الشاعر: إيه أيها الليل الأقتم! أين مفتاح بابك الجهنمي؟ أوَدُّ أن أنام في فنائك المخيف، متوسدًا عتبتك الزرقاء التي بنتها يد البؤس من دموع الأيتام. هناك أسكب دموعي فتطير في الفضاء شظايا تضيء الأفق الحالك.

الليل: قِفْ أيها الشاعر! فما أنت إلا طفل ساذج. إنك ما زلت تبسم لنور الفجر، وتضحك لبزوغ الشمس، وترقص مع الجيوش المنتصرة. وتهزأ من ألحان البؤس التي ترددها الشفاه الظامئة، وتأنف من أن تغسل جسمك الملتهب في نهر الدموع.

الشاعر: إيه أيها الليل! أين عباءتك السوداء تلتحف بها أفكاري المشتعلة وتسير تحت لوائها إلى قرار الهاوية؟ هناك أصرخ صرختي الهائلة أمام الأشلاء المبعثرة فتجفل النجوم في القبة الزرقاء. وترتعد الشمس في عرشها العلوي.

الليل: أيها الشاعر، حاشا لمن هو مثلي عميق القلب بعيد الغور أن يفسح لك في أنحائه طريقًا لا تثبت فيه غير الأشواك القاطعة لتدوسه بأقدامك الناعمة. إني أخشى أن تعود من حيث أتيت، وحرام على الحقيقة التي سكنت سويداء قلبي أن تراك خائبًا حائرًا تستجدي النور أشعته الزاهرة.

الشاعر: إيه أيها الليل! أين جوادُك الأدهم أمتطيه ناهبًا به سماء اللانهاية، حيث أسمع أناشيد الآلهة تردِّدها ملائكة الرحمة فوق تلك الأفنان التي يرقص خيالها في ضوء القمر.

الليل: إيه أيها الشاعر الحائر! إن قناعي الأسود لم تنسج خيوطه غير يد الآلام، وإن نفسي الحائرة لا تهدأ بعد أن هاجها الْتِطَامُ الدماء بالدماء، وإن عيني الساهرة لا تنام لأنها لا تقع إلا على ظل القبور الشاهقة، حيث دفن البشر جثث الحب والأمانة والوفاء.

الشاعر: إيه أيها الليل العميق! دعني أرتشف أفاويقك التي انصرفت عنها نفوس الناس. دعني أنشد في جوفك الصامت أنشودتي تتناقلها الرياح من وادٍ إلى وادٍ، وتستحيل من أجلها رمال الصحراء ضبابًا كثيفًا يكلل جبين السماء.

الليل: أنا ذلك الغار الذي لم يصل بعدُ لنهايته إنسان. إذا مشيتَ فيه قادتك أشباح الموتى، وأحاطت بك الأحلام المزعجة. على بابه كتب اليأس كلمته التي يرن صداها في الفضاء، وفي قاعه انبثقت شجرته التي ينفث نسيمها الملتهب سمومه القاتلة.

الشاعر: وأنا ابنك أيها الليل، إن أنفاسي المستَعِرة سكرى بأريج أنفاسك الهائلة، فأين كأسك أجرع منها جرعتي الأولى والأخيرة؟ خذني إلى أحضانك الشاسعة، وضُمَّنِي إلى قلبك الصامت؛ أنتزع من جسمي البالي تلك النفس الخالدة، وأمزج عصيرها الطاهر بخمرك المُسكِر.

الليل: أنا تلك الصحراء ذات الرمال اللينة التي وسعت الأفكار الهائجة، والتي غاصت فيها الشياطين المتمردة، والتي خيم عليها ضباب كثيف متلاطم حطَّم سراج الشمس الوهاج، فانطفأت أمامه جذوتها المشتعلة.

الشاعر: وأنا بعضك أيها الليل أضحك من سلطان الطمع، وأدوس بأقدامي شيطان الأثرة والأنانية. إليك قيثارتي التي أخذت عودها من أشجارك، وإليك رُوحي التي نجاها من أنوار الحياة سوادُك المنتشر.

الليل: أنا تلك السماء الخالية من الكواكب التي نبع فيها سيل الخيال مُغرِقًا عقول الذين اصطفتهم الأبدية ليحملوا على أكتافهم العريضة عرشها الثابت.

الشاعر: وأنا ذلك المولود الصغير الذي ألقت به أمه عند ذلك النبع المبارك، فحمله التيار الشديد وما زال يقذف به إلى حيث تقف المطامع الإنسانية وينبثق فجر الحقيقة.

الليل: تعالَ أيها الشاعر، وضَعْ فمك الصغير على شفاهي الملتهبة لأنفث فيه أنفاسي النارية فتلتقطها أحشاؤك الظامئة. خذ صولجاني وأمسك به في يدك تخضع لك سفينة الرياح فتركبها لتعدو خلفك الإغاثة وتهرب أمامك القسوة.

الشاعر: أنت أيها الليل إله الرحمة وأنا لسانك الناطق. أنت أنشودة الحب وأنا مُنشِدها. أنت سيف الحق وأنا شاهره الذي لا ينام. تعالَ معي نجول جولتنا لتنهزم أمامنا جيوش الدماء التي أثار حربها نور الحياة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.