من المؤكد أني لا أحب أن آخذ بخناق أحد، ولا أن يأخذ أحد بخناقي، في أمر من الأمور مهما يكُن عظيمًا. فإذا كان الأمر يسيرًا ضئيلًا كأمر الوزارة الائتلافية أو القومية، كانت رغبتي عن المخانقة فيه أشد، وانصرافي عنها أعظم. فليطمئن الكُتَّاب الذين يحبون الوزارة القومية، ويكلفون بها، ويحرصون على أن يدافعوا عنها، منذ الآن؛ فلن أخانقهم فيها …! ولكنهم يوافقونني فيما أظن على أن الأخذ بالخناق شيء، والرغبة في الوضوح والصراحة شيء آخر. وهم يوافقوني فيما أظن على أن إطالة الكلام، وتكرار القول في هذا الموضوع الآن لا نتيجة له، إلا أنه حوار في الهواء، ومناقشة أقل ما توصف به أنها قد تدعو إلى شيء من الحرج في غير طائل ولا غناء …

رئيس الوزراء ما يزال مطبقًا يديه الضعيفتين على أَعِنَّةِ الحكم، ولم يرسلها ولم يَدْعُهُ أحد إلى إرسالها.

ويظهر أنه سيظل كذلك حتى يزهد فيه مؤيدوه، وينصرف عنه ناصروه، ويطلب إليه أن ينصرف هو عن هذا الحكم الذي يحبه، ويتهالك عليه، ويُضَحِّي في سبيله بالشيء الكثير من صحته وراحته، ومن ذكائه وكفايته. ونحن نتحدث منذ الآن — أستغفر الله — بل منذ أكثر من عام في الوزارة التي تخلفه أتكون حزبية أم قومية؟ فلا يجدي حديثنا إلا اختلافًا وافتراقًا، وإلا إغراءً للإنجليز بالمُضِيِّ فيما هم فيه من تأييد رئيس الوزارة ونصره، لعله إن بقي في الحكم أن يزيد الاختلاف بيننا سعة والاضطراب في صفوفنا عنفًا وشدةً.

أظن الذين يحبون الوزارة القومية ويكلفون بها يوافقونني على أن الحديث فيها كان سابقًا لأوانه منذ عام، وما زال سابقًا لأوانه الآن، وما زال الخير في أن ندعه حتى تخلص مصر مما هي فيه الآن، وينكشف عنها ضُرُّ الوزارة القائمة، وترد إليها حرية التنفس والحركة والحياة …

وإذن فقد كنت أَوَدُّ لو قنع أنصار الوزارة القومية بما قالوا وقال خصومهم، فسكتوا وسكت خصومهم، وفرغوا جميعًا لما ينبغي أن يفرغوا له من تسجيل الآثام التي تُقترف، والسيئات التي تُجترَح، وتثبيت الأمة في موقفها البديع، موقف المقاومة لطغيان الطاغين، وعدوان المعتدين. ولكن أنصار الوزارة القومية يُسرِفون في حبها، فيعجزون عن الصمت عنها، ولو صمتًا مؤقتًا، فيقولون ويقولون … ولا يلتفتون إلى أن غيرهم يقول معهم فيثير الريب، ويدفع إلى الشك، ويدل دلالة قوية على أن فكرة الوزارة القومية هذه إن تكن مصرية من بعض نواحيها، فإن للإنجليز فيها هوًى مريبًا؟! ومهما يكُن من شيءٍ، فأنا حريص كل الحرص على أن يكون رأيي في الوزارة القومية واضحًا لا لبس فيه ولا غموض.

وأنا أفهم من الوزارة القومية كما قلت من قبلُ هذه التي تصدر عن إرادة الأمة لا عن إرادة الأجنبي، وعن إرادة الكثرة إذ تعذر الإجماع، لا عن إرادة القلة، وإذن فكل وزارة يوحي بها الإنجليز فليست وزارة قومية، وإذن فكل وزارة تؤلفها القلة فليست وزارة قومية، وإذن فلا يمكن أن تكون الوزارة القومية حقًّا إلا نتيجة للانتخاب الحر الصحيح، الذي لا عسف فيه ولا ظلم، والذي لا يثور حوله شك ولا ريب، والذي لا يتهم المشرفون عليه بهوًى ولا ميل.

وهذا — فيما أظن — واضح جلي، ومعناه أن الوزارة القومية يجب في ظروفنا الحاضرة أن تنشئها الانتخابات، لا أن تُجري هي الانتخابات …

وليس من الحق ولا من المنطق أن يحتج بما صنع الإنجليز؛ فقد يُقال إن رئيس وزارة العمال ألَّف وزارته القومية، ثم لجأ إلى الشعب ليستفتيه في أمرها فأيَّدَه الشعب، وانحاز إليه.

قد يقال هذا، ولكن الذين يقولونه يَنْسَوْنَ أن رئيس وزارة العمال حين ألف وزارته القومية كان في بلاد حرة مستقلة تجري فيها أحكام الدستور على سجيتها. وقد حاول تأليف وزارته القومية من أعضاء البرلمان القائم، فلما خذله العمال وأَبَوْا عليه لجأ إلى استفتاء الشعب فمنحه الشعب نصره وأيَّده، فأعاد تأليف وزارته القومية مستفيدًا من نتائج الانتخابات.

فما كان في بلاد الإنجليز لا يمكن أن يُقاس به الأمر في مصر، فالوزارة القومية التي يفكر فيها بعض الساسة، لا يمكن أن تؤلَّف داخل البرلمان القائم. وأظن هؤلاء الساسة كلهم أو أكثرهم يَرَوْنَ أن من الخير أن لا يشترك في هذه الوزارة القومية أعضاء البرلمان القائم. وإذن فأين تؤلَّف وكيف تؤلَّف؟

ستؤلف خارج البرلمان، فإذا أبتها كثرة الناس فقد فقدت صفتها القومية، وأصبحت وزارة حزبية تمثِّل القلة ليس غير …! فلا مخرج إذن من هذا المأزق إلا بالعدول عن هذه الفكرة الآن، وتأجيلها حتى تخلص مصر من الوزارة القائمة، ثم تنهض بالأمر وزارة محايدة، أو سَمِّهَا ما شئت، فتجري الانتخابات الحرة، ولتكُن الوزارة القومية موضوع هذه الانتخابات، فإن أيدتها الأمة ومنحتها الأغلبية أُلِّفَتْ كأقوى ما تؤلَّف الوزارات، وحققت الأصل الدستوري الذي لا خلاف فيه، وهو نهوض الأغلبية بأعباء الحكم، وإن أبتها الأمة ونصرت خصومها ومنحتهم الأغلبية، نهض هؤلاء بأعباء الحكم تنفيذًا لأصول الدستور.

هذه هي الطريق التي أعتقد أن الخير كل الخير في سلوكها؛ لأنها واضحة مستقيمة لا عوج فيها ولا التواء، ولا شك حولها ولا ريب. وأظن أنصار الوزارة القومية يوافقونني، على أن سلوك طريق غير هذه الطريق، غير مأمون العاقبة، ولا مُبَرَّأٌ من الخطر، وأقل ما ينتجه أن تستحيل وزارتهم القومية هذه إلى وزارة تحاربها الكثرة، وينفر منها الشعب نفورًا شديدًا.

وأنا أكره لأنصار الوزارة القومية أن يسيروا سيرة صدقي باشا، فذاكرتهم والحمد لله لا يمكن أن تعاب بالقصر، وهم يعلمون أن صدقي باشا قد زعم حين نهض بأعباء الحكم أنه يُؤَلِّفُ وزارة قومية، وقال وأكثر القول إن وزارته لا تنتمي إلى حزب، ولا يعنيها أن تعتمد على تأييد حزب. ومع ذلك فلم تكُن لوزارته صفة الوزارة القومية يومًا ما، ولم يستطِع أن يَثبُت على قوميته هذه، فاضْطُرَّ إلى ما اضْطُرَّ إليه من تأليف حزبه البديع، وإقامة وزارته، أو قُلْ وزارته على أساس من الحزبية، بل من الفردية الشخصية، هو أبعد ما يكون عن رعاية المنافع القومية الخالصة …!

أرجو ألا يتورط أنصار الوزارة القومية فيما تورط فيه صدقي باشا؛ فإن الرجل الحازم ذا النظر البعيد هو الذي يعتبر بالتجارب البعيدة، فضلًا عن التجارب التي ما تزال تقع تحت حسه. وأنا أؤكد لأنصار الوزارة القومية أن وجود سياسي واحد من أمثال رئيس وزرائنا كثير على مصر، فكيف بهم إذا دفعوا بأنفسهم إلى هذه الوزارة القومية التي لا تؤيدها الكثرة، ولا تصدر عن إرادة الشعب، فجعل كل واحد منهم نفسه مثلًا من أمثال صدقي باشا، وكثر في مصر أمثالُ رئيس وزرائنا النابغة الفذ …! الذي ينبغي أن يظل وحيدًا في مصر ليس له ضريب ولا نظير …

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.