الذوق الراقي الدقيق ورعاية اللياقة في القول والعمل أخص ما يمتاز به أبطال النِّظام الحاضر. وهؤلاء الأبطال كثيرون والحمد لله، قد يبلغون الأربعة وقد يبلغون الخمسة، وما نظن أنهم يزيدون على هذا العدد.

فأولهم مؤسس النظام صدقي باشا، وهو رجل مثقف ما في ذلك شك، ولكنه رجل دقيق الذوق، رقيق الحس، يعرف ما يحسن وما لا يحسن؛ لكثرة اختلافه إلى البيئات الرَّاقية الأجنبية المُمْتازة، ولهذا كانت أعماله وأقواله وحركاته كلها مرآة صافية للذوق الذي لا غبار عليه. وليس ضروريًّا أنْ يكون ذوق صدقي باشا في السياسة كذوقك أو كذوقي، فنَحْنُ من قوم لا يختلفون إلى البيئات الراقية ولا يتصلون بالأجانب الممتازين.

أنت وأنا وأمثالنا لا نقحم اسم جلالة الملك إقحامًا في الخصومات السياسية، ولا نسرع فنسجل على جلالة الملك موقفًا سياسيًّا حزبيًّا بعينه، ونشكر له هذا الموقف ولا نبرق إلى القصر لنحمد لجلالة الملك حرصه على النظام الحاضر وتأييده له واستمساكه به؛ لأنا نَعْلَمُ أَنَّ هذا خطأ لا ينبغي للذين يعملون في السياسة أو يفقهون أوليات الدستور والقانون، ولأننا نعلم أنَّ هذا خروج عن الذوق وتجاوز للأدب وانحرافٌ عَمَّا ينبغي من رفع الملوك عن الأهواء والشهوات. فأَمَّا صدقي باشا المثقف الممتاز المتصل بالبيئات الأجنبية ذات الثقافة والامتياز فلا يرى بذلك بأسًا، ولا يحس في ذلك حرجًا. وإنما يقدم عليه غير هياب، ويُمعن فيه غير وَجِل؛ إما لأَنَّه يعرف من أصول الذوق ما لا يعرف النَّاسُ، وإِمَّا لأنه يُضَحِّي بالذوق وأصوله في سبيل المنفعة العاجلة، سواء أكانت مُحققة أو موهومة. وصدقي باشا رجل قدير يحب التضحية ولا يتردد فيها مهما تكن الظروف. يُضحي بحقوق الشعب في سبيل الوثوب إلى الحكم، ويضحي بأخلاق الشعب في سبيل التمكن من الحكم، ويضحي بكرامة الشعب في سبيل الاستئثار بالسلطان، ويضحي بأموال الشعب في سبيل الاستمتاع بالجاه، ويُضحي بدماء الشعب أحيانًا في سبيل إذلال الخصوم وترويع المقاومين، ثم يضحي بالذوق آخر الأمر في سبيل شيء غير معروف. فما نظن أنه يطمع في أن يرضي عن نفسه الإبراشي باشا وما نظن أنه يطمع في أن يصل إلى الحكم في هذه الأيام.

ولكنه مضطر إلى أن ينشط، وإلى أن يقول ليظن الناس أنه زعيم مسموع الكلمة وأنَّ له أنصارًا وأعوانًا، وذلك شيءٌ يَسْتَحِقُّ أنْ يضحي في سبيله صدقي باشا بالذَّوق وأَنْ يُقْحِمَ اسم جلالة الملك في السياسة وأن يُسجل على جلالة الملك في السياسة وأن يُسجل على جلالة الملك أنَّه يُؤثر نظامًا على نظام ويُؤيد قلة الأمة دون كثرتها ويقف في صف جماعة من الجماعات أو حزب من الأحزاب. ولو أنَّ الأُمور تجري في مصر على مثل ما تجري عليه في البلاد الأخرى لسئل صدقي باشا عن التضحية بالذوق، ولكنَّ صدْقِي باشا لم يسأل عن إهدار الحقوق، وانتهاك الحرمات، والعبث بالنفوس والأموال.

هذا بطل من أبطال النظام الحاضر تمخض عنه رأسه الكبير، فهو يريد الآن أن يحميه بذكائه الخطير.

وللنظام الحاضر بطل آخر أكبر من صدقي باشا بيومٍ أو يومين فهو يَعْرِفُ أكثر من صدقي باشا بعام أو عامين، كما يَقُول الغول في قصص العجائز، وهو رئيس مجلس الشيوخ يحيى باشا إبراهيم. وهو كصدقي باشا لا يَتَرَدَّدُ في أن يُضحي بالذَّوق في سبيل المُحافظة على النظام، ولا يتردد في أن يشهد أمام الناس جميعًا على جلالة الملك، أنه يُؤثِرُ نِظامًا على نظام وحزبًا على حزب، وقلة على كثرة. وهو كصدقي باشا خليق أن يُحَاسب على إهدار الذوق، لو أن الناس يحاسبون في مصر على كل ما يعملون.

ويحيى باشا إبراهيم رجل عظيم له شجاعة تنزع سلاح الخصوم، كما يقول الفرنسيون. فهو يرجع بذاكرته إلى الماضي فينبئ الناس بأنَّه هو الذي استصدر الدستور القديم، وأَمْضَاه حين كان رئيسًا للوزراء سنة ١٩٢٣ ثم عمل في ظل الدستور الجديد الذي لم يصدره ولم يمضه، وهو يفضل الدستور الجديد، ويراه أشد ملاءمة لمصالح البلاد.

ويحيى باشا إبراهيم لم يصدر الدستور القديم فحسب، ولكنه عمل في ظله أيضًا، وأَقْسَمَ يمين الوفاء له أيضًا، ولكنه مع ذلك لم يتحرج كصدقي باشا أنْ يحنث في يمين ويُقسم يمينًا أخرى، ومن أنْ يُؤثر دستورًا جديدًا على دستور قديم، ومن أن يُضَحِّي باللياقة والذوق، في سبيل هذا الدستور الجديد.

وثالث الأبطال وأقدرهم على النِّضال وأبرعهم في النزال، وأمضاهم في القتال، وأفصحهم في المقال، هو صاحب المعالي الدكتور توفيق رفعت باشا — ولا ننسَ الدكتور — رئيس مجلس النُّواب الحاضر طبعًا، ورئيس المجمع اللغوي. وصاحب المعالي يستمد ذوقه في أكبر الظن من معاجم اللغة وكتب الأدب، ودواوين الشعر وآثار الكُتَّاب والخُطَبَاء، فهو الشاعرُ الفَذ والأديبُ الفرد والخطيب الذي لا يُجارى، لا يشك في ذلك إلا الجاهلون.

ذوق صاحب المعالي قديم كلاسيك، كما أن ذوق صدقي باشا جديد، وهما مع ذلك يتفقان في أن إقحام اسم جلالة الملك في السياسة جائز، وفي أن تسجيل المواقف السياسية على جلالة الملك شيء لا يضر، وقد ينفع كثيرًا، وقد يعين على إبقاء نظام يُريد أن يزول، وإقامة بناء يُريد أنْ يَنْقَضَّ. وذوق صاحب المعالي خليق أن يكلف صاحبه تحقيقًا وسؤالًا وأمورًا ثقالًا، لولا أنَّ بعض المصريين فوق التحقيق والسؤال، والأمور الثقال.

وكان صاحب المعالي صامتًا، فلما تكلم رئيس الشيوخ لم يسعه إلا أن يتكلم، وقد قال فأطال وشفا الغليل. فالمقطم تروي لنا أمس أنه ينبئ الناس بأنَّ جلالة الملك حريص على النظام الحاضر، وبأنَّ جلالة الملك تحدث إليه في أمر الإبراشي باشا، وقال: إنه حر في تنظيم بيته. يا للذوق، يا للرقة، يا للأدب، يا للإكبار لصاحب العرش، يا للإجلال لمكانة الملك! وهبه قال لك هذا، فكيف تأذن لنفسك بإذاعته بين الناس؟! وكيف تأذن لنفسك بأن تُصوِّر جلالة الملك مُدافعًا عن حريته الخاصة في تنظيم بيته؟! ومن الذي يسمح بأنْ يُثار شيء من الأشياء أو يُلقى حديث من الأحاديث حول ما ينبغي لجلالة الملك من الحرية في تنظيم بيته؟ ياللذوق! متى أجازت الثقافة والسياسة والمناصب للناس أن يتحدثوا عن الملوك القائمين بهذا الابتذال وأن يبيحوا نشر ذلك عنهم في الصحف؟! ومع ذلك فالمقطم تضيف هذا إلى رفعت باشا رئيس مجلس النواب ورئيس المجمع اللغوي وصاحب الدكتوراه في الحقوق، دكتوراه الشرف بالطبع.

هؤلاء قوم لا يفرقون بين أحاديث الملوك وأحاديث السوقة؛ يتشرفون بلقاء الملك فيتحدثون بما كان بين جلالته وبينهم من حوار كما يلقونك فيذيعون ما كان بينك وبينهم من حديث، وهؤلاء هم حماة النظام والحفظة على الدستور الجديد، وهم الذين يعلن أن الوزارة قد تدور بينهم، وبين جماعة من أمثالِهِم إن صرفت عن صاحب الدولة توفيق نسيم باشا. فحَدِّثني عن نظام يَحْمِيه هؤلاء الناس! وحدثني عن حُكْمٍ يُصرِّفه هؤلاء الناس! وحدثني عن دستور يذود عنه هؤلاء الناس! وقل للإنجليز بعد ذلك: ابتهجوا واستبشروا واطمئنوا، فقد ذهب عنكم عبد الفتاح يحيى، وقد يرسل إليكم واحد من هؤلاء الناس الذين لا يرعون ذوقًا، ولا يكتمون سرًّا، ولا يفرقون بين أحاديث السوقة وأحاديث الملوك.

وقل للإنجليز: ابتهجوا واستبشروا! فستجدون من هؤلاء الناس من يستطيع أن يؤلف وزارة ترضون الاتصال بها؛ لأنها تجمع بين القدرة والنزاهة والكفاية، أما إرضاء الشعب فتستطيعون أن تنظروا فإنَّ الشعب لا يرى هؤلاء الناس أهلًا للرضا ولا للسخط، وإنما يهملهم إهمالًا، فإن تحدث عنهم فليلهو ويعبث ليس غير.

أما بعد، فقد نظن أن الأزمة قد طال أمرها، وأن أمور الحكم تُوشك أن تضطرب، وأنَّ المصريين الرَّسميين الذين تصرفوا في حل الأزمة إلى الآن لم يظهروا جِدًّا ولا حزمًا، ولا براعة ولا شجاعة على احتمال التَّبعات، وإنما أظهروا ترددًا واضطرابًا واختلاطًا في القول والعمل وأثاروا ضحكًا كثيرًا، وقد ينبغي أن تُظهر مصر الرسمية شيئًا من الجِدِّ؛ فما ينبغي أن تكون أمور الشعب لعبًا إلى غير حد.

إن إرادة الشعب واضحة بينة، فيجب أن يعلم الشعب أجاء الوقت الذي تحترم فيه إرادته أم لا يزال مهملًا كما أهمل في هذه الأعوام الأربعة؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.