في طبيعة الشعوب أن تعيش في الحاضر، وأن تفتش عن عيوبها فيه لتعالجها، ولتخطو بذلك خطوة جديدة في سبيل التقدم، وبقدر ما يكون للشعب من حيوية، تكون قوته على معالجة العيوب، وتكون خطواته في سبيل التقدم.

والشعب المصري كغيره من الشعوب، يعيش في الحاضر وينسى الماضي، ويعالج العيوب ويسير في طريق التقدم، وحيويته قوية تدفعه دائمًا إلى الأمام، وتخطو به خطوات واسعة في الطريق الذي رسمه لتقدمه، فإذا بلغ ما أراد اندفع يريد تقدمًا جديدًا، ونسي أو تناسى ما حققه.

أقول هذا فتعود بي الذاكرة إلى خمسين سنة مضت أو إلى أكثر من ذلك. لما دخلت المدرسة الابتدائية بالقاهرة، لم يكن عدد تلاميذها يبلغ المائة، وكان من المناظر التي لا يمكن أن تدور اليوم بخاطر أحد، أن ترى في السنة الأولى الابتدائية شابًّا يبلغ العشرين أو نحوها، وأن تعلم أنه متزوج وله أولاد، أولو رأى أحد مثل هذا المنظر اليوم فهل يصدقه، أم يكون ذلك أعجوبة الأعاجيب والسخرية الكبرى؟

ولا أحسب أحدًا من أبناء اليوم يقرأ هذا الكلام من غير أن تأخذ منه الدهشة، ولا يكاد يتصور أن مثل ذلك كان منذ نصف قرن فقط، ولعله تأخذ منه الدهشة كذلك حين يعلم أن مصر لم يكن بها من المدارس الثانوية إلا ثلاثًا: هي الخديوية، والتوفيقية بالقاهرة، ورأس التين بالإسكندرية، فكيف هذا والمدارس الثانوية الآن لا تكاد يحيط بها الإحصاء، وهي في كل عاصمة من عواصم المديريات وفي كثير من المراكز. ألا يدل هذا على أن مصر خطت خطوات واسعة في سبيل التربية والتعليم خلال عشرات السنين الأخيرة، وإن كنا لم نرض بعدُ عن حال التربية والتعليم في مصر.

وتستطيع أن تقول مثل ذلك عن مرافق الحياة كلها في مصر، عن الزراعة والصناعة، وعن النظام والأمن، وعن الحياة الاجتماعية، وعن الأخلاق نفسها رغم ما نقوله كلنا عن عيوبنا الأخلاقية. كنا نتحدث في أمر الأخلاق يومًا أمام المرحوم «عبد العزيز باشا فهمي»، ونذكر أن الأخلاق فيما مضى كانت خيرًا بكثير مما هي اليوم، فكان يعترضنا بشيء من العنف، ويذكر أن الأخلاق في مصر ارتقت إلى حد كبير، وأن عيوبها أقل عشرات المرات مما كانت في الجيل الذي سبقه وسبقنا، وهو بطبيعة الحال أدرى في هذا الأمر منا؛ لأنه عاش في ذلك الوسط ولم نعش نحن فيه.

وذلك يدل في تقديرنا على أن حيوية الشعب المصري قوية غاية القوة، وأن قدرته على تمثل فكرة التقدم والعمل على تحقيقها لا تقل عن مثلها في الأمم الحية، وأنَّا لذلك قادرون على أن نحقق ما ننشده لأنفسنا من أهداف ومُثُل عليا، رغم الظروف القاسية التي تمر بنا أحيانًا.

والواقع أنَّا خضعنا لهذه الظروف القاسية في حقب كثيرة من الزمن، وأن المصريين لم يذعنوا قط لما نزل بهم، بل قاوموه بوسائلهم المختلفة المتفاوتة قوة وضعفًا حسب الأحوال، ومنها الدعابة بالنكتة اللاذعة، ومنها المقاومة بالقوة، والواقع أنهم انتصروا على قسوة الظروف أكثر الأحيان، فقد أذعنت البلاد التي فتحها الأتراك ومدوا فيها سلطانهم إلى أن أنقذتهم الحرب العالمية الأولى من ذلتهم، أما مصر فاستطاعت تحقيق استقلالها الداخلي، بل قاربت أن تحقق استقلالها الكامل في عهد المماليك وخلال القرن التاسع عشر، وهذا يقنعنا بأنَّا يجب أن يكون لنا في الحاضر وفي المستقبل آمال طويلة عريضة، وأنَّا قادرون على تحقيق ما نرسمه لأنفسنا من أهداف ومطالب.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.