في أقلَّ من أسبوع عرف العالم أن شعبينِ عربيينِ مسلمينِ قد استطاعا أن يفرضا إرادتهما على دولتين عظيمتين من أقوى دول الأرض قوة، وأشدها بأسًا وأبعدها صوتًا وأوسعها سلطانًا.

فرض الشعب المراكشي إرادته على فرنسا، فاضطرها اضطرارًا إلى أن تعترف باستقلاله وسيادته، وأكرهها إكراهًا على أن تُفاوض السلطان الذي أنزلته عن عرشه منذ عامين، ونفته إلى جزيرة نائية في أقصى المحيط، وقدَّرت أنها ستجعله نكالًا للثائرين بها والمتمردين عليها. فلم يُغن عنها مكانها الرفيع وصوتها البعيد وبأسها الشديد وسلطانها الواسع شيئًا، وإنما مضى الشعب المراكشي في ثورته وأضاف عنفًا إلى عنف، حتى اضطرها بما بذل من جهد وما احتمل من عناء وما أنفق من أموال ودماء، إلى أن تترضى السلطان المخلوع المنفي وترسل إليه في جزيرته النائية قائدًا من كبار قوادها؛ يتلطف له ويترفق به ويعرض عليه السِّلم والموادعة إلى حين، ثم الرجوع إلى وطنه وعرشه موفورًا منصورًا، ثم المفاوضة للانتهاء إلى ما يرضيه ويرضي وطنه وشعبه، وينقذ ما يمكن إنقاذه من سمعتها ومصالحها في تلك البلاد.

وهي الآن تُعلن إليه أن وطنه قد أصبح مستقلًّا يستمتع بسيادته ويدبر أمره بنفسه، ثم جعلت تفاوض حكومته في حماية مصالحها ما وجدت إلى حمايتها سبيلًا، أرادت أن يكون خلع السلطان ونفيه نكالًا للثائرين بها والمتمردين عليها، فلم يصنع شيئًا، وكان خلع السلطان ونفيه نكالًا لها هي، ودرسًا قاسيًا عرفت كيف تنتفع به في تونس وكيف تنتفع به في مراكش، وستعرف غدًا أو بعد غد من غير شك كيف تنتفع به في الجزائر أيضًا؛ ذلك أن خلع السلطان ونفيه والبطش بالشعب المراكشي لم يُخِفْ أحدًا في شمال أفريقيا كله، بل نشر فيها الثورة وأضاف إلى لهيبها لهبًا، فثار التونسيون حتى ظفروا ببعض استقلالهم، وهم يفاوضون الآن ليضيفوا ظفرًا إلى ظفر، ويوسعوا هذا الاستقلال الذي نزلت لهم فرنسا عنه منذ حين، ويجعلوه استقلالًا محققًا لا كلامًا يُقال. وثار المراكشيون حتى استردوا سلطانهم وانتزعوا استقلالهم انتزاعًا، وثار الجزائريون وما أرى أن ثورتهم ستهدأ حتى تعرف لهم فرنسا ما تُنكر من حقهم، وترد عليهم ما تستأثر به من مصالحهم، وتمحو من نفسها هذه الأسطورة السخيفة التي عللت نفسها بها قرنًا وبعض قرن، حين زعمت أن الجزائر جزء من الوطن الفرنسي، زعمت ذلك لنفسها وأبت أن تعرف لأهل الجزائر حقوق الفرنسيين، فجعلت الجزائر أرضًا فرنسية يعمل فيها الملايين من الرقيق؛ ليخدموا سادتهم من الفرنسيين، وهى الآن تتعلم في مشقة أي مشقة وجهد أي جهد وتضحية بالمال والرجال، أن الجزائريين كانوا أحرارًا وهم يريدون أن يستردوا حريتهم وأن يملكوا بلادهم، ويدبروا أمرهم كما يريدون هم لا كما يريد غيرهم من الطارئين.

وكذلك تجاهد الشعوب العربية المسلمة في سبيل حريتها واستقلالها، فيظفر بعضها ويجدُّ بعضها الآخر حتى يبلغ من الظفر ما ينبغي له؛ ليعود حرًّا كريمًا كما كان في ماضيه حرًّا كريمًا. ولن تستطع فرنسا مهما تبذل من جهد، ومهما تنفق من مال، ومهما ترسل إلى الجزائر من جند؛ أن تصرف الجزائريين عما يطالبون به من الحياة الحرة الكريمة.

لن تستطيع فرنسا أن ترجع بتونس ومراكش إلى وراء، ولن تهدأ الجزائر حتى يظفر أهلها بمثل ما ظفر به التونسيون والمراكشيون.

تلك طبيعة الأشياء، وهذا منطق التاريخ، ولن تجني فرنسا من إبطائها في الاعتراف بالحق ومكابرتها فيما لا ينبغي أن تكابر فيه، لن تجني من هذا إلا التضحية بالمال والرجال في غير طائل، ومع ذلك فقد ينبغي أن تعرف لفرنسا أنها انتفعت بما أُلقي عليها من دروس قاسية، ولم تلح في المقاومة التي لا تجدي في تونس ومراكش. وكل ما نتمناه لها صادقين ناصحين هو أن تثوب إلى الرشد والقصد بالقياس إلى الجزائر كما ثَابَتْ إليهما بالقياس إلى جارتيها في الشرق والغرب.

وفي الشرق الأدنى عرف شعب صغير في عدده وصغير في قوته المادية وصغير في قطر الأرض التي يسكنها، وهو شعب الأردن، أن يفرض إرادته على دولة طالما فرضت إرادتها على الشعوب، وطالما سخرت أقطارًا كثيرة في الأرض لمآربها وأهوائها، وطالما لعبت بالعروش والتيجان، وطالما استعلت على العالم كله بتسلطها على البحار وتحكمها في الأقطار. وهي الآن تتلقى من هذا الشعب الأردني الصغير الكبير درسًا ستذهل له أول الأمر، ثم تتدبره وتروى فيه بعد أن ينجلي عنها الذهول، وتؤمن آخر الأمر — إن لم تكن قد آمنت بعدُ — بأن إرادة الشعوب حين تعرف حقها وتشعر بكرامتها، فوق كل بأس، وفوق كل ثراء، وفوق كل طغيان يعتمد على البأس والثراء.

أرادت بريطانيا العظمى أن تُكره الشعب الأردني على أن ينضم إلى حلفها في بغداد؛ فعلَّمها الشعب الأردني أنه بلغ من الإيمان بنفسه وحقه ما يمكِّنه من أن يقول لها: لا، وأرادت أن تجعل من جيش الأردن أداة طيعة مسخَّرة لأهوائها ومآربها تفرض عليه قائدًا داهية من أبنائها؛ فعلَّمها الشعب الأردني بعد أن آمن بنفسه وحقه أنه يستطيع أن يقول لها لا، وأن يرد عليها قائدها الداهية في ساعات قليلة من نهار.

وقد قلت منذ أكثر من ثلاثة أعوام حين شبَّت ثورتنا، أنها ستؤثر في شعوب الشرق العربي نفس الآثار التي أثرتها الثورة الفرنسية في شعوب أوروبا منذ أكثر من قرن ونصف قرن، وهذه الحوادث تثبت في وضوح وجلاء أني لم أكن متكثرًا ولا مخطئًا في التقدير. وانظر إن شئت إلى الشعوب التي أثارت بالمستعمرين وانتصرت عليهم وظفرت بالحق كله أو بعضه منذ نشرتُ ذلك المقال في الأهرام حين شبَّت ثورتنا.

انظر إلى السودان كيف كان حين شبَّت الثورة المصرية وكيف هو الآن، وانظر إلى تونس ومراكش كيف كانا منذ ثلاثة أعوام وكيف هما الآن، وانظر إلى الجزائر كيف كانت تتجرع العذاب والذل وكيف تثور الآن لتخلص من العذاب وتبرأ من الذل وتستأنف غدًا أو بعد غد حياة حرة كريمة قوامها العزة والإباء، وانظر آخر الأمر إلى الأردن كيف استطاع أن يفرض إرادته على الإنجليز مرتين في أقل من ثلاثة أشهر، ولم ينته جهاد الشعوب العربية في سبيل استقلالها وكرامتها؛ ولكنه سيزداد قوة وإيذاء حتى تبلغ هذه الشعوب من آمالها ما تريد، إنها تنظر إلى مصر فتسلك الطريق التي تسلكها مصر جادة غير لاعبة؛ لأنها ترى في مصر جدًّا لا لعبًا. وما ينبغي أن نخدع أنفسنا عن الحقائق ولا أن نغرها عن منطق التاريخ، فحلف بغداد الذي يدبر للاحتياط من روسيا السوفيتية — فيما يُقال — لم يفكر فيه نوري السعيد والذين أوحوا به إلى نوري السعيد، إلا للاحتياط من مصر أولًا، ومن عدوى ثورتها ثانيًا، ومن تأثيرها في الشعوب المستضعفة، ومن إذاعتها فكرة المقاومة للمستعمرين من جهة، وسعيها في رفق وتصميم إلى تحقيق العدل الاجتماعي من جهة أخرى.

بالضبط كما ائتلف الحلف المقدس لمقاومة الثورة الفرنسية وما نشأ عنها من الأحداث، ولكن الحلف المقدس لم يُغن عن أصحابه شيئًا؛ فقد حققت فرنسا ثورتها وأذاعت الديمقراطية في أوروبا، وكانت الكلمة الأخيرة للحرية والإخاء والمساواة، ولن يغني حلف بغداد عن أصحابه شيئًا؛ فستتم مصر ثورتها، وستمضي الشعوب العربية ومن بينها الشعب العراقي نفسه في أثرها، وستكون الكلمة الأخيرة للقضاء على الاستعمار وتحقيق المساواة بين الشعوب من جهة، وبين الأفراد داخل الشعوب من جهة أخرى.

بهذا كله قد أذن الله عز وجل حين قال بعد أن ذكر طغيان فرعون، ().

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.