هي وزارتنا الرائعة البارعة، كانت لها رءوس ثلاثة إلى أمس، فنقل منها مجلس الأمن رأسًا ليضعه في محكمة العدل الدولية، وعادت الوزارة ذات رأسين بعد أن كانت ذات رءوس ثلاثة. وقد تبقى ذات رأسين اثنين، وقد يُضاف إليهما رأس ثالث مكان الرأس الذي نُقِلَ إلى لاهاي، يختلف ذلك باختلاف الوزير الذي سيُختار لوزارة الخارجية إن أُتِيحَ لهذه الوزارة أن تبقى، وأن تُعدَّل، وأن يُختَار للخارجية فيها وزيرٌ جديدٌ.

والقراء يعرفون بالطبع قصة ذلك الكائن الخرافي الغريب الذي كان يحمل رءوسًا سبعة، لا يكاد عدوُّه يقطع منها رأسًا إلَّا نبت مكانه رأس آخر، ولكن عدوًّا من أعدائه عرف مقتله فقضى عليه. وكان من الممكن أن تكون وزارتنا كذلك الكائن لها رءوس بمقدار ما فيها من الوزراء، ولكن ثلاثة من وزرائنا ليس غير استطاعوا أن يكونوا رءوسًا، وأدرك الخمول أو التواضع سائرهم، فقنعوا بأن يظلوا أعضاء يعملون في المرافق المختلفة لهذه الأمة السعيدة بهذا العهد السعيد.

فأمَّا الرءوس الثلاثة فمعروفون: أحدهم رئيس الوزراء، والرئيس مشتق من الرأس، فهو رأس بطبعه وإن كان كغيره من رءوس الوزارات المصرية يعمل رأسًا ويدًا، فهو رأس للوزارة حين يجلس في مكتبه برئاسة مجلس الوزراء، وهو يد للوزارة حين يجلس في مكتبه بوزارة الداخلية، أو قُلْ إنه يدان: يد يمنى حين يذهب إلى وزارة الداخلية، ويد يسرى حين ينوب عن وزير الخارجية أثناء غيابه في لندرة. وقد كان يدًا ثالثة بين اليمين واليسار وقتًا ما حين ذهب وزير العلم والعرفان إلى السودان.

أمَّا الرأس الثاني لهذه الوزارة فهو هذا الذي اقْتُطِعَ منها أمس ونُقِلَ مما بين كتفيها إلى كرسي من كراسي محاكم العدل. فقد كان رأسًا أي رأس، كان رأسًا مرفوعًا في القارات الثلاث في أفريقيا حين كان يختلف إلى مكتبه بمصر، وفي أمريكا حين كان يرأس وفدنا في سان فرنسسكو، وفي أوروبا حين كان يرأس وفدنا في لندرة. وقد كاد أن يكون رأسًا في قارة رابعة حين ذهب إلى الحجاز مؤديًا فريضة الحج، لولا أن الوزارة استعارت يدًا من أيديها فجعلتها رأسًا من رءوسها وقتًا ما حين كان وزير الصحة أميرًا للحج.

مهما يكن من شيء، فقد كان وزير خارجيتنا رأسًا ثانيًا من رءوس الوزارة، له الخطر كل الخطر، وبه معقد الأمل كل الأمل، أمل مصر أولًا وأمل البلاد العربية ثانيًا، وأمل البلاد الإسلامية بعد ذلك. فقد انتُخِبَ في مجلس الأمن، ولم تُنتخَب فيه تركيا ولا إيران. وهو قد حقق هذه الآمال كلها على أحسن وجه وأكمله، وما كان ينبغي له أن يفعل غير ذلك، فهو فقيه متعمق للفقه، وهو قاضٍ متمكن في القضاء، وهو سياسي ممتاز في السياسة، وهو من أجل ذلك يأتي البيوت من أبوابها ولا يأتي البيوت من ظهورها، وهو من أجل ذلك يفتح الأبواب فيحسن فتحها ويغلق الأبواب فيحسن تغليقها. وقد أغلق باب مجلس الأمن في وجه مصر وفي وجه البلاد العربية الأخرى.

فأمَّا مصر فقبلت حكمه ونزلت عند رأيه، ووقفت أمام الباب المغلق ترمقه مستخذية وتنظر إليه متهالكة، ترفع رأسها لتفضه وتفض رأسها لترفعه، أو قل إنها ترفع رأسًا وتفض رأسًا، فقد كان لها في ذلك الوقت رأسان في مصر، يرتفع أحدهما في رياسة الوزراء فينخفض الآخر في حزب الكتلة، ويرتفع أحدهما في دار مكرم باشا فينخفض الآخر في رياسة الوزارة.

والشعب المصري واقف موقف النظارة، يعجب بهذين الرأسين اللذين لا يرتفع أحدهما إلَّا انخفض أحدهما الآخر. والشيء المهم هو أن رأس وزارتنا الثالث قد غلق أبواب مجلس الأمن فأحسن تغليقها، فمصر وغيرها من البلاد العربية أهون شأنًا من أن تُهَدِّد السلم. وإذن فلن ينظر مجلس الأمن في شئونها، ومصر وغيرها من البلاد العربية لا تشكو من شيء أعقبته الحرب، وإنما تشكو من عاهات مستديمة وعلل مقيمة نشأت قبل أن تشب الحرب، وإذن فلن ينظر مجلس الأمن في شئونها.

وقد جعل رأس من رءوس الوزارة المصرية يملأ الأرض ضجيجًا وعجيجًا وبكاءً محتجًّا على تغليق الأبواب، وجعل الرأس الآخر يملأ الجو ثناءً ودعاءً رضًا بتغليق الأبواب، وجعل الرأسان يختصمان وإن حملهما جسم واحد، وجعل أعضاء هذا الجسم يستجيبون لهذا الرأس مرة فيصيحون وينوحون ويستجيبون لذلك الرأس مرة فيحمدون ويشكرون. فأمَّا البلاد العربية الأخرى، فقد هزَّت رءوسها ورفعت أكتافها، وأعرضت عن الوزارة المصرية ورءوسها الثلاثة، وحطمت الأقفال واقتحمت الأبواب، وعرضت على مجلس الأمن شئون سوريا ولبنان، ثم قررت أن تعرض على مجلس الأمن شئون فلسطين، وأثبتت بذلك أن جماعة الأمم العربية متضامنة كل التضامن، وأن مصر تنوب عنها فتحسن النيابة في مجلس الأمن، وأن الأمور تجري في هذا الجزء من ساحل البحر الأبيض المتوسط على خير ما تجري عليه الأمور.

وعلى كل حال فقد عرفنا لوزارتنا رأسين بارزين يعملان فيحسنان العمل، ويقولان فيحسنان القول. أحدهما يملأ مصر حزمًا وعزمًا وسلامًا وأمنًا، يعلن في مجلس الشيوخ مثلًا أنه يحفظ الأمن فيحسن حفظه، وفي نفس الوقت الذي كان يعلن فيه ذلك كانت عصابة من المجرمين تُغِير على قطار قريبًا من القاهرة فتثخن حفظة البريد جراحًا وتشد وثاقهم وتأخذ ما تستطيع أخذه من المال وتنصرف موفورة لم تلقَ كيدًا؛ لأن رأسًا من رءوس الوزارة المصرية أو لأن الرأس الأول من رءوس الوزارة المصرية قد ملأ مصر حزمًا وعزمًا وسلامًا وأمنًا، وأعلن ذلك في مجلس الشيوخ.

وعرف المصريون رأسًا ثانيًا من رءوس وزارتنا قد قال في لندرة فأحسن القول وعمل فيها فأحسن العمل، شرَّفَ مصر بين الأمم فانتُخِبَتْ في مجلس الأمن، وأضعف التضامن بين الأمم العربية فذهب في ناحية وذهبت الأمم العربية في ناحية أخرى، وعرف العالم كله له هذا الفضل وهذا التفوق، فانتخبه قاضيًا في محكمة العدل.

فأمَّا الرأس الثالث من رءوس وزارتنا، فأمره عجب أي عجب، هو الرأس الذي يحسن التنغيص على الرأسين الآخرين وعلى أعضاء الوزارة، يصيح في غير أبان الصياح حتى إذا نغص على أصحابه يَوْمَهم، وأرَّق عليهم نَوْمَهم، وأقضَّ عليهم مضاجعهم سكت فجأة كأنه لم يأتِ حركة ولم يرفع صوتًا. كل همه أن يملأ الأرض صياحًا، وليس من همه أن يعمل شيئًا، يُقْدِم لِيُحْجِم، ويهجم لينهزم، ويحتج ليستكين، لا يريد إقدامًا ولا هجومًا ولا احتجاجًا، وإنما يريد تنغيصًا وتأريقًا وإقلاقًا. هو رأس نشيط لا يستطيع أن يستريح، ولا يريد أن يريح.

له في كل يوم استقالة، وله في كل يوم عدول عن الاستقالة، وهو قد تحدث باسم الوزارة. كان رأسها الأول متعبًا يوم الثلاثاء، وكان رأسها الآخر غائبًا في لندرة؛ فتحدث نائبًا عن الرأسين أو مستبدًّا بأمر الرأسين.

ولست أدري، أرضيَ الرأسان عما قال طوعًا واختيارًا أم قسرًا وقهرًا. فأمَّا الرأس الغائب فلم يَرْضَ ولم يسخط؛ لأنه لم يسمع مما قيل شيئًا. فأمَّا الرأس الحاضر فقد كان يود في أكبر الظن أن يخرج بالصمت من لا ونعم؛ لأنه يؤثر الصمت ويهواه، ولكن الماكرين من الشيوخ سألوه فأحرجوه، سألوه أيقر ما قال الرأس الثاني، ولم يكن يستطيع إلَّا أن يجيب: نعم. وهل كان يستطيع أن يقول إنه لا يتشدد في الجلاء الكامل عن برِّ مصر وجوِّها وبحرِها؟! وهل كان يستطيع أن يقول إنه سيستفتي سكان السودان في أمر السودان ورأسه المكرمي يقيد الحكومة أشد التقييد، فيعلن أن الحكومة لا ترضى بأقل من الجلاء الكامل عن البرِّ والبحرِ والجوِّ، ولا تقبل استفتاء في السودان مهما تكن الظروف؟!

كان رئيس الوزراء يستطيع أن ينكر شيئًا من ذلك! أشهد لقد انتصر الرأس المكرمي على الرأسين الآخرين انتصارًا مؤزرًا في مجلس الشيوخ، فقد أنكر الرأس النقراشي الأول وزير الخارجية كل الإنكار، وأعلن أن الحكومة المصرية ترى من حقِّها أن تعرض قصتها على مجلس الأمن إذا لم تتفق فيها مع الإنجليز، ثم أعلن أنه يقر الرأس المكرمي على ما قال من المطالبة بالجلاء كاملًا شاملًا، ومن رفض الاستفتاء مهما تكن الظروف.

ومع ذلك فقد نصَّت المذكرة المصرية على أن وزارتنا تريد أن تفاوض في مسألة السودان مستوحية أماني السودانيين. فمن أين تُستوحَى هذه الأماني من السودانيين أنفسهم فهو الاستفتاء، وقد قال الرأس المكرمي غير الحق من غير السودانيين، فهي لا تستوحي شيئًا، وقد قال الرأس النقراشي للإنجليز غير الحق.

وإذن؛ فالسفينة التي يقودها ربانان مضطرة إلى الغرق، والجسم الذي رُكِّب بين كتفيه رءوس ثلاثة لا يستطيع أن يعيش إلَّا في عالم الأساطير والأعاجيب. ومصر جزء من عالم الأساطير والأعاجيب منذ أقدم العصور.

ولكن أعجوبتنا المصرية الحديثة الرائعة — وهي الوزارة ذات الرءوس الثلاثة — لا تمتاز برءوسها هذه المثلثة وحدها، بل تمتاز بشيء آخر لست أدري أين أضعه من جسمها العجيب، أأضعه موضع الذنب فتكون وزارة مذنبة أم أضعه موضع الأنف فتكون وزارة ذات أنف ممتاز؟! وقد قال شاعرنا القديم:

قوم هم الأنف والأذناب دونهمو

ومن يساوي بأنف الناقة الذنبا؟!

فأين تحب الهيئة السياسية أن تضع نفسها من هذا الجسم الوزاري العجيب؟! أمَّا هي فتريد أن تكون أنفًا أو أنوفًا، ولست أكره لها ذلك وإن لم يَرْضَ البرلمان وإن لم يَرْضَ الدستور، وأمَّا الوزارة فتريد أن تضعها موضع الذنب، وإن ضاقت بذلك كرامتها ولم يَرْضَ به مركز أعضائها الممتاز.

مهما يكن من شيء، فلتضع الهيئة السياسية نفسها حيث شاءت، ولتضعها الوزارة حيث شاءت، وربما كان خير الحلول أن تكون أنفًا حين يجد الجد وتتحرج الأمور، وأن تكون ذَنَبًا حين يُحاس الحيس وحين تجري الريح رخاءً.

والشيء الذي لا أشك فيه ولا يشك فيه أحد هو أن صدقي باشا غاضب. كان يريد أن تكون الهيئة السياسية أنفًا كما كانت في شهر سبتمبر وفي شهر ديسمبر، ولكن الوزارة جعلتها ذنبًا بعد أن جاء الرد البريطاني، فلم تدعها إلى الآن لسبب غير مفهوم كما يقول صدقي باشا في الأهرام صباح اليوم. وغضب صدقي باشا يخيف أحيانًا ولا يخيف أحيانًا أخرى، على أنه ليس غاضبًا للهيئة السياسية وحدها، بل هو غاضب لمجلس النوَّاب أيضًا، فقد أُجِّلت مناقشة المفاوضات إلى وقت بعيد في مجلس النواب.

وصدقي باشا غاضب على الحكومة التي تقبل المحادثات، مع أن الأمر لا ينبغي أن يُقبَل فيه إلَّا المفاوضات، والقارئ الذكي يفهم أن المفاوضات شيءٌ تُؤلَّف له الوفود التي تذهب إلى لندرة، والتي يمكن أن يكون فيها صدقي باشا، وأن تكون الهيئة السياسية فيها أنفًا. أمَّا المحادثات فشيءٌ تستأثر به الوزارة، ولا يشارك فيه صدقي باشا، ولا تكون الهيئة السياسية فيه إلَّا ذنبًا. وإذن فصدقي باشا غاضب، والسؤال الخطير الآن هو: هل تخاف الحكومة من غضب صدقي باشا فترضيه وتغضب الإنجليز برفض المحادثات أم تسخر الحكومة من غضب صدقي باشا هذه المرة فتسوءه وترضي الإنجليز بقبول المحادثات؟!

وهناك حل بديع فيما أعتقد يريح الناس جميعًا. فقد قطع مجلس الأمن أمس رأسًا من رءوس الوزارة، فأي بأس على الوزارة من أن تقطع الذَّنَب إن كانت الهيئة السياسية ذَنَبًا؟! وما أكثر الوزارات التي تعيش ولا أذناب لها، ومن أن تجدع الأنف إن كانت الهيئة السياسية أنفًا! وما أكثر الوزارات التي تعيش وأنوفها مجدوعة!

كل شيء يمكن، قد استطاعت وزارتنا أن تعيش برءوس ثلاثة، وهي الآن تعيش برأسين اثنين، فما يمنعها أن تعيش بغير ذنب؟! وما يمنعها أن تعيش بغير أنف؟! بل ما يمنعها أن تعيش بغير أنف ولا ذنب؟! بل ما يمنعها أن تعيش برءوس كثيرة جدًّا، وذلك يسير؟!

يُقال إن التعديل الوزاري قريب، فليصبح أعضاء الهيئة السياسية كلهم وزراء، ولتعِشْ وزارتنا بعشرين رأسًا لا برأسين اثنين، ذلك أجدر أن يُضْحِك المصريين. وما أشد حاجة المصريين إلى أن يضحكوا في هذه الأيام!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.