتضاعف ثروة الأغنياء؟! لم لا يدفع هذا الباشا أو ذاك آلافًا من الجنيهات أو عشرات ألوف من الجنيهات يشتري بها هذه الأسهم في تلك الشركة التي ستستغل القمامة الإنسانية، فإذا حال الحول عادت إليه أسهمه بربح يرتفع وينخفض كما ترتفع أسهم المجلة وتنخفض؟ كل شيء يجب أن يُستغل، وكل شيء يجب أن يزيد ثروة الأغنياء، حتى إنقاذ الفقير من الفقر والمريض من المرض والجاهل من الجهل. من الطبيعي جدًّا أن تُبتكر شركة لإنشاء المراعي وتربية الحيوان والماشية، فما ينبغي أن يموت البقر والجاموس جوعًا، ولا أن تتعرض الغنم والدجاج للأمراض، فلنستغل فقر الفقراء ومرض المرضى وجهل الجاهلين لتتحقق الفكرة الخطيرة التي يجاهد في سبيلها صدقي باشا وأمثاله؛ وهي أن يشبع الناس ويصحو ليكونوا أقدر على الحرث والزرع وخدمة سادتهم الأغنياء.

أليس كذلك يا دولة الرئيس؟ بلى هو ذاك، هو الذي تدعو إليه وتدعو إليه، وتجادل فيه وتجادل فيه، ولكنك كغيرك من الأغنياء وكغيرك من الناهضين بأعباء الحكم في البلاد المحافظة، تقتطع اليوم من أمس، وتقتطعه من غد، ولا تعتبر بالماضي ولا تستعد للمستقبل. ما زلت محافظًا تجهل أن عصر استغلال الإنسان قد انقضى، وأن إزالة الفقر والمرض والجهل واجب من واجبات الدولة، ومصرف من مصاريف الميزانية، وغرض من الأغراض التي تُجبى لها الضرائب من الموظفين.

ففكر وقدِّر واعتمد على الله وأعرض عن قرضك هذا الذي لن يغني شيئًا، وأصلح الميزانية وارفع الضرائب، وإن كلفك ذلك — فضلًا عن ذلك ‍— الكثير، وواجه الأمور كما ينبغي أن تواجه. أو تعد بأنك لن تصنع شيئًا في وزارتك الثانية كما أنك لم تصنع شيئًا في وزارتك الأولى.

أمَّا أنتم أيها المصريون، فاضحكوا من هذه الخطوب فإنها لن تدوم، واضحكوا من هؤلاء الذين يعيشون ليومهم ولا يفكرون في أمسهم ولا في غيرهم.

اضحكوا، وليكن ضحككم خصبًا يشحذ العزائم ويحيي الآمال ويدفع إلى النشاط، فإن من الضحك ما يميت القلوب.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.