من الواجب أن نُفَرِّق بين مدارس النقد ومدارس الدعاية؛ لأن التفرقة بينها حمايةٌ للأفكار وصيانةٌ للوقت وكشفٌ للخداع الذي يُرَوِّجُهُ المخادعون لاستغلال الناس وتسخير عقولهم واستحقاق شكرهم باسم الرأي والمصلحة العامة، وهم في الواقع مستحقون منهم للسخط والزراية؛ لأنهم يُرَوِّجُون بينهم الغفلةَ ويضحكون منهم وهم ينظرون إليهم مُصَدِّقين مُنْقَادين من وراء ستار الخداع والتضليل.

إن مدرسة النقد تدور حول فكرة أو حول موضوع من موضوعات البحث والمعرفة، ولكن مدرسة الدعاية تدور حول غرض مستور فلا تعنيها الفكرة إلا لخدمة ذلك الغرض بالدعوى الكاذبة والحيلة الملفقة، ولا فائدة من البحث في الفكرة التي تُثار حولها المناقشة؛ لأن أصحاب الغرض المستور ينتقلون منها إلى غيرها ويختلقون العلل اختلاقًا لترويج الدعاية المطلوبة من وراء كل فكرة ينتحلونها، فلا نتيجة للجدل حول هذه الأفكار غير ضياع الوقت وإثارة اللغط العقيم في الهواء.

وأوجب من ذلك وأقرب إلى احترام عقول القرَّاء أن ينكشف الخداع عن غرض الدعاية المسمومة، فتظهر الحقيقة سافرة لِمَن يريد النظر إليها، ويستريح القارئُ والكاتب من عناء القِيل والقَال.

***

في أدبنا العربي الحديث «مناورات» كثيرة تختلط فيها مدارسُ النقد ومدارسُ الدعاية، ويحسن بكل كاتبٍ يحترم قلمه ويحترم عقول قُرَّائِه أن يُنَبِّه إليها ولا يَسُوق القرَّاءَ معه إلى خدمة دعايتها المضللة بالتورط فيها ومتابعة أصحابها على أباطيلها وتحويماتها.

وعندنا من خبر هذه المدارس كثير لا نتكلف الجهد للبحث عنه؛ لأننا لمسناه في طريقنا غير مرة ولا نزال نلمسه في هذه الطريق فترة بعد فترة.

ولا حاجة بنا إلى أكثر من مثلٍ واحد من أمثلة الجيل القريب ومثل آخر من أمثلة الجيل الحاضر؛ لكشف النقاب عن مدارس الدعاية على اختلاف الأغراض والأسباب، وسيرى القارئُ أن عرض الخبر عن كل مدرسة من هذه المدارس كافٍ للتفرقة بينها وبين مدارس النقد البريء، وكافٍ بعد ذلك للقياس عليه وإعفاء الكاتب من تكرار التنبيه إليه، كلما استحدث المغرضون غرضًا جديدًا للدعاية، ولا نهاية لأمثال هذه الأغراض.

***

قبل أكثر من ثلاثين سنة نَشَأَتْ عندنا مدرسة للدعاية الأدبية باسم أدب الشباب وأدب الشيوخ.

هذا هو الموضوع «العلني» أمام أبصار القرَّاء.

والموضوع كما قُلنا لا يعني شيئًا عند أصحاب الدعاية المغرضة غير التوسل به إلى قضاء الغرض المستور، فإذا وصل الموضوع بأصحابه إلى ذلك الغرض فقد وصلوا إلى الهدف المقصود، وإلا فالموضوعات بحمد الله كثيرة لا حساب لها ولا حساب عليها، وبعد كل موضوع منها موضوع آخر وموضوعات أخريات تأتي على الأثر وتصلح للادعاء والافتراء، إلى أن يدرك شهرزاد الصباح، فتسكت أو تتكلم بالكلام المباح وغير المباح.

كانت جماعة «أبولو» تصدر مجلة شهرية بهذا الاسم، ومجلة أسبوعية باسم «الإمام»، وتصدر معهما رسائل وكراسات من مطبعتها الخاصة لترويج دعوة واحدة تسميها «أدب الشباب»، وتدبير حملة واحدة تسميها الحملة على أدب الشيوخ.

وقبل نيف وثلاثين سنة لم يكن كاتب هذه السطور من زمرة الشيوخ. كان في الأربعين، ولم يكن وحده في هذه السن من الكُتَّاب المعروفين، كان معه في هذه السن: عبد الرحمن شكري، وإبراهيم المازني، وطه حسين، ومحمد حسين هيكل، وأحمد أمين مع آخرين وآخرين.

بل كان أكبر منهم جميعًا في السن: أحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، وخليل مطران، وحفني ناصف، وإسماعيل صبري، وغيرهم وغيرهم من جيلهم بين أحياء وأموات.

ولكن «عباس العقاد» فقط لا غير كان هو «الشيخ» الوحيد في الأربعين من عمره بين هؤلاء جميعًا في الأربعين مثله أو في الستين والسبعين!

وكان هذا الشيخ الوحيد «شريب الأدب القديم» هو الجدير بالحملة عليه لشعره تارة ولنثره تارة أخرى، ولشكله أو لقوله وفعله فوق ذلك تارات وتارات.

أما الآخرون فلم يكونوا «شيوخًا» ولم يكونوا جديرين بالحملة عليهم والانتقام منهم لأقوالهم أو لأفعالهم، بل كانوا جميعًا أهلًا للثناء وأهلًا للنقل عنهم والتحدث بأخبارهم في معرض الإعجاب والإطراء!

حكاية الشباب والشيوخ — إذن — ليست هي مربط الفرس في هذه الحملة. مربط الفرس في الحملة كلها كان في ديوان الخاصة الملكية بعد مقالاتي عن الرجعية وكلمتي في مجلس النواب عن الملك أحمد فؤاد، وكانت لذلك قصة لا يتسع الوقت هنا لشرحها بحذافيرها، ولكن خلاصتها الكافية في مقامنا هذا أن زبانية القصر يئسوا من إغرائي وتهديدي من ناحية الوظائف والألقاب، فأرادوا أن يُفْهِموني أن سمعة الأدب نفسها ليست في أمان من مكرهم كما ظننت، وأنهم قادرون على النيل مني في هذا الميدان أشد من قدرتهم على النيل مني في ميادين الوظائف والألقاب، والمغانم والدواوين.

وقد كان قائدهم المختار لتدبير الحملة أديبًا موتورًا يقاربني في السن ولا يُحْسَب من الشباب إذا حُسِبْت أنا من الشيوخ، فظل في قيادة هذه الحملة — بتمويل القصر — إلى أن خرج ناظر الخاصة زكي الأبراشي «باشا» من ديوانه بقصر عابدين … ثم تبدلت — فجاءة — أعمار الشيخوخة والشباب وتوقفت حملة الضغينة والسباب، فلم يصدر عدد واحد من أعداد أبولو والإمام، ولم تصدر كراسة واحدة من تلك الكراسات التي تحصر الشيخوخة كلها في «شيخها الوحيد»، ثم لا تعرف شيخًا غيره في الأربعين ولا بعد الأربعين!

***

ثم عادت شهرزاد إلى الكلام المباح وغير المباح بعد ربع قرن من الزمان.

فكان الكلام المباح — أو غير المباح — هذه المرة حملة جديدة من طراز جديد؛ هو طراز الحرب الباردة أو الساخنة بين شعر الحياة وذلك الشعر الذي يحوم كلما حام على «بيت القصيد» … ولا يزيد.

ومَن المسئول عن بيت القصيد؟

المسئول عنه إنسانٌ واحد في العالم العربي كله هو عباس العقاد فقط لا غير! …

ومرة ثانية أو ثالثة أو رابعة، ينكشف للقارئ المتأمل أن الحكاية هنا غير «ذات موضوع»، وأن الموضوع كله مختلق مِمَّا قبل الألف إلى ما بعد الياء؛ ذلك أن قادة الحملة لم يقرءوا حرفًا ممَّا يسطره كاتبُ هذه السطور منذ خمسين سنة في موضوع بيت القصيد المظلوم.

فكاتب هذه السطور قد بدأ حملته على «بيت القصيد» في صحيفة الدستور سنة ١٩١٠، وتابعها بغير انقطاع إلى السنة التي استيقظ فيها «المجددون الغيورون» للزراية بشعر البيت الواحد والإشادة بشعر الحياة.

وقد أَلَّفَ كاتب هذه السطور كتابًا كاملًا عن الشاعر «ابن الرومي»؛ للتنويه بسبق هذا الشاعر إلى وحدة القصيدة وإعراضه عن الشعر الذي يُذْكَر ببيت في المطلع أو بيت في الختام، أو أبيات هنا وهناك بين المطلع والختام.

فليس الموضوع إذن هو الموضوع، وليس مربط الفرس هو شعر البيت الواحد أو شعر الحياة؛ إذ لو كان هذا هو الموضوع لكان من حق كاتب هذه السطور على المجددين الغُيَّر أن يثنوا عليه ويذكروه بالخير … فإن عزَّ عليهم الثناء وحسن الذكر فلا أقل من السكوت.

على أنهم قد كشفوا أنفسهم بما قالوه عن شعر الحياة كما كشفوا أنفسهم بما قالوه عن بيت القصيد.

فالشاعر الروسي «ماياكوفسكي» مضرب المثل بشعر الحياة قد مات منتحرًا في نحو الثلاثين، ومات مثله اثنان من زملائه بين شعراء المصنع والريف، وهما: باجرتسكي، ويسنيني!

وليس أعجب من «شعر حياة» يترك لقرَّائِه القدوة السيئة بالهرب من الحياة.

وليس أعجب في الدعوة إلى بيت القصيد من كتابة خمسين سنة في الحملة على بيت القصيد، ومن تأليف كتاب كامل لتفنيد بيت القصيد.

شعراء الحياة ينتحرون!

وأدباء بيت القصيد يقومون ويقعدون بالحملة على شعر البيت الواحد ويجعلونه أضحوكة النقد بترتيب أبيات القصيدة من أسفل إلى أعلى، ومن أعلى إلى أسفل، كما صنعنا في كتاب الديوان!

وهذا هو الموضوع!

فهل هذا هو مربط الفرس، أو مربط الفرس موضوع غير هذا الموضوع، وسرٌّ غير هذا السِّرِّ، وسبب في الخفاء لا يعفي كاتب هذه السطور من النقد والتشهير، ولو مسح بيت القصيد من صفحات الكون، ولو مدَّ عمر الإنسان المعدود إلى أجل غير محدود؟!

فكاتب هذه السطور لم يُحْسِن قط في قول ولا عمل منذ استطاع أن يقول ويعمل في ميدان الأدب أو ميدان السياسة، وفي ميدان التأليف أو ميدان الصحافة!

وكاتب هذه السطور معصوم من الصواب والسداد، جامع للأخطاء والأغلاط في كل ما قال، وكل ما عمل، وكل ما أراد!

وما هو السبب؟ ما هو السر؟ ما هو الموضوع؟

الموضوع غير مهم على الإطلاق!

الموضوع أنه مشتوم مذموم على الدوام، أو مشتوم مذموم والسلام، أو لا سلام!

إن مدارس الدعاية من هذا القبيل لَتستغفل الكُتَّاب والقرَّاء إذا هي ورَّطَتْهم في مجاراتها على تهويلاتها وتأويلاتها، وإنها لتُضَيِّع عليهم أوقاتهم عبثًا إذا هي ساقتهم إلى جدال ينتقل بهم من محال إلى محال، ولا سبيل بعده إلى التفاهم على حال.

وكل حقهم في ذمة الناقد أن يكشفهم على حقيقتهم، وأن يأبى عليهم شرف الجد في مناقشتهم ومساجلتهم، وأن يَصُون هذا الشرف لمدارس النقد الصادق، ومدارس الفكرة والموضوع، وإنه لشرف عظيم نَدِين به لهذه المدارس الصالحة فيما كتبناه وفيما سنكتبه، إلى أن يشاء الله.

أما الموضوعات من طراز شيخوخة العقاد وحده في الأربعين، أو من طراز بيت القصيد الذي ننعاه خمسين سنة! فنظرة السخرية وإشارة الاستهزاء، هي غايةُ حقِّهِ عندنا وعند القرَّاءِ.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.