عندما أشار رئيس مجلس الوزراء في بيانه الحكومي الأخير إلى أنه «لا تثبيت ولا تعويم لسعر الصرف»، تساءل العديد من الناس، ماذا إذن؟ إذا لم يكن هناك تثبيت لسعر الدولار بالنسبة للجنيه المصري، ولم يكن هناك بالمقابل تعويم للعملة، فكيف يكون الحال؟ الواقع أنه يبدو لي أن المقصود هو شيء بين الأمرين، بين التثبيت والتعويم، وهذا الشيء هو «الاستقرار»؛ أي استقرار أسعار الصرف، والاستقرار لا يعني الثبات والجمود، فسعر الصرف — وهو ثمن في نهاية الأمر — لا بد وأن يتغير مع تغير الحقائق الاقتصادية من طلب أو عرض، وإلا فقد دوره ومعناه كثمن. ولكن الاستقرار لا يعني — بالمقابل — التقلبات الشديدة وغير المنضبطة. الاستقرار يشير إلى المرونة، وبالتالي إمكانية التغيير، ولكنه يشير أيضًا — ومن هنا معنى الاستقرار — إلى التغيرات الهادئة والقابلة للتوقع بلا مفاجآت أو قلب للأوضاع والموازين. إذا كان التثبيت يعني الجمود والثبات المطلق، وإذا كان التعويم يمكن أن يفيد التغيرات الحرة بلا قيد أو ضابط، فإن الاستقرار يشير إلى الثبات النسبي. قد رأت الحكومة أن تحقيق هذا الاستقرار يتم عن طريق سعر مركزي يحدده البنك المركزي. هذا الاستقرار أو الثبات النسبي لأسعار الصرف أمر ضروري لنجاح نظام الصرف، كما أنه عنصر أساسي في أي نظام نقدي. وأسعار الصرف لا تعدو أن تكون العلاقة بين النقود الوطنية والنقود الأجنبية؛ ولذلك فإن استقرار قيمة النقد — سواء في جانبها المحلي باستقرار القوة الشرائية لها، أو في جانبها الخارجي باستقرار علاقتها بالعملات الأجنبية — يعتبر أهم مقومات نجاح النظام النقدي. والاستقرار النقدي — بهذا المعنى — أساس الاستقرار الاقتصادي، والشرط الضروري لأي تقدم اقتصادي.

يمكن القول بشيء من التبسيط — والمبالغة أيضًا — إن أهم ثلاثة اكتشافات في تاريخ البشرية هي على التوالي: اكتشاف النار، واكتشاف الكتابة، واكتشاف النقود. فمع اكتشاف النار لم يستطع الإنسان فقط أن يبدد الظلام ويحصل على الدفء، ولكنه — بواسطة النار — استطاع أن يطوِّع المواد، وبها أصبح الإنسان صانعًا لأول مرة، فكان أن بدأ الإنسان في تشكيل المواد لإنتاج الأدوات؛ مما مهَّد لقيام الحضارات الكبرى، بعد أن زادت سيطرته على الطبيعة. ومع اكتشاف الكتابة انتقل الإنسان من حضارة الاتصال ونقل المعلومات والمعارف شفاهة إلى تسجيل الخبرات الإنسانية؛ وبالتالي توسيع وتعميق ذاكرة الإنسان الجماعية؛ مما أدى إلى تراكم المعرفة. وكانت الكتابة على هذا النحو بوابة الثورة العلمية، والتي لم تلبث أن انعكست على تقدم الإنسان الاقتصادي بعد أن عرف طريق الصناعة والإنتاج. وأخيرًا جاء اكتشاف النقود ففتح الطريق أمام الإنسان الاقتصادي، الذي بدأ يقوم بالحساب الاقتصادي، ويقارن بين منافع الأشياء، ويوازن بين الحاضر والمستقبل؛ فلم يعرف فقط تقسيم العمل والمبادلة، بل أصبح يدَّخر ويستثمر؛ وبالتالي أصبح المستقبل — لأول مرة — عنصرًا في وعي الإنسان، فالزمن ليس مجرد مرور الوقت، وإنما هو التغيير، وغالبًا هو التغيير الإرادي. ومع ظهور النقود — وهي تمثِّل حلقة الوصل بين الحاضر والمستقبل — بدأ الإنسان يفكر في الإعداد لمستقبل أفضل عن طريق الادِّخار والاستثمار؛ وبالتالي ظهرت فكرة التقدم.

وإذا كان اكتشاف النقود يحتل هذه الأهمية في تطور التاريخ البشري، فإن النقود لا تقوم لها قائمة ما لم تعرف الاستقرار. وتفصل كتب مبادئ الاقتصاد في التعريف بوظائف النقود، من مقياس للقيم، إلى وسيط للمبادلات، إلى مخزن للقيم. وفي كل هذه الوظائف فإننا نجد أن الخاصية الرئيسية للنقود هي الاستقرار في قيمتها، فبدون هذا الاستقرار — والمقصود هنا الثبات النسبي في قيمة النقود — فإن النقود تفقد طبيعتها ولا تعود نقودًا؛ مما يؤدي إلى انهيار النظام النقدي، بل وربما النظام الاجتماعي. وفي هذا ينسب الاقتصادي الإنجليزي المشهور اللورد كينز — ينسب إلى لينين قوله: «إن أفضل وسيلة لهدم النظام الاقتصادي (النظام الرأسمالي) هو إفساد عملته.» فإفساد العملة — بتدهور قيمتها — يبدِّد الثروات، ويعيد توزيعها بشكل جزافي وتحكُّمي، ويهدر الحوافز على العمل، ويزيل القدرة على الادِّخار والاستثمار، وهذه كلها تفكِّك نسيج المجتمع، وتمهد التربة للفوضى والانحلال، ومن هنا صحة قولة لينين.

ولعل أول وأظهر وظائف النقود هي أنها مقياس للقيم. وقد أشار الاقتصاديون خاصة مع آدم سميث إلى أهمية التبادل وتقسيم العمل في تقدم الأمم. ولا يمكن أن يتم التبادل — في سهولة ويسر — ما لم يوجد مقياس للقيم، تقوم على أساسه قيمة المبادلات، فالتبادل والاختيار بين البدائل يتطلَّب مقياسًا أو معيارًا للمقارنة، وهذا المعيار أو المقياس هو النقود. فنحن نقوم جميع السلع والخيارات المتاحة من منافع أو تكاليف في شكل قيم؛ فهذا يساوي عشرة جنيهات، وذلك يساوي عشرين؛ وبالتالي يمثِّل ضعفي الأول. ودون وجود مقياس للقيم تستحيل المبادلات وتستحيل المقارنات، ويسقط الحساب الاقتصادي كلية. والنقود في هذا الشأن شأنها شأن بقية المقاييس؛ فالمتر هو مقياس الطول، والكيلوجرام هو مقياس الوزن وهكذا. وهذه المقاييس لا بد أن تتمتع بالثبات والاستقرار، وإلا فقدت قيمتها كمقياس. فالمتر هو طول محدد لا يختلف من مكان إلى آخر أو من وقت لآخر، وكذا الكيلوجرام هو وزن ثابت لا يتغير. وإذا تغيرت المقاييس فقدت دورها. وهكذا النقود، فهي مقياس للقيم لا بد وأن تعبر عن قيمة مستقرة وإلا فقدت معناها كمقياس.

إذا كانت تقلبات قيمة النقود تفقدها دورها كمقياس للقيم، فإن ذلك يفقدها أيضًا لدورها كوسيط في التبادل، وإذا كانت وظيفة مقياس القيم من أهم وظائف النقود، فتظل هذه الوظيفة ذهنية وحسابية، تقوم في ذهن المتعامل لإجراء الحساب. أما الوظيفة العملية للنقود فهي أنها وسيط التبادل، فقد مضى العصر الذي كانت تتم فيه المبادلات عن طريق المقايضة، وانقسمت هذه المقايضة إلى عمليتين للبيع والشراء. وفي كل مرة يتنازل البائع عن سلعته مقابل النقود فإنه يقصد إعادة استخدامها في شراء سلع أخرى؛ فالنقود من هذه الزاوية ليس لها منفعة ذاتية، وإنما منفعتها مستمَدَّة من القدرة على تحويلها إلى سلع؛ ولذلك يقال إن النقود قوة شرائية عامة. بمعنى أن من يحمل النقود يستطيع — في كل وقت — أن يحوِّلها إلى سلع دون أن يفقد شيئًا من قيمتها؛ ولذلك فإن أساس قيام النقود بوظيفتها — كوسيط في التبادل — هو احتفاظها بقيمتها؛ أي بقوتها الشرائية. أما إذا كانت النقود تفقد باستمرار من قيمتها، وتتضاءل قوتها الشرائية مع الزمن، فإن ذلك يدفع الناس إلى البعد عن استخدام النقود، واكتناز السلع والأصول العينية. ومن المهم أن نلاحظ هنا أن فشل النقود في قيامها بدورها كوسيط في المبادلات قد يؤدي إلى انهيار نظام المبادلات النقدية والسقوط من جديد إلى نظام المقايضة، وهو ما يعني التراجع إلى أحد النظم الاقتصادية البدائية، والتي لا تتفق مع احتياجات العصر. وكما أن فقدان الاستقرار في قيمة النقود يحرمها من القيام بدورها كمقياس للقيم وكوسيط في المبادلات، فإن الأمر لا يختلف بالنسبة لوظيفة النقود كمخزن للقيم، فالنقود هي الوسيلة الرئيسية للأفراد للاحتفاظ بثرواتهم من فترة إلى أخرى. فإذا كانت النقود تفقد قيمتها باستمرار؛ فإن ذلك يمثل إشارة إلى الأفراد بالتخلص من النقود واكتناز السلع بدلًا منها، حيث إن الاحتفاظ بالنقود يمثل خسارة مع مرور الوقت. وبطبيعة الحال فإن زوال دور النقود كمخزن للقيم لن يلبث أن ينعكس على سلوك الأفراد بالنسبة للادخار والاستثمار. فأداة الادخار والاستثمار الأساسية هي النقود، ومع استمرار تدهور قيمتها، تتبدَّد القدرة على الحساب الاقتصادي، وينصرف الناس تمامًا عن التفكير في المستقبل، وتتآكل المدَّخَرات؛ وبذلك ينهار أساس التقدم الاقتصادي.

والحديث عن استقرار أسعار الصرف وثيق الصلة بالاستقرار النقدي، فمن ناحية تتأثر قيمة النقود ومستوى الأسعار مع كل تغير في أسعار الصرف. وفي بلد مثل مصر حيث تمثّل الواردات نسبة عالية من الناتج القومي، فإن أي تغيير في أسعار الصرف لا بد أن ينعكس على الأسعار بصفة عامة؛ وبالتالي على الاستقرار النقدي. ولكن هناك من ناحية أخرى أحوالًا يكون فيها الارتفاع في أسعار العملات الأجنبية مظهرًا لتآكل الثقة في العملة الوطنية والهروب إلى العملات الأجنبية، وهنا يصبح تدهور العملة المحلية في مواجهة هذه العملات مؤشرًا على عدم الاستقرار النقدي وضعف الثقة. وأخيرًا فإذا كان الاستقرار النقدي المحلي ضروريًّا لأي تقدم اقتصادي، فإن استقرار أسعار الصرف يعتبر شرطًا رئيسيًّا للمستثمر الأجنبي الذي يرغب في استعادة أمواله المستثمرة في وقت ما في المستقبل. ومع التآكل المستمر في قيمة العملة المحلية فإن مخاطر تحويل العملة تبدو أكثر خطورة للمستثمر الأجنبي.

ولكل ما تقدم، فإن الحديث عن استقرار أسعار الصرف أساس لاستقرار الأوضاع الاقتصادية، واستقرار أسعار الصرف وإن كان يتقبل بعض المرونة وإمكانية التغير البسيط، في اتجاه أو آخر، فإن الأمر يتطلب أن تعمل الدولة على توفير أكبر قدر من الثقة في النظام النقدي وفي مستقبله، مع منع التقلبات العنيفة أو الهزات غير المتوقعة. فالاستقرار وهو يقبل التغيرات؛ فإنه يتطلب وجود معدل أو هامش معقول يتراوح حوله السعر، وبما لا يتجاوز توقعات المتعاملين. والمتغيرات الاقتصادية بطبيعتها تدريجية ومستمرة؛ وبالتالي تصبح تغيرات الأسعار متماشية معها دون طفرات أو قفزات. أما الصدمات، سواءٌ رجعت إلى أحداث مادية أو أزمات ثقة، فإنها تربك الحياة الاقتصادية. فالمتعاملون في الحياة الاقتصادية يتأقلمون مع كل المتغيرات باستثناء عدم اليقين الذي لا يمكن التعايش معه.

وعدم اليقين هو عدو الاستقرار، فإذا كان التغير لا يتعارض مع الاستقرار، فالمقصود بذلك هو التغير المنضبط الوارد في سياق التطور الطبيعي للأمور، وليس التغير الذي يعكس انقلابًا في الأحوال أو فقدان الثقة والوقوع في المجهول؛ مما يؤدي إلى غلبة عدم اليقين بالنسبة للمستقبل، ولذلك فإن القدرة على التوقع المعقول للمستقبل والتنبؤ به شرط أساسي لنجاح النشاط الاقتصادي. فهذا النشاط يتعلق — بشكل عام — بالمستقبل. وما لم تتوافر العناصر الكافية لاستشراف هذا المستقبل تختل الحسابات وتشل الأعمال. ولا يمكن تقدير أوضاع المستقبل إلا في ظل استقرار الأوضاع ووضوح الرؤية؛ ولذلك فإن الاستقرار هو شرط التقدم الاقتصادي، وعندما نتكلم عن الاستقرار فلا يقتصر ذلك على الاستقرار النقدي، بل إنه يتناول كل مظاهر الحياة. فهناك حاجة إلى الاستقرار السياسي، وبدونه لا ضمان لحياة اجتماعية آمنة. وهناك أيضًا حاجة إلى الاستقرار النقدي لإمكان ضبط حسابات المستقبل، بل إن الاستقرار النقدي يعكس — إلى حد بعيد — أوضاع الاستقرار الأخرى، سياسية وأمنية وقانونية. فالنقود في نهاية الأمر هي تعبير عن ثقة الأفراد في الاقتصاد وفي الدولة. وأي اختلال في الثقة في الاقتصاد القومي ينعكس آجلًا أم عاجلًا في اهتزاز الثقة في النقود. وتعتبر حماية الاستقرار النقدي من أهم وظائف الدولة الحديثة، وهي وظيفة تقف على قدم المساواة مع مسئولية الدولة في حماية الأمن والاستقرار وتوفير العدالة. فكما الإخلال بأحد هذه الأمور يفتح الباب أمام الفوضى، فكذلك الأمر في الاستقرار النقدي؛ الأمر الذي يؤكد صدق مقولة لينين من أن فساد النقود وضياع الاستقرار النقدي هو أسهل الطرق لانهيار النظم الاقتصادية.

ولكل ما تقدم، فإننا نعتقد أن استقرار أسعار الصرف بالنسبة للاقتصاد المصري ضرورة قصوى؛ وبالتالي فإنه «لا تثبيت ولا تعويم لسعر الصرف»، وإنما العمل بكل قوة على استقرار هذا السعر. أما كيف يتحقق هذا الاستقرار فتلك قضية أخرى. والله أعلم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.