لما اشتدت الأزمة واشتد الخلاف بين الخديوي ونظار حكومته، طلب محمود سامي البارودي من سلطان باشا رئيس مجلس شورى الدولة أن يعرض استعفاءه على الخديوي. ولما طلب هذا الطلب أخذوا يفكرون بمن يخلفه، فاتجهت الأنظار إلى مصطفى فهمي باشا الذي كان يتولى وزارة الخارجية، ومصطفى فهمي الجزائري الأصل كان مشهورًا برقة طباعه وضعف عزيمته، فاعتذر عن قبول المهمة. وظهر شيء من الانحلال في صفوف الوطنيين بتقديم محمود سامي استعفاءه وبارفضاض مجلس شورى النواب من حولهم، حتى ما إذا وصل الخبر إلى أوروبا ذعر المستر بلنت، وأرسل إلى أصدقائه الوطنيين التلغراف الآتي:

هل الحزب الوطني راضٍ الآن عن عرابي؟ إن الحكومة الإنكليزية تزعم الضد، فإذا أنتم افترقتم عن الجيش فإن أوروبا تضمكم إلى أملاكها.

كان نجم الخديوي في هذه البرهة في صعود ونجم خصومه في هبوط، وكانت دلائل الإخلاص تَرِد عليه من جميع الجهات والنواحي، حتى جاء شيوخ العرب يعرضون عليه خدمتهم وإنقاذه من أعدائه.

وما انقضى يوم ١٥ مايو حتى نقلت شركة هافاس التلغرافية خبر إرسال أسطول فرنساوي إنكليزي إلى الإسكندرية، فكان لهذا الخبر وقْع شديد. فاجتمع زعماء الحركة الوطنية في غرفة علي فهمي في قشلاق عابدين برياسة محمود سامي، وقرروا المقاومة حتى النهاية، ووضعوا نسخة من القرآن الكريم على طاولة وإلى جانبها السيف، وكان الشيخ محمد عبده يتلو صورة القسم على القرآن والمصحف، وكان كل واحد منهم يضع يده على المصحف والسيف ويكرر القسم.

هذه الحادثة لم يذكرها يومئذٍ أحد لا من الصحافيين ولا سواهم، ولم يرسلها قناصل الدول إلى دولهم، ولكنها وردت أمام المحكمة العسكرية التي حاكمت زعماء الثورة، فأوردوها أمامها على هذا الوجه يعقوب سامي، ومحمود سامي، والشيخ محمد عبده، وعبد الغفار، ومحمد رضا، وطلبة، وعمر رحمي، وعلي الروبي، ومحمد الزمر، وخليل كامل، وأحمد عرابي.

وقد أجمع المؤرخون على أنه لولا تدخُّل قنصلي فرنسا وإنكلترا، لانتهى الأمر وخمدت الفتنة، ولكن مشورتهم على الخديوي ومعاملتهم للثوار أضاعت كل ما كان مركز الخديوي قد ربحه.

ففي صبيحة ورود الخبر عن قيام الأسطول الفرنساوي الإنكليزي إلى مصر، قابل قنصلا إنكلترا وفرنسا عرابي وأبلغاه أن الدول تعده مسئولًا عن الأمن العام، فأجابهم أنه يضمن الأمن العام ما دام وزيرًا.

فأدرك القنصلان من هذا الجواب أنه لا مندوحة من إبقائه في دست الوزارة.

ولما كان وصول الأسطول قريبًا، ارتأى القنصلان أن يشورا على توفيق باشا بإبقاء الوزارة حتى يستطيعا مكالمتها عند وصول الأسطول، وكانت هذه الهفوة السياسية هفوة قنصل فرنسا، كما أن إرسال الأسطول كان هفوة رئيس وزارة فرنسا فرسينه.

وفي اليوم ذاته جاء إلى السراي الخديوية وفد من مجلس شورى النواب يلتمس من الخديوي الصفح عن النظار، فقابل الخديوي الوفد بقلة الرعاية والاهتمام، ولكنه كان من عادته أن ينصاع لمشورة قنصلي فرنسا وإنكلترا — أي المراقبة المثنوية — فانصاع لمشورتهما.

وفي مساء ١٦ مايو ذهب محمود سامي وزملاؤه النظار إلى السراي الخديوية لينالوا الصفح عنهم، حتى قالوا إن عرابي لثم يد الخديوي بطنًا وظهرًا، ولكن الوطنيين لم يروا من وراء صفح الخديوي إلا الضعف والوهن لا الحِلم واتباع المشورة التي أبداها القنصلان.

هذه الأزمة التي كان سببها الضباط الجركس — على ما عرفنا — أنسى تطورُها البلادَ أولئك الضباطَ، فلم يذكرهم إبانها أحد ولم ينظر إلى مصيرهم أحد.

ولكنهم في ١٩ مايو ركبوا إحدى البواخر الروسية إلى الآستانة، وفي يوم ٢٠؛ أي بعد سفرهم بيومٍ واحد، وصل الأسطول الإنكليزي الفرنساوي، فما هو سبب وصوله؟

إن السجلات الرسمية الإنكليزية والفرنساوية تثبت أن إرسال هذا الأسطول كان بناءً على اقتراح المسيو فرسينه رئيس وزارة فرنسا يومئذٍ؛ فهو اقترح ذلك عندما وصلت إلى أوروبا أخبار حادثة الجركس، ورأت وزارة باريس ووزارة لندن الخطر لامعًا من وراء الحادثة، وأن هذا الخطر يتطلب المداواة السريعة.

وكان اللورد غرنفل يعتقد أنه لو استطاعت حكومتا فرنسا وإنكلترا أن تعلنا أمام برلمانيهما أنهما متفقتان على ما تفعلانه في حالة وقوع أزمة في مصر الاتفاق مع دول أوروبا، لكان لمثل هذا التصريح والإعلان أفعل أثرًا في القاهرة، فإذا ما تحرجت الأمور تطلبان من تركيا إرسال أحد قُوادها إلى مصر ليعيد النظام إلى الجيش ويكون مع هذا القائد التركي ضابط فرنساوي وآخر إنكليزي، وكان يرى أن دول أوروبا لا تعارض في ذلك تفاديًا عن التدخل المسلح.

فانتقد فرسينه هذا الرأي لأنه يشم منه رائحة حملة عسكرية تركية، وطلب من إنكلترا أن تنضم إلى فرنسا لمنع تدخُّل السلطان تدخلًا أدبيًّا يفضي إلى التدخل العسكري. فرد اللورد غرنفل بأنه مع كرهه للتدخل المسلح «يحتفظ لنفسه بحريته دون كل تدخُّل عسكري مع حكومة فرنسا في حالة الاضطرار إلى ذلك.» ومن هذا ومن محادثات اللورد ليولس سفير إنكلترا في باريز كان يُفهم جيدًا أن الإنكليز كانوا يميلون إلى التدخل التركي.

ولم تكن مندوحة في نظر المسيو فرسينه عن الإسراع ولو بإيجاد طريقة أخرى، وغنم فرصة إلقاء سؤال عليه في مجلس نوابهم في ١١ مايو ليصرح بأن همه الوحيد أن يحتفظ لفرنسا بمركزها الممتاز في مصر وبنفوذها وبصيانة استقلال هذه البلاد كما قررتها الفرمانات، وللوصول إلى هذا الغرض «نعتمد قبل كل شيء على المؤازرة مع إنكلترا وعلى اتفاق الدول، ولا نخشى شيئًا من هذا الجانب؛ لأن الدول متفقة على أن لفرنسا وإنكلترا المقام الممتاز في مصر. أما الوسائل التي تُستخدم في الأحوال الخاصة، فمن سوء التدبير، بل من الجريمة أن يدع وزير الخارجية الظنون تتسرب لي معرفتها.»

هذه التصريحات عادت بالضرر الكبير على الجميع؛ أي على سياسة فرنسا، وعلى مصالحة الخديوي مع نظاره، وعلى خطة الباب العالي، وعلى مسلك الدول حتى إنكلترا؛ لأن الجو الذي كان آخذًا بالصفاء عادت إليه الكدورة والأهواء التي كانت قد سكنت عصفت بها رياح الشهوات. أما الوسائل التي كان يقول بإخفائها، فلم يلبث أن ظهرت باقتراحه على إنكلترا إرسال أسطول إلى الإسكندرية، وفهم اللورد غرنفل لما عرض عليه الاقتراح أن الغرض حماية رعاياهم. ولما عرف الحقيقة أجاب أن هذه المظاهرة لا تكون كافية، إلا إذا أُيدت بحملة مختلطة من الفرنساويين والإنكليز والتُّرك. ولما اجتمع مجلس الوزراء الفرنساوي في ١٤ مايو، قرر رفض اقتراح غرنفل وإرسال ست سفن إلى الإسكندرية وسفينة سابعة إلى السويس، ولكي يدلوا على الاتفاق قرروا أن تُتخذ التدابير حتى تصل هذه السفن في وقتٍ واحد، وفي الوقت ذاته يطلبون من الباب العالي أن يتفادى عن كل عمل الآن، وأن يُبلغوا الدول ذلك ويطلبوا منها تأييدها لدى الباب العالي بإبداء النصيحة له معهم.

وقرروا أنه إذا كان وصول الأسطول إلى الإسكندرية لا يكفي، وتستدعي الحالة إنزال جنود إلى البر، لا تنزل الجنود الفرنساوية ولا الإنكليزية، بل الجنود التركية فتعمل تحت رقابة إنكلترا وفرنسا.

فأعربت حكومة غلادستون لحكومة فرنسا عن أسفها؛ لأن الدول الأخرى لم تُدعَ للاشتراك في المظاهرة البحرية، ولكنها تقر مقترح فرنسا كما هو حبًّا بالاتفاق معها.

وفي ١٥ مايو ألغت الدول الكبيرة خبر إرسال الأسطول، مع التأكيد أنه لا يراد من إرساله إلا صيانة الحالة الموجودة والمعترفة أوروبا بوجودها.

أما البلاغ الذي أُرسل إلى القاهرة، فإنه كان أشد لهجة، وقد تضمن الإشارة إلى الوسائل الأخرى لحفظ الأمن وصيانة سلطة الخديوي. أما البلاغ الذي أُرسل إلى الآستانة، فإنه أشار إلى إمكان تنفيذ المقترحات المقدمة إليه سابقًا؛ أي إرسال قوة تركية.

وقبل أن يتلقى الباب العالي البلاغ المشار إليه، كان قد وصل إليه خبر العزم على توجه الأسطول الفرنساوي الإنكليزي، فأرسل إلى سفرائه لدى الدول ليُبلغها أنه تلقى بالدهشة التي تدعو إلى الأسف خبر عزم فرنسا وإنكلترا على إرسال أسطول إلى المياه المصرية؛ لأنه من حق السلطان في حالة الضرورة أن يرسل سفنه ومراكبه إلى المياه المصرية. أما الآن فإن الحالة لا تدعو إلى شيء من ذلك، ولا تسمح لدول أخرى غير الباب العالي أن تُقدم عليه.

وكان احتجاج الباب العالي شديدًا بعد ذلك، واعتبر السلطان قرار فرنسا وإنكلترا إهانة له، فلم يشأ أن يسمع بيانات سفيري إنكلترا وفرنسا بهذا الصدد.

ولما تلقى بلاغ فرنسا وإنكلترا رسميًّا، أرسل بيانًا ثانيًا إلى الدول في ١٧ مايو يكرر فيه كلامه الأول، وينتقد بلاغ فرنسا وإنكلترا لأنه ضاعف بالإهانة، ولأنه لا يمكن التوفيق بين التأكيد بأنهم يحافظون على حقوق السلطان وبين منع السلطان من كل تدخُّل وتوسط، فإذا لم يكن التوفيق بين العملين ممكنًا؛ فإن هناك مسًّا بكرامة السلطنة وهيبتها.

وأصدر الباب العالي أوامره بإعداد المراكب والسفن التي ترسل إلى المياه المصرية، ودار على الألسن أن الباب العالي سيرسل حملة إلى مصر بقيادة درويش باشا، وشغل ذلك بال الدول ورجال السياسة، لا سيما عندما وقفت السفن التركية في مرسى قرن الذهب تنتظر صدور الأمر إليها بالسفر.

وفي هذه البرهة كان عرابي يدعو الرديف ويجمع السلاح ويخزن المؤن ويتفق مع معمل كروب على مشترى المدافع، ودُهش الأجانب للقيام بهذه الأعمال كلها بلا مال، ولكن الأهالي كانوا يتطوعون بتقديم كل ما يحتاج إليه الجيش، وفتح ناظر الأوقاف حسن الشريعي خزانة وزارته لناظر الجهادية؛ لينفق منها على إعداد الجيش وحشد الرديف.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.