رئيس وزرائنا رجل عظيم، عظيم جدًّا ما في ذلك شك، عظيمٌ لم تعرف مصر في تاريخها القديم والمتوسط والحديث من يشبهه في عظمته، إلَّا أن يكون في حضرة صاحب الدولة الرجل العظيم الآخر إسماعيل صدقي باشا. فبين هذين الرجلين النابهين النابغين وجوه للشبه، قد تأتي من المصادفة المطلقة، وقد تأتي من أنهما كليهما من أبناء مصر التي تتيه على الزمان بأنها تخرج العظماء من حين إلى حين، وقد تأتي من أن أحدهما علَّم فأحسن التعليم، ومن أن أحدهما الآخر تعلَّم فأحسن التعلم، وانتفع بما تلقى من الدروس. والشيء الذي ليس فيه شك هو أن هذين الرجلين عظيمان جدًّا، وأنهما يتشابهان في غير وجه من وجوه العظمة، وإن كانا يختلفان في غير وجه من وجوه العظمة.

وأخص ما يجمع بينهما من وجوه الشبه في هذه العظمة التي تتفوق بها مصر على جميع الأقطار حُسن فهمهما لصيانة الأمن، وحماية النظام، وتعليم الأمة المصرية كيف تكون الطاعة، وكيف يكون الخضوع، وكيف ينبغي أن نفهم الحرية على وجهها؟ وأن يكون المصري مواطنًا يعرف حق المعرفة ما له وما عليه.

والواقع أن هذين الرجلين العظيمين قد أنشآ مذهبًا جديدًا في الفقه الدستوري والإداري لم يسبقهما إليه أحد لا من الفقهاء ولا من الوزراء، ولم يكن من المعقول أن يسبقهما أحدٌ إلى شيءٍ لأنهما من العظماء، والعظماء سابقون دائمًا، وليس إلى سبقهم من سبيل.

وإذا أردت أن تفهم المذهب الجديد الذي استحدثه هذان النابغتان، ففهمه يسير لا عسر فيه؛ لأنه مذهب ملائم لطبيعة الأشياء، موافق للحقائق الواقعة. ويمكن تلخيص هذا المذهب في كلمات موجزة، وهي أن أول ما يجب على الحكومة الصالحة هو أن تحمي نفسها حتى من الوهم، ولا عليها بعد ذلك أن يتعرض الشعب لما شاء اللَّه أن يتعرض له من الأخطار، فالحكومة غاية في نفسها لم تُنشأ لخدمة الشعب، وإنما أُنشئ الشعب لخدمتها، وحمايتها من أجل ذلك واجب مقدس لا يصح إهماله أو التقصير فيه، وإنما ينبغي أن تُبذل فيه الجهود كل الجهود، وتستنفذ فيه القوة كل القوة، ويتخذ له الاحتياط كل الاحتياط.

يجب أن تُحمى الحكومة لا من العدوان عليها، ولا من الائتمار بها، ولا من الشك فيها، بل من توهم هذا كله، بل من خطور هذا كله على بال الحاكمين، فضلًا عن خطور هذا كله على بال المحكومين.

ومن أجل هذا يجب أن تُلغى الحريات العامة إلغاءً، بشرط أن تسجل على الورق تسجيلًا؛ فإن الحكومة الرشيدة يجب أن تكون ذات وجهين، وجه مكتوب يُقرأ في الصحف، ويُسجل في الكتب، ويذاع في الأنباء، ونلقى به الأجنبي. وهذا الوجه يجب أن يكون ديمقراطيًّا خالصًا، ديمقراطيًّا على الطريقة الإنجليزية والأمريكية، يقدِّس حرية الأفراد والجماعات كل التقديس، ويصونها من كل عبث.

وما أظن أحدًا يشك في أن حكومتنا تحمل هذا الوجه الديمقراطي المكتوب، فتحسن حمله، وتلقى به الأجانب في مصر وخارج مصر فتحسن لقاءهم؛ فحكومتنا ديمقراطية سمحة تقوم على دستور ديمقراطي سمح، وتُسأل أمام برلمان كامل السلطان. حكومتنا تحمل هذا الوجه الديمقراطي حملًا حسنًا، وإن كان هذا الوجه يختلف اختلافًا يسيرًا حين يحمله النقراشي باشا، وحين يحمله صدقي باشا.

فهو عابس جاد حين يحمله أحد هذين الرجلين، وهو باسم ظريف حين يحمله الآخر، والمهم أن هذا الوجه موجود، وأن حكومتنا تحمله فتحسن حمله، وتلقى به الأجانب فتحسن لقاءهم، وتقنع العالم كله بأن مصر بلد ديمقراطي لا تتعرض ديمقراطيته لشك أو جدال. أمَّا الوجه الآخر فحازم حاسم، وعازم جازم، لا يعرف دعابة ولا فكاهة، ولا يحب عبثًا أو مزاحًا، وإنما يألف الجد كل الجد، والصرامة كل الصرامة. وهذا الوجه يحتفظ به الرجلان العظيمان للقاء الشعب وتعليمه كيف تكون الطاعة، وكيف يكون الخضوع، وكيف تُفهم الحرية على وجهها، وكيف يُعرف المواطن ما له وما عليه.

وهذا الوجه هو الذي يردُّ المصريين عن الاجتماع إذا أرادوا أن يجتمعوا، وعن القول إذا أرادوا أن يقولوا، وعن الكتابة إذا أرادوا أن يكتبوا. ولو استطاع لردَّهم عن التفكير إذا أرادوا أن يفكروا، ولكنه على كل حال يبث عليهم العيون، ويرصد لهم الأرصاد؛ ليسمع لهم حين يتحدث بعضهم إلى بعض، وليعرف منهم من يزور ومن يُزار، وليتبين بذلك ما يثور في نفوسهم من عاطفة، وما يخطر على بالهم من فكرة، وما يدور بينهم من حديث.

وهو بذلك يراقبهم حتى حين يفكرون. كذلك يكون الحكم الحازم، وكذلك تكون الإدارة الصارمة، وكذلك تؤدب الشعوب فتتعلم كيف تمشي على العجين فلا تترك فيه أثرًا، وكيف تمشي على البيض فلا تحطمه. وكذلك نفهم تتبع صدقي باشا — حين كانت إليه أمور الحكم — لخصومه الوفديين والدستوريين. وكان النقراشي باشا في ذلك الوقت وفديًّا عظيمًا، يحسن احتمال الاضطهاد والصبر عليه، كما كان في الوقت نفسه يحسن الاستماع للدروس والانتفاع بها.

في ذلك الوقت كان صدقي باشا يحاصر النادي السعدي في الليل والنهار، ويحاصر دار رئيس الوفد وأعضاء الوفد، وكان منهم النقراشي باشا. وفي ذلك الوقت كان صدقي باشا يبث حول أعضاء الوفد عيونًا يرصدونهم حين يغدون ويروحون، وحين يزورون ويزارون. وكان النقراشي باشا يمتاز من بين أعضاء الوفد جميعًا بمهارته وبراعته في خداع هؤلاء الأرصاد والعيون، وفي الإفلات منهم حين كانوا يتبعونه في الغدو والرواح. كذلك كان يفعل صدقي باشا، وكان يفعل أكثر جدًّا من ذلك، وكان النقراشي باشا يحصي عليه ما يفعل ليتقي شره، وليحسن حسابه بعد ذلك عمَّا فعل. ولم يكن النقراشي باشا نفسه يعرف أنه كان يحصي كل ذلك لينتفع به، وليسير في الناس سيرة صدقي باشا حين ترفعه الظروف إلى رياسة الوزراء.

وقد رفعته الظروف إلى رياسة الوزراء فأظهر أنه كان طالبًا بارعًا، وتلميذًا نجيبًا، وأنه انتفع حقًّا بالدروس التي تلقَّاها على أستاذه صدقي باشا. فهو الآن يحاصر دار رئيس الوفد في الليل والنهار، وهو يرقب رئيس الوفد غاديًا ورائحًا، وهو الآن يجمع الجموع لرئيس الوفد حين يذهب إلى الإسكندرية أو يعود منها، وحين يذهب إلى الصلاة، وهو الآن يمنع رئيس الوفد من أن يذهب إلى بورسعيد، بل يمنع رئيس الوفد من أن يخطب الناس في السرادق الذي تعود أن يخطب الناس فيه يوم عيد الجهاد، وهو الآن ينكل برجال الشرطة إذا لم ينكلوا بالشعب حين يستقبل الشعب رئيس الوفد، وهو الآن يقتحم النادي السعدي اقتحامًا بغير إذن من السلطة القضائية، ويعرض الشرطة لأن تحتجز في هذا النادي حتى يثبت أنها قد اقتحمته مخالفة للقانون. وهو الآن يجعل نظام الطوارئ نظامًا عاديًّا، فيقيم الشرطة على قدم وساق كأن مصر في حال حرب، وكأن العدو على أبوابها.

كل ذلك وأكثر من كل ذلك يفعله النقراشي باشا كما كان يفعله صدقي باشا، لماذا؟ لأنه يريد أن يحمي الحكومة حتى من الوهم، وأن يحصِّنها حتى من أن يعدو عليها الخيال. والظريف أنه يلقى الأجانب الرسميين وغير الرسميين بهذا الوجه الديمقراطي السمح الذي يحكم بالدستور، ويؤمن بالحرية. وأظرف من ذلك أن هؤلاء الأجانب الرسميين وغير الرسميين يبسمون له كما يبسم لهم، ويضمرون في نفوسهم ما يضمرون، ويرسلون إلى حكوماتهم ما يرسلون؛ لأنهم يرون من حقائق الحكم ما يرون، ولأنهم يحسنون الفهم والتأويل والاستنتاج.

على أن لهذا المذهب الطريف الذي استحدثه الرجلان العظيمان في الفقه الدستوري والإداري مغزًى آخر، ليس أقل من هذا المغزى الأول خطرًا، ولا أهون منه شأنًا. فإذا عنيت الحكومة بحماية نفسها حتى من الوهم، فمن العسير أن تعنى بحماية الشعب من اضطراب الأمن واختلال النظام؛ لأن الله لم يجعل لرجل من قلبين في جوفه؛ ولأن ذا البالين كذَّاب كما تقول العامة؛ ولذلك يحسن النقراشي باشا محاصرة النادي السعدي واقتحامه، ولا يحسن حماية الشعب من أن يذوق بعضه بأس بعض.

فهناك في قرية من قرى الدقهلية يستطيع بعض الناس أن يحاصروا دارًا من الدور في النهار المبصر، وأن يحرقوا هذه الدار على أهلها، وأن يمنعوا من في الدار من أن يفروا لأنهم قد قاموا دونهم بالبنادق، يخيِّرونهم بين الرصاص الذي يقتلهم مسرعًا، وبين النار التي تأكلهم في أناة وهدوء. لا تجزع، أيها القارئ؛ فإننا نعيش في عصر أصبحت القسوة فيه شيئًا مألوفًا، ولا تدهش، أيها القارئ؛ فإننا نعيش في عهد سعيد تشغل فيه الحكومة بحماية نفسها حتى من الوهم عن حماية الشعب من الرصاص والنار.

وماذا تريد من رئيس الوزراء ووزير الداخلية؟ إنه مشغول بالنحاس باشا والنادي السعدي عن تلك القرية التي يعتدي بعض أهلها على بعض بالرصاص والنار.

أرحه، أيها القارئ الكريم، من الوفد ورئيس الوفد ونادي الوفد، واملأ قلبه ثقة بأن حكومته محمية حتى من الوهم، ثم انتظر منه بعد ذلك أن يفرغ للأمن، وأن يمنع الناس من أن يقتل بعضهم بعضًا، ومن أن يحرقوا الدور على من فيها.

ألم أقل لك: إن رئيس وزرائنا رجل عظيم لا يشبهه في عظمته إلَّا أستاذه صدقي باشا. ومع ذلك فقد نحب أن نعرف رأي الأستاذ في تلميذه، أراضٍ هو عنه أم ساخط هو عليه؟! أيرى صدقي باشا أن النقراشي باشا يحسن الحكم على مذهبه الدستوري والإداري الطريف، أم يرى صدقي باشا أن هناك دروسًا أخرى لم يحسن النقراشي باشا الانتفاع بها، وأن أمامه فنونًا من الحكم ما زال في حاجة إلى أن يتعلمها ليعرف كيف يؤدِّب الشعب، وكيف يعلمه الخضوع؟ ألا يظن صدقي باشا أن من الخير لهذا الشعب الذي لا ينفع فيه تعليم ولا تأديب أن يعود هو إلى الحكم مرة أخرى ليعلم النقراشي باشا وأصحابه كيف يكون الحكم الحازم الصارم اللبق؟ وكيف يكون تعليم الشعب معنى الإذعان والخضوع؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.