في حديث بيني وبين أحد الأصدقاء حول خطاب أوباما في القاهرة، وصفني الصديق بأنني «متفائل»، وأن ظاهر الأمور ليس بالضرورة كباطنها. وأعتقد أن ما قاله الصديق يعبر عن قضية عامة. فهناك بشكل عام نوعان من البشر، بل وأحيانًا من الجماعات أيضًا. فهناك من يصدقون بشكل عام ما يقال لهم. كما أن هناك أيضًا من يرتابون في كل ما يقال أمامهم. الأولون كثيرًا ما يوصفون بالسذاجة، في حين أن الآخرين هم أقرب إلى الارتياب أو ما يعبر عنه بالإنجليزية Cynics التي لم أجد لها ترجمة دقيقة، فكل ما يقال أمامهم هو تغطية لأشياء غير معلنة وغالبًا شريرة. وإذا كان الأولون يوصمون «بحسن النية»، فإن الآخرين يوصفون «بحسن الفطنة». وبشكل عام تتوافر الصفة الأولى لدى الشباب وصغار السن، في حين أن الثانية تظهر بشكل أوضح لدى الشيوخ وكبار السن. الأولون يميلون إلى التفاؤل وحسن الظن بالمستقبل، والآخرون أقرب إلى التشاؤم نتيجة تجاربهم وخبراتهم الماضية. ولعل الحقيقة هي بين الأمرين، فالبشر ليسوا ملائكة لا يكذبون أبدًا كما أنهم أيضًا ليسوا شياطين يكذبون باستمرار. ومع ذلك فإن هذه النتيجة التوفيقية بالاعتراف بوجود الصدق والكذب معًا، ليست دقيقة، ولا هي مفيدة. فالصدق والكذب ليسا على قدم المساواة. حقًّا يتواجد الأمران في كل المجتمعات وبلا استثناء. فالجميع يصدق ويكذب، ولكن، وهنا الفارق، الأصل في الأشياء هو الصدق في حين أن الكذب خروج أو استثناء على هذا الأصل. ويرجع ذلك إلى اعتبارات بيولوجية في تكوين الإنسان الطبيعي كما يعود في نفس الوقت إلى ضرورات اجتماعية لوجود المجتمع نفسه وتماسكه، فضلًا عن ضوابط أخلاقية راسخة. فالصدق بعمومه — وليس الصدق المطلق — هو من طبيعة الإنسان السوي كما أنه العنصر الأساسي لوجود المجتمعات واستمرارها.

فهل نصدق الآخرين أو لا نصدقهم؟ هل نفترض مقدمًا أن الآخر صادق أم كاذب؟ هذا هو السؤال.

وكنت قد نشرت في جريدة الأهرام منذ عدة سنوات (٢٠٠٦) مقالًا بعنوان «الإنسان حيوان كاذب». ولم يكن المقصود من هذا العنوان القول إن الإنسان يكذب دائمًا، بل كان الغرض هو الإشارة إلى أن الإنسان هو وحده القادر على الكذب رغم أن الكذب ليس كل حياته. فكيف يختص الإنسان دون غيره بالكذب؟

الكذب مرتبط باللغة. فدون لغة لا كذب، فأنت تطلق عبارات ذات معانٍ مستقرة في الوجدان الاجتماعي ولكنك قد تقصد أشياء أخرى. فالكذب عمل إرادي مقصود. ونظرًا لأن الإنسان وحده يتمتع بالإرادة الحرة ونعمة اللغة، فهو وحده أيضًا القادر على الكذب. فقد حبا الله الإنسان وحده — من دون الكائنات الأخرى — بنعمة اللغة. حقًّا هناك العديد من الحيوانات والطيور التي تصدر أصواتًا محددة للتعبير عن احتياجاتها البيولوجية مثل الجوع أو الخوف أو الرغبة في الجماع. ولكن هذه الأصوات ليست لغة لأنها ليست إرادية واختيارية بل هي مجرد تعبير غريزي. أما اللغة عند الإنسان فهي عمل إرادي، فهو يختار متى يتحدث ومتى يصمت، وعندما يقرر الحديث فهو يختار الألفاظ المناسبة، وقد يكذب فيما يقوله.

فاللغة وما توفره للإنسان من حرية في اختيار الكلمات والألفاظ تعطيه الفرصة للصدق أو الكذب. واللغة مجال واسع تسمح للفرد بالاختيار والمراوغة. فاللغة بما تتضمنه من حرية الاختيار تسمح للإنسان بالمغالطة والادعاء بل والكذب. وهكذا، فكما يتمتع الإنسان وحده بالبلاغة أو الفصاحة، فإنه أيضًا وحده القادر على الكذب. وكما يصعب أن تجد عصفورًا فصيحًا أو بقرة بليغة، يستحيل أن تجد بغلًا كاذبًا! الحيوانات لا تكذب لأنها لا تستطيع ذلك.

وإذا كان الإنسان وحده يكذب فليس معنى ذلك أن الكذب هو صفته الأساسية. فيظل الأصل عنده هو الصدق، ويأتي الكذب استثناء من هذا الأصل. فالطفل الصغير يصدق غالبًا والكذب عنده أمرٌ غريبٌ ومستهجن، وعلى حين تصدر عباراته الصادقة تلقائيًّا ودون عناء، فإن الكذب يحتاج منه إلى جهد، وتترتب عليه عادة معاناة نفسية. الصدق أقرب إلى الفطرة، والكذب يحتاج إلى جهد وصنعة. فأنت لا تحتاج إلى أسباب أو مبررات لقول الصدق، ولكنك في حاجة لذلك عند الكذب. الكذب خروج على الطبيعة والتلقائية.

وإذا كان الكذب هو نتيجة وجود اللغة، فإن غلبة الكذب على الحوار يهدم اللغة ذاتها ويفسدها ويعطل دورها. فإذا غلب الكذب وشاع بين الناس ضاعت المعاني وفقدت الكلمات مغزاها وانقطع التواصل بينهم، ولم يعد للغة من معنى أكثر من مجرد أصوات بلا دلالة. فاللغة تقوم على ركيزتين، الأولى «لغوية» بحت من حيث توافر الكلمات وتعددها ووضوح معانيها واستقرار قواعد الصرف والنحو عند استخدامها، أما الركيزة الثانية فهي ركيزة «اجتماعية» تتعلق بتوافر الثقة بين المتحدثين باللغة على الصدق في الحديث أو على الأقل حسن النية. فالتعامل باللغة يفترض قدرًا من حسن النية في صدق ما نعلنه. ووجود اللغة واستمرارها يفترض درجة من المصداقية في خطاب الأفراد، وأنهم، وإن لم ينطقوا دائمًا بالصدق الكامل، فإنهم لا يتحدثون أيضًا بالكذب المطلق. فالمجتمعات قد تتقبل هامشًا من الكذب وتتعايش معه، ولكنها لا تستطيع الحياة في جو من الكذب المطلق.

ولكن الحاجة إلى الصدق — بشكل عام وإن لم يكن مطلقًا — لا ترجع فقط إلى اعتبارات الطبيعة البشرية بل يبدو أن هناك أيضًا نفورًا أخلاقيًّا طبيعيًّا لدى معظم الجماعات ضد الكذب. فالكذب ليس فقط خروجًا على التلقائية بل هو مدان أخلاقيًّا واجتماعيًّا. والإنسان ليس مجرد كائن حي عادي، ولكنه — على خلاف الكائنات الأُخرى — كائن «أخلاقي» يميز بين الخير والشر، ويعرف الفارق بين الحق والباطل. وليس من الضروري أن يقوم دائمًا بأعمال الخير أو يتجنب أعمال الشر، ولكنه يعرف الفارق بينهما ولا ينجو من خجل من نفسه عند اقتراف أفعال شائنة، ومن شعوره بالخزي والعار أمام مجتمعه الصغير. فجميع الأديان وكذا المبادئ الأخلاقية تدين الكذب وترى فيه جريمة أخلاقية واجتماعية. ولذلك يصعب أن يظهر الكذب علنيًّا، ويظل دائمًا من أبناء الظلام يبرز مترددًا وعلى حياء، وعادة مغلفًا بالعديد من المبررات النفسية. فالكذب يتضمن تكلفة اجتماعية من سخط الناس واحتقارهم للكاذب.

لكل ذلك، فإن الكذب وإن كان صفة للبشر لا يشاركهم فيها أحد من الكائنات الحية الأخرى، فإنه يظل مع ذلك استثناء في حياتهم. فالأصل في العلاقات الإنسانية هو الصدق والاستثناء هو الكذب، ولكنه استثناء شائع، كهامش يمثل نسبة محدودة من مجمل علاقات التخاطب. فلا يوجد مجتمع واحد بلا كذب. ولكن ليس معنى ذلك أن كل ما تقوم به هذه المجتمعات أو أغلبه كذب. الكذب — رغم انتشاره — يشغل حيزًا أقل بكثير مما يشغله الصدق.

وبطبيعة الأحوال تختلف الجماعات من حيث مدى غلبة الصدق في نظامها الاجتماعي والسياسي والأخلاقي. وقد رأى بعض الدارسين أن المجتمعات الأكثر تقدمًا استندت في تقدمها إلى ما تتمتع به من ثقة في المعاملات ومصداقية في التعامل، وذلك على عكس المجتمعات التي تندر فيها الثقة في التعاملات وتغلب عليها الريبة والكذب، فإنها قلما تعرف تقدمًا اقتصاديًّا واجتماعيًّا. فمجتمعات التقدم أكثر صدقًا وصراحة، كما أن مجتمعات التخلف أكثر كذبًا ولوعًا.

وكل ذلك لم يمنع بطبيعة الأحوال من أن التاريخ البشري قد عرف أكاذيب هائلة استمرت قرونًا نتيجة لمعتقدات خاطئة أو حماية لمصالح اقتصادية أو مزايا اجتماعية لطبقة أو جنس.

والخلاصة أنه رغم كثرة الكذب وتفشيه في عالمنا البشري، فما زال الأصل هو الصدق وبالتالي الثقة في الآخرين. حقًّا، ليس صحيحًا أننا نعيش في عالم من الملائكة، ولكنه قطعًا ليس عالمًا من الأبالسة. فهناك الصدق والكذب، ولكن الصدق أكثر وأعم، وإن كان الكذب أخطر وأشد إيلامًا.

قد يكون من حسن النية أو حتى من السذاجة الميل إلى التفاؤل إزاء ما يصدر من السياسيين من مؤشرات إيجابية، ولكن الاعتقاد أن كل بارقة أمل تظهر من جانبهم لا تعدو أن تكون مصيدة للإيقاع بنا أمر لا يقل خطورة. صحيح أن سوء الظن من حسن الفطن، ولكن المثل يقول أيضًا تفاءلوا بالخير يأتيكم. وتظل الحجة الأخيرة لأصحاب نظريات الشك والارتياب، هي أن «السياسيين»، وربما يضاف عليهم رجال المال، ليسوا من فئة البشر، أو هم بالأحرى فئة خاصة من البشر لا تتقيد بما يتقيد به عموم الناس. وهو احتمال لا يسهل استبعاده ببساطة. والله أعلم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.