صفتان يستوفيهما الكاتب فيُذكر ويستحق أن يُذكر، وتفوتانِه فلا حق له في غير النسيان، وإن كان من المذكورين: أن يكون صاحب رسالة، وأن يكون في رسالته رائدًا متقدمًا على نحو من الأنحاء. وقد كان سلامة موسى على حظ موفور من هاتين الصفتين.

كانت له رسالة أداها في نشر الثقافة العلمية وتبسيطها، وكان رائدًا متقدمًا في أداء هذه الرسالة؛ لأنه كان يتجه إلى حرية الفكر يوم كانت حرية التفكير جرأة لا يقدر عليها كثيرون. وكان مع اتجاهه إلى الحرية الفكرية موهوبًا في صياغة أفكاره وابتداع مصطلحاته، فقلما استعار مصطلحًا من السابقين له في تبسيط العلم ونشره إلا أن يكون ذلك المصطلح قد عم وشاع وأصبح في عداد «الملكيات العامة».

كان له اتجاه إلى الأخذ بالجديد أينما اتفق له في مطالعاته ومشاهداته، وربما أفرط في ذلك إفراطًا يعجله عن إعادة النظر أول الأمر فيما اتخذ من رأي جديد، فلم يكن يعسر على من يعاشرونه أن يعرفوا آخر الكتب التي قرأها من آخر الكلمات التي يتحدث بها والمذاهب التي يدعو إليها. وربما تناقض في الوقت الواحد بين الإيمان «بالسوبرمان» على مذهب نيتشه والإيمان بالنكرات المجهولة في غمار الجماهير على مذهب كارل ماركس! بل ربما آمن مع كارل ماركس هذا بالتفسير الاقتصادي لمسائل الأخلاق والاجتماع وآمن في الوقت نفسه بالتفسير الجنسي الذي يقول به فرويد ويرد إليه سلوك الجماعات كما يرد إليه سلوك الآحاد!

وكان للعلم عنده شأن أكبر من شأن التفكير، وللتفكير عنده شأن أكبر من شأن الفن والأدب. ولا شك في نزعته العلمية وإن لم تكن بواعثه النفسية كلها علمية في مصادرها وغاياتها. ولعله كان يعمل ليحارب أضعاف عمله للتأييد والمؤازرة، فإذا قرأت له ثناء على إنسان فانظر وراء الثناء مليًّا فإنك واجد ولا ريب إنسانًا آخر يصيبه ذلك الثناء بغير ما يرضاه، وإخالني مدينًا لهذه العادة فيه ببعض الثناء الذي خصني به في حملاته الخفية، على حاشية القصر أيام «أحمد فؤاد».

وأراد سلامة موسى أن يغيظ القصر ولا يذكره بكلمة واحدة، فنشر صورتي وأنا سجين في يوم وصول الكاتب الأيرلندي برنارد شو إلى الديار المصرية، ولم يزد على أن قال ما معناه: لو كان هذا الرجل طليقًا لوجد برنارد شو في مصر من يلقاه باسم الأدب المصري، ولكنه الآن سجين!

وقد عرفت سلامة منذ نيِّف وأربعين سنة، وكان يومئذٍ في نشوة الإعجاب الجديد بنيتشه والسوبرمان. وكان يدين تارة بمذهب النشوء والتطور، وتارة بمذهب النشوء والارتقاء، ولكنه كان يذكر تعيشه مع دارون كلما آمن بالارتقاء، ولا يبالي كثيرًا أن دارون لم يكن من الحازمين بملازمة التطور للارتقاء.

وأذكر أننا اختلفنا من اللقاء الأول، وكان موضع العجب في هذا الاختلاف أنه — وهو الاشتراكي المتطرف — كان يقدس نيتشه داعية السوبرمان، وأنني — وأنا المؤمن بالبطولة — كنت أنحي على نيتشه ولا أرتضي منه ذلك التقديس للأبطال على حساب الجماهير.

ولست أظن أن زميلنا الراحل — طيب الله ثراه — نسيني أسبوعًا لم يذكرني فيه على طريقته في النقد الملفوف أو الثناء المعقوف. ولا أظن أنني الوحيد بين زملائه المذكورين على هذا الأسلوب، ولكنني كنت أتلقى نصيبي ونصيب الأدباء الذين أعجبُ بهم وأكتبُ عنهم، فلم يسلم من التحية على هذا الأسلوب ابنُ الرومي وأبو نواس وجمال الدين، ولاهاردي وكارليل وهازليت، ولولا شفاعات كثيرة للمعري وابن رشد لما سلما — هما الآخران — مما أصاب هؤلاء.

كل هذا يذهب وينطوي، بل قد ذهب وانطوى في حينه، ثم يبقى اللباب من رسالة الكاتب الرائد جديرًا بالحمد والتنويه، جديرًا بالثناء الصريح؛ لأنه ثناءٌ على الصريح الخالص من دعوة الحرية وحب التجديد، والسبق إلى التعميم والتبسيط في وقت كان فيه تعميم الفهم جناية وتبسيط الفكر مشقة وارتياد السبق اقتحامًا يضير المقتحم ويعرقل مسعاه.

عوض الله الأدب العربي في الزميل الراحل خير العوض، وجزاه في دار البقاء على ما أفاد وأجاد وأحسن الجزاء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.