(١)

تراها لدى بائعٍ يفترش أحد الأرصفة، أو في أحد المحلات الصغيرة أو الكبيرة؛ فتتوقف، تقلِّب في عناوينها، باهتمامٍ أو بلا مبالاة فضولية. يلفتُ أحدها انتباهك فتسحبه وتبدأ في تصفُّح محتوياته. قد يكون قد نُشِر منذ سنوات أو عقود. تقرِّر في النهاية شراءَه فتتوجَّه للبائع لتسأل عن ثمنه. قد تساومه في السعر الذي يطرحه عليك أو لا. تأخذ الكتاب ثم ترحل.

في منزلك قد تجد وأنت تقلب صفحات الكتاب: خطوطًا أو علامات أو تعليقات تحت كلمات بعينها، قد تلمحُ توقيعَ المالك الأصلي في أول صفحاته، قد تجدُ صفحات مثنية إهمالًا أو قصدًا، أو تكتشفُ أوراقًا، أو وردة مجفَّفة بين صفحاته.

(٢)

تنحاز الصفحات الثقافية، والدوريات التي تتابع الكتب، للكتب المنشورة حديثًا. وهو منطقي باعتبار أهمية متابعة جديد الناشرين، لكن في المقابل فإن الكتب الأحدث في الصدور ليست بالضرورة هي الكتب الأحدث أو الأفضل في المحتوى. وفي عالمنا العربي خصوصًا، قد تكون هناك كتب كثيرة قديمة تحتاج إلى مَن ينفض عنها التراب، ويعيد تقديمها للقراء، سواء بالكتابة عنها أم بإعادة نشرها.

في عام ١٩٢٠، صدر كتاب لرايموند ويفر Raymond Weaver يتناول حياة وأعمال هرمان ميلفل. يُقال إن هذا الكتاب كان السبب في إحياء الاهتمام بالكاتب الذي لم يَنَلْ في حياته الاهتمامَ الكافي الذي يستحقه. في بداية حياته لاقى هرمان ميلفل بعض النجاح، إلا أن هذا النجاح لم يستمر كثيرًا، حتى إن رائعته موبي ديك Moby-Dick، التي توقَّعَ كاتبها حين نشرها لأول مرة عام ١٨٥١ أن تكون تتويجًا للنجاحات النسبية التي لاقتها أعمالُه السابقة، لم تَنَلْ نجاحًا يُذكَر أثناء حياته. لم تحقِّق الرواية نجاحًا كبيرًا على مستوى المبيعات، ولم يستقبلها أغلبُ النقَّاد وقتَها استقبالًا حسنًا. بعد كتاب رايموند ويفر ظهرت مجموعة من الدراسات الأخرى، عن الكاتب وعن رواياته، لفتَتْ له الأنظار من جديد.

بعض الكتب التي تنجح في الحصول عليها من باعة الكتب القديمة لا توجد منها طبعات حديثة، نفدت ولم يهتم أحد بإعادة طبعها، دون أن يعني ذلك أنها غير مهمة أو غير قيِّمة؛ لكن هذا هو حال الأشياء، كما يحدث مع البشر. قد تحيِّرك الطريقة التي توزَّعت بها حظوظ الكتب المختلفة من الاهتمام. قد يكون الكتاب القديم الذي تلتقطه بالصدفة دون سابق معرفه به أو بكاتبه أحدَ الصدف السعيدة للغاية، التي تعرفك بكاتب مُبهِر، أو بكتابٍ سيصيرُ عزيزًا على قلبك.

(٣)

تكتشف أن بعض الكتب التي ترجع إلى عقدين أو أكثر لم يقرأها أحد، ارتحلت عن مالكها إلى مكتبتك، أو ربما تنقَّلت بين أكثر من مالك قبل أن تصل إليك، لكن صفحاتها التي ما زال بعضها ملتصقًا ببعض منذ لحظة طباعتها تكشفُ أنها لا تزال بكرًا. تفكِّرُ: كَمْ من كتابٍ تملكه أنت، سترحل عن الدنيا قبل أن تتمكَّن من قراءته؟ تفكِّر أيضًا: إن البعض يُخلِص لاقتناء الكتب أكثر من إخلاصه لقراءتها.

(٤)

في السنوات الأخيرة ظهرت إلى الوجود أشكال جديدة من الكتب، وهي الكتب الإلكترونية، ومعها ظهرت إشكالية جديدة تتصل بالكتب المستعملة الإلكترونية ومفهومها وكيفية التعامل معها. من الواضح أنه في حالة الكتاب المستعمل الورقي، هناك فارق متوقَّع بين النسخة التي تشتريها من الناشر مباشَرةً، والنسخة المشتراة من باعة الكتب المستعملة. يتمثَّل الفارق في أن عامل الزمن يؤثِّر على الكتب وتماسُكها؛ وبالتالي يمكن القول إن سوق الكتب المستعمَلة في حالة الكتب الورقية هذه لا تشكل نفس الخطر الذي تمثِّله الكتب المستعمَلة الإلكترونية التي لا تختلف عن النسخة الأصلية التي يبيعها الناشِر مباشَرةً. أيضًا الطبيعة المادية للكتاب الورقي تجعل فكرةَ ملكية مَن يشتريه أكثر وضوحًا من حالة الكتاب الإلكتروني، الذي صار الناشرون الآن يؤكِّدون على أن ما يحدث هو حق استخدام، لا شراء بالمعنى التقليدي، بمعنى أنك تستطيع اقتناءه وقراءته، لكنك لا تستطيع إعارته، أو بيعه، أو التبرُّع به.

عند مناقشة قضية إعادة بيع المواد الإلكترونية يتم الإشارة عادةً إلى تجربة موقع ReDigi؛ الموقع الذي قامت فكرته على بيع الأغاني المستعملة بعد الاستماع إليها. القضية وصلت إلى ساحات المحاكم بعد شكوى شركة Capitol Records، التي حكم فيها القاضي في إحدى المحاكم الأمريكية بأن الأمر في هذه الحالة يخرق حقوقَ الملكية؛ لأنه حتى في حالة مسح الكتاب من الحاسب الأصلي فور بيعه، فإن ما يتم هنا هو عملية نسخ للكتاب. ورغم ذلك فالفكرة لا تزال مثيرةً للجدل؛ نظرًا لطبيعتها الخاصة، ولذلك فهناك محاكم أوروبية كانت لها أحكامٌ مختلفة بعض الشيء في قضايا مشابهة؛ منها حكم محكمةٍ في أمستردام برفض شكوى أحد الناشرين ضد موقعٍ لبيع الكتب المستعمَلة ٢٠١٤ مملوكٍ لتوم كابينت Tom Kabinet. واعتبرت المحكمة أن بيع الكتب المستعمَلة أمر مسموح به. لكن نفس الموقع تمَّ إغلاقه في بداية هذا العام لحين التأكُّد من أن الكتب الموجودة عليه تم الحصول عليها بشكل قانوني، خصوصًا بعد أن تم التأكد من أن بعض المواد الموجودة عليه غير قانونية، وبعضها ليس متاحًا للبيع بشكل إلكتروني من الأساس. لكن هل عملية التأكُّد من قانونية كل الكتب الموجودة على موقعٍ يعتمد على الكتب التي يقوم مستخدمون من كافة الأرجاء برفعها للموقع ممكنةٌ أصلًا؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (3)

  • default avatar
    علي العمري ·٢ سبتمبر ٢٠١٦، ١٨:٥ م

    ثمة نقطة شديدة الأهمية عادة ما يغفل من يطرح قضية الكتب الإلكترونية الحديث عنها، هذه النقطة الهامة هي أن قراءة هذا النوع من الكتب متاحة لفئة المكفوفين وضعاف البصر بخلاف الكتب الورقية التي يحتاج معها الكفيف إلى قارئ من الصعب توفره، نعم ربما كان هذا الأمر لا يعني غالبية القراء من منطلق عملي لكنه ينبغي أن يعني الجميع وليس المكفوفين وحدهم من منطلق إنساني وأخلاقي.

  • default avatar
    Nardine Fotoblepharon ·١١ يناير ٢٠١٦، ١٥:٢٩ م

    الكتب الورقية لا تعوض

  • default avatar
    Sarchil Abdula ·٢٥ نوفمبر ٢٠١٥، ٦:٥٢ ص

    اتمنى لكم العافية