من الأقوال التي تتردد بين علماء الغرب المشتغلين بالدراسات الإسلامية أن حجة الإسلام أبا حامدٍ الغزالي رحمه الله أكبر مسلم في العالم كله ظهر بعد محمد صلوات الله عليه.

ولا يقصد هؤلاء العلماء أن يعقدوا المقارنة بين الإمام الغزالي وعظماء الإسلام من رؤساء الدول وقادة الشعوب ومديري الممالك والأوطان؛ فإن المقارنة لا تنعقد بين أعمال التفكير والتذكير وأعمال الفتح والحماية وتدبير شئون الجماعات. ولكنهم يرفعون مقام الإمام الغزالي في منازل الهداية الروحية إلى منزلة تقارب منزلة الرسالة النبوية في بابها، لولا أن منزلة الوحي لا تدرك بالإرادة والاجتهاد. أو كما قيل في تعظيم قدر جلال الدين الرومي: إنه لم يكن نبيًّا ولكن كان له كتاب، ويريدون بذلك أن كتابه يكاد أن يلحقه بالدعاة الإلهيين لولا أنه لا يوحى إليه.

واعتقادنا في الإمام الغزالي أنه كما وصفوه، وإن جاز الخلاف في المفاضلة بينه وبين أقرانه من أئمة الإسلام. ولكننا نذكر الأسماء التي ترد في مورد المناظرة عند ذكر الإمام الغزالي فلا نرى أحدًا يفوقه، بل لا نرى أحدًا يساويه في جميع مزاياه، وهي: مزية العقل المقتدر والنفس المنزَّهة والاستقامة الخلقية وصلاح المتصوف الزاهد وعبادة التقي البصير. فما من قرين يدركه في جميع هذه الصفات، وإن كان من القرناء من يدركه في بعضها على تفاوت في سائر الصفات.

ونحسب أن الخلاف لا ينقطع على مثل هذا التفاوت إذا انتقلنا من القرون الإسلامية الأولى إلى القرن الثالث عشر للهجرة. ولكننا نستطيع أن نعيد قول القائلين في الغزالي بالنسبة إلى رجل يضارعه بين المحدثين، فنقول عن الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده: إنه أعظم مسلم بعد نبي الإسلام في هذا العصر الحديث! ثم لا ننتظر أن يذكر المخالفون اسمًا آخر هو أولى من اسم محمد عبده بالذكر في هذا المقام.

ولهذا نغتبط جِدَّ الاغتباط بأن تكون سيرته موضوع الدراسة هذا العام لطلاب الفرقة النهائية في المدارس الثانوية. ولسنا نغتبط هذا الاغتباط لأننا نرجو لطلاب هذه المدارس كلهم مستقبلًا كمستقبل الأستاذ الإمام بين رجال الدين، فليست هذه بالأمنية المختارة لكل طالب، ولا هي بالأمنية المختارة للعالم الإسلامي وهو لا يحتاج إلى مثل هذا العدد من رجال دينه؛ وإنما نغتبط بذلك لأن القدوة بخلائق هذا الرجل العظيم كافية لتزويد هذه الأمة بأصلح العاملين في مجال الدنيا ومجال الدين على السواء. ولم يكن لمحمد عبده رحمه الله فضيلة أبرز وأقوى من هذه الفضيلة المثلى؛ وهي: إقامة الإصلاح الديني على أساس سليم من إصلاح التفكير وإصلاح الكفاية للعمل في الحياة كيفما كان. وأدعى من ذلك إلى الغبطة أننا نراجع الرسائل التي ترد إلينا من الطلاب المستفسرين عن بعض المسائل اللغوية والثقافية في كتابنا عن الأستاذ الإمام فلا نرى فيها ذلك القصور الذهني الذي كنا نلمسه في أسئلة الطلاب قبل سنوات عن مسائل اللغة والتاريخ في كتاب «عبقرية عمر». ولا نحسب أن أسلوب التعليم الذي يرجع إليه ذلك القصور قد تغير كثيرًا خلال هذه السنوات، ولكن التغير الذي طرأ على موقف بعض المعلمين خلالها قد ينشأ من اعتقادهم أن سيرة محمد عبده تعرض عليهم اليوم موضوعًا لم يطلعوا من قبل على جميع تفصيلاته، ولم يزل حكم التاريخ فيه يسمح بالمزيد من المعرفة، وإن كان طالب المزيد فيها عارفًا بتواريخ الصحابة والخلفاء، ولا سيما تاريخ عمر بن الخطاب رضوان الله عليه.

وبين أيدينا طائفة من الأسئلة نختار منها شيئًا فشيئًا ما تتسع له هذه اليوميات. ونبدأ بهذه الأسئلة الثلاثة من «محمود سامي عبد اللطيف» بمدرسة الملك الكامل الثانوية بالمنصورة، ومن «أحمد موفق محمد إبراهيم جاد الله» بمدرسة إسكندرية الثانوية، ومن «ج. ع. أ.» طالب ثانوي بالقاهرة.

يقول الأديب محمود سامي:

… في الفصل الذي بعنوان — مع الثورة العرابية — نجد سيادتكم تمجدون أعمال الإمام محمد عبده ومواقفه الحميدة تجاه الاستعمار وتجاه الثورة العرابية. ثم اختتمتم سيادتكم الفصل بأن هناك أخطاء للإمام محمد عبده ولكنها أخطاء لا تضر. والمرجو من سيادتكم توضيح هذه الأخطاء؛ لأننا معرضون للسؤال عن هذه الفقرة.

وجواب هذا السؤال قد يجده الطالب الأديب مجملًا في الفصل نفسه، ولكننا نزيده إيضاحًا بالتفرقة بين نوعين من الأخطاء في مواقف المصلحين من الثورات التي يشتركون فيها أو يحضرونها.

أحد النوعين هو من قبيل الأخطاء التقديرية التي لا تعاب على الأخلاق ولا على التفكير؛ لأنها ترجع إلى اختلاف وجهات النظر التي تتعدد بين الناس، ولا حرج من تعددها؛ لأن الاتفاق في وجهات النظر مستحيل.

والنوع الآخر من الأخطاء يعاب على صاحبه؛ لأنه يرجع إلى سوء النية أو النفاق، أو تقديم المطامع الخاصة على المصالح العامة التي نشبت من أجلها الثورة.

ولم تكن أخطاء محمد عبده في مواقفه من رجال الثورة مما يعاب؛ لأنها ترجع إلى اختلاف التقدير بين العقول.

إن الثورات المفاجئة سيل جائح ربما دفع راكبه على الرغم منه إلى الخطأ الجسيم، وهو مضطر إليه عاجز من اجتنابه؛ لأنه عاجز عن تحويل مجرى السيل.

ولكن أعمال الإصلاح المنتظم أشبه شيء بهندسة الأنهار والجسور التي يضبطها المهندس الخبير بإقامة القناطر وبناء السدود وتقسيم المواعيد على حساب مقدور لا يخشى أن يختلَّ في يديه، وهو عارف بما يعمله وبما ينشأ من كل عمل من هذه الأعمال.

ومحمد عبده قد صحب الثورة العرابية بعقلية المهندس الذي يريد توجيه السيل في مجرًى أمين لا خطر منه على البلاد. وهو خطأ في التقدير لا حيلة له فيه؛ لأنه مضطر إليه بحكم طبيعته وطبيعة تفكيره واتجاه مقاصده. وربما كان مخالفوه مضطرين أيضًا إلى مسلكهم؛ لأنهم ركبوا الدولاب المندفع ولم يكن له زمام يقبضون عليه. وإذا كانوا مسئولين بعض الشيء لأنهم لم يحسبوا حساب العواقب قبل التورط فيها، فهم معذورون بعض العذر كذلك؛ لأن هذه العواقب لا تظهر كلها في مبدأ الطريق. ولا يسلم أعداء الثورة — وهم المستبدون والمستعمرون — من حصتهم الكبرى من المسئولية الأخيرة في خلق المشكلات التي تخلف الحساب وتدفع بالثوار في كل خطوة إلى مأزق جديد.

وقد كانت للمشتركين في الثورة العرابية أخطاء معيبة كأخطاء المنافقين الذين يقابلونها بوجهين متعارضين عن ضعف منهم أو عن رغبة في استغلال الموقف لمصلحتهم أو عن جهل بمقاصد الثوار ومقاصد المستعمرين. وهذه هي الأخطاء الأخلاقية التي سلمت منها ذمة الأستاذ الإمام، فكان اختلافه مع أكثر الزعماء العرابيين مُبَرَّءًا من البواعث الشخصية في جميع الأحوال.

***

ويقول الأديب «أحمد موفق محمد جاد الله»:

لقد استرعى انتباهي أثناء دراستي لكتابكم — «الإمام محمد عبده» — ورود كلمة شغلان بصفحة ٢٥٨ طبعة وزارة التربية والتعليم، ونظرًا لأن هذه الكلمة لم تصادفني من قبل أثناء مطالعاتي في كتب الأدب العربي؛ فقد تحفزت للبحث عنها في معاجم اللغة العربية فلم أهتدِ إليها … وإنني أكون شاكرًا لو تفضلتم بإفادتنا عن المصدر اللغوي لهذه الكلمة.

والذي قاله الطالب الأديب من خلوِّ المعاجم من مصدر «شغل» على وزن «فُعْلان» بضم الفاء صحيح.

ولكن المعاجم قد أهملت مصادر كثيرة على هذا الوزن لا شك في ورودها على ألسنة العرب؛ لأنها بقيت في بعض الأسماء الشائعة كأسماء عثمان وقزمان وسفيان، وليس في مادة عثم وقزم وسفي مصادر ذكرتها المعاجم على وزن فُعلان.

ووضع المصدر على هذا الوزن ضرورة لا غنى عنها؛ لأن كلمة «شغل» لا تؤدي المعنى الذي نفهمه من كلمة الشغلان بزيادة معناها مع زيادة مبناها. ولهذا تعوَّد الكتَّاب والمتكلمون أن يُتبعوا كلمةَ الشغل بوصف الشاغل، فيقولون مثلًا: إن «فلانًا» في شغل شاغل بهذا الأمر؛ لأداء المعنى الذي تؤديه كلمة شغلان في أذهان السامعين.

ومثل هذا يجري في استخدام كلمة عُمران مصدر الفعل «عَمَرَ» وهي غير مذكورة في المعاجم، ولكننا إذا تكلمنا عن علم «العمران» لم تنفعنا كلمة العمر أو العمارة لأداء الغرض المقصود بدراسة المسائل «العمرانية».

وليس للمعاجم أن تتحكم في الأقلام والألسنة بإحصاءاتها الناقصة أو الكاملة؛ لأن كلمة «المعجم» نفسها لم ترد على لسان العرب الجاهليين بمعناها الشائع اليوم ولا بمعنًى يقاربه. ولو تحكمت إحصاءات المعاجم في تصرف الكتَّاب والمتكلمين بالألفاظ على حسب الصيغة العربية بقيت «المعاجم» نفسها بغير اسم مشتقٍّ يدل عليها.

ولقد وُجدت المصادر على وزن فُعْل وفُعْلان في وقت واحد، وكان وزن فُعلان أدل على المعنى من الوزن الثلاثي، كما في كلمات شُكر وشُكران، وقرب وقُربان، وخُسر وخُسران، وكُفر وكفران، وهُجر وهُجران، وفُرق وفرقان … إلى كثير من أمثال هذه المصادر المتكررة لزيادة المعنى بزيادة المبنى.

فإذا كانت كلمة الشغل لا تؤدي معنى الشغلان فلا حرج من استخدام المصدر على وزن فُعلان ما دام الوزن لا يخالف القواعد العربية والصيغ المصرفية، وبخاصة حين نذكر أن المصادر من هذا الوزن لم تذكر كلها في المعجمات.

***

ويقول الطالب الأديب «ج. ع. أ.»: إن معلمهم الذي يشرح لهم كتاب محمد عبده لا يدري أي الرجلين أعظم وأنفع للعالم الإسلامي: محمد عبده أو أستاذه جمال الدين؟ وأن المعلم لا يريد أن يطرق هذا الموضوع ولا يراه لازمًا لفهم دروس الكتاب.

وربما كان معلم الطالب على حق في تحرُّجه من طرق هذا الباب على سبيل المفاضلة؛ لأنه لا يريد الإساءة إلى أحد الرجلين العظيمين في سبيل الثناء على صاحبه، وكلاهما يأبى الإساءة لأخيه.

وأولى من هذه المفاضلة التي تنتهي إلى التصغير أو التكبير أن نقابل بينهما مقابلةً تبدي لنا الفارق بين المنهجين والاختلاف بين طبيعة العبقريتين. ولا صعوبة في إظهار الفارق الذي لا غضاضة فيه على أحد منهما؛ فإن السيد جمال الدين خلق بطبيعة الداعي المنبِّه الذي استعد بمزاجه وتربيته لإيقاظ الهمم وتحريك الخواطر، وملك من عدَّة الحماسة والحركة ما يغنيه في سعيه وأسباب نشاطه. ورزق محمد عبده نصيبًا موفورًا من القدرة على الدعوة والتنبيه ولكنه استعدَّ لعمله — بعد عمل أستاذه — بطبيعة المصلح المعلم وعدِّتها غير الحماسة والحركة عدة الحزم والعزيمة والصبر الجميل مع القدرة على احتماله. وقد كان كلاهما متممًا لصاحبه في أوانه، فلم يكن من مصلحة الدعوة أن يبدأ جمال الدين بطبيعة المعلم المصلح قبل إيقاظ الهمم لطلب الإصلاح، ولم يكن من مصلحة هذه الدعوة كذلك أن يستمر محمد عبده بعد أستاذه في دور الإثارة وحماسة الحركة بعد أن تمهدت الطريق لتقرير مبادئ التعليم والإصلاح.

وكلا الرجلين — بعد هذا — أفضل من صاحبه في دوره الذي اختاره، واختارته له أحوال الزمن، إن كان لا بد من المفاضلة والتفضيل.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.