لولا أني أشفقت من أن أُروِّعك بعنوان بشع لكتبت هذا الفصل تحت عنوان «نكبة مدرسة القضاء»، أو «العبث بالتعليم الديني»؛ فإن هذين القانونين اللذين أقرهما مجلس الوزراء يوم الأحد الماضي لا يخرجان عن أن يكونا نكبة لمدرسة القضاء، وعبثًا بالتعليم الديني في الأزهر الشريف.

بل لولا أني أريد أن أكتب إليهم من الجهة العلمية الخالصة لقلت: إن لهذين القانونين خطرًا سياسيًّا عظيمًا ستظهر آثاره قريبًا أو بعيدًا، ولكني أريد أن أتجنَّب السياسة كل التجنُّب في هذا الفصل، وأن أبحث عن الحكمة التي حمَلت الحكومة على أن تتعجَّل في إصدار هذين القانونين، وعن الفائدة التي سيظفر بها القضاء الشرعي والتعليم الديني من هذين القانونين.

يجب أن أُقرِّر أني بحثت عن هذه الحكمة فلم أجدها، وأنا أتحدى أنصار الحكومة وأنصار هذين القانونين أن يُبيِّنوا لنا حكمة معقولة يمكن الاعتراف بها للتعجل في هذا التغيير الخطير. لم أجد هذه الحكمة، ولم أجد الفائدة العلمية التي يظفر بها القضاء الشرعي من هذا التغيير، والتي يظفر بها الأزهر الشريف من إنشاء قسم الاختصاص هذا.

ولست أريد أن أطيل؛ فالأمر لا يحتاج إلى إطالة، وإنما أريد أن ألفتك إلى المقارنة اليسيرة بين مدرسة القضاء الجديدة والقسم العالي من مدرسة القضاء القديمة، نثبت غير ما ذهب إليه صاحب المعالي وزير المعارف في حديثه الذي نشرته له «السياسة» صباح الأحد، فقد ذهب صاحب المعالي إلى أن هذا التغيير يُرقِّي مدرسة القضاء، ويرفع من شأنها من الوجهة العلمية.

وأنا أزعم أنه يحطُّ مدرسة القضاء، وينقص من قيمة القضاة؛ ذلك أن القسم العالي في مدرسة القضاء القديمة كان يتعمق في درس الفقه الإسلامي وأصول الفقه وبقية العلوم الدينية تعمُّقًا لن يتجاوزه قسم الاختصاص، وكان يضيف إلى التعمق في هذه العلوم درس اللغة وآدابها وفنونها المختلفة، وكان يضيف إلى ذلك إلمامًا لا بأس به بالتاريخ والجغرافيا، وكان يضيف إلى هذا كله إلمامًا بطائفة من العلوم النظرية والتجريبية، فكان يلم بالعلوم الرياضية، وكان يلم بالطبيعة والكيمياء، وكان يدرس أصول القوانين، ونظام القضاء والإدارة، والتوثيقات الشرعية، وكان يتناول طائفة غير قليلة من التمرين القضائي.

كان يدرس هذا كله ويلم به، فأزيل منه هذا كله، ولم يبق فيه إلَّا الفقه مع حكمة التشريع — كما يقولون — وأصول الفقه، ومقارنة بين المذاهب الأربعة في الأحوال الشخصية والتوثيقات الشرعية، ودراسة بعض القضايا ذات المبادئ الشرعية. وأحب أن ألاحظ أن في هذه التسمية شيئًا من البهرج الذي لا يفيد ولا يدلُّ على شيء؛ فالفقه مع حكمة التشريع مثلًا اسم وُضِع ليخدع الناس ويخلبهم، وهو في حقيقة الأمر لا يدلُّ على شيءٍ جديد؛ ذلك لأن درس الفقه في الأزهر وفي مدرسة القضاء مقرون دائمًا بحكمة التشريع، وحكمة التشريع جزء من الفقه؛ فالنص عليها بدع لا فائدة فيه.

وهناك المقارنة بين المذاهب الأربعة في الأحوال الشخصية زخرف من القول لا معنى له، فإن كان له معنى فهو شرٌّ؛ ذلك لأن درس الفقه في الأزهر وفي مدرسة القضاء الشرعي هو بطبعه مقارنة بين المذاهب، لا في الأحوال الشخصية وحدها، بل فيها وفي المعاملات والعبادات. ينص الكتاب الفقهي العالي بنوع خاص على المسألة الفقهية، ويذكر فيها مذهبه، ثم يذكر مذهب غيره من الفقهاء، ثم يقارن ويناظر ويحاجُّ.

وهذه المقارنة والمناظرة والمحاجَّة مستوفاة في الكتب التي تُدرَّس في الأزهر وفي مدرسة القضاء، ولسنا ندري ماذا يريد الذين وضعوا هذا القانون من هذا النص إلَّا أن يكونوا قد أرادوا أن يُدرَّس الفقه على وجهه في الأحوال الشخصية، وأن يختزل درس الفقه في غير الأحوال الشخصية من الأبواب. وهذا لا يلائم قسم الاختصاص.

أمَّا بقية الأسماء التي مرت بك، فكلها تدرَّس في مدرسة القضاء القديمة، وإذن فليس في قسم الاختصاص شيءٌ جديدٌ في العلوم الدينية، وإنما فيه حذف التفسير والحديث والتوحيد، ولكن هناك علومًا أخرى غير العلوم الدينية، فلننظر ما هي؟

هي: تاريخ القضاء والقضاة في الإسلام — وهذه مادة جديدة لا بأس بها — والسياسة الشرعية — ولسنا نعرف معنى هذه الكلمة، ولسنا ندري أين وجدها واضعو القانون، وإن كنَّا نعترف بأن في القانون رواية أخرى تخلو من هذه المادة — ونظام ولوائح المحاكم الشرعية والأوقاف والمجالس الحسبية — وكان هذا يُدرَّس في مدرسة القضاء مقارنةً بين هذه اللوائح وقانون المرافعات أمام المحاكم الأهلية. ونحب أن نفهم كيف تكون هذه المقارنة إذا لم يُدرَّس قانون المرافعات أمام المحاكم الأهلية — وأصول القوانين — وكانت تُدرَّس في مدرسة القضاء الشرعي — ونظام القضاء والإدارة — وكان يُدرَّس في مدرسة القضاء الشرعي — والإجراءات وتمرينات قضائية — وكانت موجودة في مدرسة القضاء الشرعي.

أرأيت إلى ما سيُدرَّس في قسم الاختصاص هذا من العلوم؟ أرأيت أن الفرق بينه وبين مدرسة القضاء الشرعي ليس في منفعة التعليم، وليس في منفعة الاختصاص، وليس في منفعة القضاء، وليس في منفعة شيء من الأشياء؟ فقد كانت مدرسة القضاء تُخرِّج قومًا لم يشكُ أحدٌ من جهلهم بالفقه، ولا من ضعفهم فيه، وكانوا إلى تعمُّقهم في الفقه يُلِمُّون بعلوم أخرى أدبية ونظرية تقرب المسافة بينهم وبين إخوانهم الذين يُخرَّجون من المدارس المدنية، وتفتح عقولهم للحياة العصرية الجديدة، فحُرموا هذه العلوم، وردُّوا إلى حظيرة الأزهر، وحِيل بينهم وبين هذا الشعاع الضئيل من نور العلم الحديث.

ولا تقل إن هذه العلوم الحديثة تُدرَّس في الأزهر؛ فالله يعلم كيف تُدرَّس هذه العلوم في الأزهر، وكيف يُكلَّف درسها قومٌ ليس لهم بها صلة ولا علم.

أمَّا بعد، فقد كانت مدرسة القضاء تتناول الشاب ولما يتجاوز الصبا إلَّا قليلًا، فتصوغه وتؤدبه تأديبًا يلائم نظامها، ويؤهله لفهم ما يُدرَّس فيها من العلم. أمَّا الآن، فستتناول شيوخًا تم تعليمهم وتثقيفهم، وصيغت نفوسهم صيغة خاصة لا يعمل فيها التعليم ولا التثقيف.

ثم نصَّ هذا القانون على رسالة تُقدَّم في الامتحان النهائي. ولم يلاحظ واضعوه أن طلاب القسم العالي في مدرسة القضاء القديمة كانوا يقدِّمون هذه الرسالة آخر كل سنة، فكانوا يقدِّمون أربع رسائل لا رسالة واحدة.

هذا مبلغ ما أحدث القانون الجديد من تغيير. ولست أذكر إلغاء القسم الأولي، ولست أذكر إلغاء القسم العالي، وإنما أكتفي بما ذكرت من المقارنة اليسيرة بين قسم الاختصاص الذي يعدُّ لشهادة تشبه الدكتوراه، وبين هذا القسم العالي المُلغَى الذي كان يُعدُّ لشهادة العالمية. وهذه المقارنة تنتج — كما ترى — أن مدرسة القضاء انحطَّتْ ولم تَرْقَ، أو قُل إنها أُلغيت إلغاءً، فما حكمة هذا الإلغاء، وما نفعه؟

أمَّا قسم الاختصاص الذي أُنشئ في الأزهر الشريف، فعجبٌ من العجب، ولغوٌ من اللغو، وضربٌ من العبث الذي لا خير فيه؛ تَدرُس النحو اثنتي عشرة سنة في الأزهر، حتى إذا نلت شهادة العالمية أُكرهت — إذا أردت أن تتخصص — أن تدرس النحو أربع سنين أخرى. فما عسى أن تدرس في هذه السنين الأربع؟ وما هذا النحو الذي تُمضِي ست عشرة سنة من عمرك لتكون نحويًّا؟ وقل مثل هذا في الفقه، وقل مثل هذا في غيرهما من العلوم. أصبح الأزهر «كساقية جحا»، أو أصبح الأزهر كالرحى التي تدور وتجعجع دون أن يكون فيها شيءٌ، أو دون أن يكون لها طحن، أو كما قال أبو العلاء: أصبح الأزهر «رحى تطحن قرونًا …»

وليس معنى هذا كله أن الأزهر ومدرسة القضاء لم يكونا في حاجة إلى الإصلاح. كلا، كانا في حاجة شديدة جدًّا إلى الإصلاح، ولكن إلى إصلاح آخر غير الذي ذهب إليه التشريع الجديد، إلى إصلاح ينفع مصر حقًّا، ينفع الأمم الإسلامية حقًّا، يجعل العالم الأزهري ملائمًا للعصر الذي يعيش فيه، إلى إصلاح يحيي العقول ولا يُميتها، ويفتح البصائر ولا يغلقها، إلى إصلاح يجعل الأزهر خليقًا أن يمشي أمامه، لا أن يتقهقر وراءه.

كان الأزهر ومدرسة القضاء في حاجة إلى الإصلاح فأُفْسِدا ولم يُصلَحا. ومصدر هذا شيئان؛ الأول: أن الذين كُلِّفوا هذا الإصلاح ليسوا من الفنيين ولا من أهل البصر بالتعليم، والثاني: أن هذا الإصلاح لم يُردْ به وجه الله، وإنما أريد به وجه السياسة. وإذا دخلت المنافع السياسية في العلم؛ فويلٌ للعلم! وويلٌ للمعلمين! وويلٌ للمتعلمين!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.