كل شيء يدور في هذا العالم، كما قال فيلسوف من فلاسفة اليونان لا أذكر اسمه الآن، وليس يعنيني أن أتكلف البحث عنه؛ لأني لا أكتب في تاريخ الفلسفة، وإنما أكتب في تاريخ السياسة، أو قل: في شيء ليس من اليسير تسميته؛ فليس هو تاريخًا بالضبط، وليس هو سياسة بالضبط، وإنما هو كأي شأن من الشئون المصرية في هذه الأيام غامض مبهم، ليس من السهل أن يحدد، أو أن يحقق أو أن يسمى. وآية ذلك أننا مختلفون: يرى بعضنا أن في مصر أزمة عنيفة لا تذر شيئًا أتت عليه إلا ذهبت به وعصفت به عصفًا. ويزعم رئيس الوزراء — ومعه الأمة كلها — أن ليس في مصر أزمة، أو أن الأزمة في مصر لا تكاد تذكر بالقياس إلى الأزمة في فرنسا وإنجلترا وغيرهما من أقطار الأرض، وأن الحياة عندنا ناعمة، والدنيا لنا باسمة، وأن الفلاح سعيد ينتقل من عيد إلى عيد، بينما الفرنسي أو الإنجليزي لا يظفر من نعيم الدنيا بشيء؛ تُحجز أرضه وثمراتها وتباع ماشيته وأمتعته، وتُجنى منه الضرائب بألوان من الضغط. والغريب من أمرنا أنَّا نسأل الفلاح أسعيد هو أم شقي؟ أناعم هو أم بائس؟ فيجيبنا بأنه قد وصل من التعس إلى قراره، وأنه قد أخذ يحس لذع الجوع! فإذا لم يمسسه جناح من رحمة الله فهو هالك من غير شك. ثم يسأله رئيس الوزراء: أسعيد هو أم شقي؟ فيجيب بأنه قد وصل من السعادة إلى قمتها، وأن الحكومة القائمة قد مدت له الأسباب ليبلغ السحاب، وأن الأمر إن امتد لهذه الحكومة عامًا أو بعض عامًا، فسيدخل الفلاح الجنة في هذه الحياة العاجلة دون انتظار للآجلة!

وعلى هذا النحو يعلن المعارضون أن في مصر أزمة حادة، وتعلن الحكومة أن مصر لا تعرف من الأزمة إلا اسمها. والمعارضة صادقة؛ لأنها تحس وتشعر. والحكومة صادقة؛ لأنها تحسن البحث والاستقصاء. فنحن إذن فقراء أغنياء، سعداء أشقياء، بائسون ناعمون.

وقل مثل هذا في حياتنا السياسية الداخلية؛ فنحن أحرار عبيد، ونحن أعزاء أذلاء، نحن مجتمع النقائض، ونحن باجتماع هذه النقائض راضون، وإليه مطمئنون. نقرأ رئيس الوزراء أو نسمع له فنتفكه، ونقرأ كلام المعارضين — وقد حيل بيننا وبين الاستماع لهم — فنحزن ونتوله! وكذلك جمع الله لنا ما لا بد منه في الحياة الصالحة من الرضا والسخط، ومن اللذة والألم ومن الفكاهة والجِد، ومن السعادة والشقاء.

وقد ذهبت هذا المذهب من الاستطراد؛ لِأُثْبِتَ لك أن كل شيء في مصر غامض مبهم في هذه الأيام لا يمكن أن يحدد ولا أن يسمى. وإني لا أدري كيف أحدد ما أكتب فيه، ولا كيف أسميه؟! ولكني أعلم أنه ليس فلسفة، ولا تاريخ فلسفة.

كل شيء يدور إذن كما قال ذلك الفيلسوف اليوناني القديم. فالقمر يدور حول الأرض، والأرض تدور حول الشمس، والشمس تدور حول نفسها. وجريدة الشعب تدور حول البرلمان، والبرلمان يدور حول الوزارة، والوزارة تدور حول نفسها. ولست أدري أيحتفل القمر وتحتفل الأرض وتحتفل الشمس إذا أتم كلُّ منها دورته؟! لأني لم أتعلم بعدُ لغة الكواكب والنجوم. ولكني أعلم أن الوزارة تحتفل إذا أتمت دورتها؛ وآية ذلك أن رئيس الوزراء قد استقبل عامه الثالث سعيدًا ناعم البال، فطار بجناحين، وخطب بلسانين، وأهدى السلم إلى برقة، ووضع ثقل الحرب على الإسكندرية. ثم عاد إلى القاهرة ومعه جيشه وأنصاره ظافرين موفورين، لم يُكْلَمْ أحد منهم كَلْمًا. عاد إلى القاهرة ليحتفل بإتمام دورة أخرى هي دورة البرلمان. فقد كان يوم الخميس الماضي عيدًا سعيدًا، حفل له البرلمان، وابتهج له المجلسان وخطب فيه الرؤساء والوكلاء والمؤيدون والمعارضون، فأعلنوا جميعًا أن مصر بخير وأن المال عليها موفر، والاستقلال لها محقق، والحرية لأهلها مكفولة. ثم هنأ أولئك وهؤلاء أنفسهم بإتمام الدورة على خير حال، وبأنهم قد داروا ثم داروا فلم يصبهم دوار، ولم يأخذهم صداع، ولم تَزِلَّ بهم قدم، ولم تضطرب تحتهم أرض، فظلوا قائمين، أقدامهم على الأرض، ورءوسهم في الهواء، وأعينهم شاخصة إلى السماء، يرقبون دورة القمر حول الأرض، ودورة الأرض حول الشمس، ودورة الشمس حول نفسها؛ ليدوروا هم حول الوزارة من جديد، ولتدور الوزارة حول نفسها من جديد، ولتدور جريدة الشعب حولهم وحول الوزارة من جديد.

ثم كان يوم الجمعة فظهر الشعب محتفلًا بالدورتين ممتلئًا بآيات البيان مما قيل في البرلمان، متحليًا بتلك «الفريدة» التي ألقاها رئيس الوزراء في مجلس النواب فأخرس بها المعارضة، وأنكر بها المفاوضة، وأعلن فيها أنه لم يأتِ البيوت من أبوابها، وإنما جاءها من ظهورها، وأنه لم يطلب المفاوضة بالأسلوب المعروف وإنما طلبها بالأسلوب غير المعروف. وأن مبدأ المفاوضة مقبول، وتاريخها مجهول، وأن أساس هذه المفاوضة التي قد تكون وقد لا تكون، سيكون في مصلحة مصر؛ لأن مصلحة مصر يجب أن تكون فوق شيء. وأن الحكومة القائمة لا تنسى وليس يمكن أن تنسى ومن المستحيل أن تنسى مصلحة مصر في صداقة إنجلترا.

وقد سمع النواب وازدهاهم الإعجاب، فصفقوا وهتفوا ثم انصرفوا، وأخذ الأكفاء منهم وكلهم أكفاء، والأذكياء منهم وكلهم أذكياء، يسألون أنفسهم عن رئيس الوزراء ماذا قال؟ وبأي شيء أجاب على ما يشاع ويذاع، ويملأ الأسماع، من أن الإنجليز يرفضون المفاوضة، ويخافون المعارضة، ويؤثرون الانتظار حتى يكون استقرار، غير هذا الاستقرار؟ أخذ النواب يتساءلون فلا يجدون جوابًا، ويحسبون فلا يحسبون حسابًا. ذلك أن رئيس الوزراء — كما قلت لك في غير هذا الفصل — خطيب بارع، يقول كل شيء ولا يقول شيئًا. فهو قد طلب المفاوضة ولم يطلبها، وهو مقبل على المفاوضة مدبر عنها. وهو حريص على المفاوضة زاهد فيها. وهو يعلم أن المفاوضة آتية لا ريب فيها، ولكنه لا يعلم متى تأتي، أمرها كأمر الساعة لا بد منها ولا محيص عنها، ولكن علمها عند الله، وعند الله وحده، قد تدركنا وقد نفلت منها. كذلك المفاوضة، لا بد من أن تأتي ومن أن يحدد لها يوم أو أيام، ومن أن تدور حول مصلحة مصر ومصلحة مصر في صداقة إنجلترا. ولكن متى؟ علم ذلك عند الله. ولكن مع من؟ علم ذلك عند الله. ولكن أين؟ علم ذلك عند الله. ورئيس الوزراء رجل كغيره من الناس، له ذكاء لا يشبهه ذكاء، وفطنة ليس كمثلها فطنة، ولكنه لا يعلم الغيب، ولا يزعم لنفسه علم الغيب. فهو إذن لا يستطيع أن يخترق حجبه ليعلن للشيوخ والنواب متى تكون المفاوضة؟ أو أين تكون المفاوضة؟ أو مع من تكون المفاوضة؟ كل ما يعلمه هو أنه طلب المفاوضة بأسلوب غير معروف، فرُدَّ على طلبه بأسلوب غير معروف، وكانت نتيجة هذا كله أن المفاوضة بيد الله يتيحها لمن يشاء متى شاء وحيث شاء وكيف شاء.

وبينما كان رئيس الوزراء يبسط على مجلس النواب جناحي خطابته العريضين فيظله من اليأس بأمل غامض ويحميه من القنوط برجاء شاحب، كانت سفينة من السفن تشق العباب وعليها كتاب. فأما قصد السفينة فثغر من ثغور مصر، وأما وجهة الكتاب فجريدة الأهرام.

وقد وصلت السفينة وبلغت الرسالة، وظهرت الأهرام صباح اليوم وفي صدرها كلام، أُفٍّ له من كلام! لقد أقفل الإنجليز باب المفاوضة الآن، وألقى رئيس الوزراء يوم الخميس ستارًا مزركشًا على مهزلة المفاوضة، وانصرف الناس لشئونهم. فما بال الأهرام تثير حديث المفاوضة من جديد، وترفع الستار عن هموم وأخطار، كان من الخير أن تظل مكتومة مستورة، حتى ينتهي الصيف ويأتي الخريف؛ فقد يكون الخريف وقتًا ملائمًا لمثل هذه الأحاديث؟!

نعم، إن لكل شيء وقتًا وإبَّانًا، ولكن يظهر أن لا بد من إعداد الأشياء والتمهيد لها قبل أن تكون، وأن ما يقع في الخريف يحسن أن يهيأ له في الصيف، وأن الله إذا كان قد قدر للشمس والأرض والقمر دوراتٍ لا تستطيع أن تخرج عنها، فإن الناس لم يحسنوا إلى الآن أن يقدروا للوزارات والبرلمانات دوراتٍ دقيقةً كل الدقة، مضبوطة كل الضبط. فقد تدور الوزارة في مدارها آمنة مطمئنة مقدِّرة أنها لن تقف قبل نوفمبر، ثم يعرض لها عارض فتقف قبل ذلك. هذه أشياء نشهدها كل يوم، وفي كل مكان، وأنا أخشى أن يكون حديث الأهرام الذي ظهر صباح حديث الأهرام هذا تأكيدًا لما هو معروف من إعراض الإنجليز عن المفاوضات ونفورهم منها حتى بعد أن يتم العام ويبتدئ العام الجديد، وفيه كلام عن الانتخاب، فيه الخطأ وفيه الصواب. لكنَّ فيه شيئًا آخر، فيه ذكر الوزارة التي يمكن أن تفاوضها إنجلترا. وهذه الوزارة لا تشبه الوزارة القائمة في شكل ولا في لون، ولا تقاربها في عرض ولا في طول. وهي مشبهة كل الشبه للوزارة التي ذكرها الأحرار الدستوريون في كتابهم الذي رفعوه إلى حضرة صاحب الجلالة الملك.

ومن الغريب أن وزارة مكاتب الأهرام هذه لا تشبه الوزارة التي كانت قد اقترحت، وطلب أن يشترك فيها رئيس الوزراء فقد ذكر مكاتب الأهرام أن المقامات الإنجليزية ترغب في أن تفاوض وزارة قومية يشترك فيها المستقلون والأحرار الدستوريون، والوفديون والاتحاديون والوطنيون، ونسيت الشعبيين وعلى رأسهم رئيس الوزراء.

كل شيء يدور حتى الإنجليز، وحتى لندرة، وحتى المقامات السياسية في عاصمة بريطانيا العظمى؟!

أرجو أن أكون مفهومًا، فلست أقدر مقال الأهرام هذا أكثر مما ينبغي، ولست أزعم له خطرًا عظيمًا. ولكني أسأل عن أمرين؛ أحدهما: صدق مكاتب الأهرام فيما يضيف إلى المقامات السياسية الإنجليزية. فإن كان مكاتب الأهرام صادقًا فيما يروى فقد بدأت المقامات السياسية الإنجليزية تعلن ما كانت تخفي من أن في مصر أزمة سياسية يجب أن تحل، ومن أن حلها يجب أن يكون بإبعاد صدقي باشا عن الحكم، وبأن يرد أمر المصريين إلى المصريين، ومعنى هذا أن سياسة الحياد قد فشلت، ولا بد من أن تغير وتزول. وإعلان هذه الآراء في المقامات السياسية الإنجليزية في لندرة خطر يجب أن يتداركه رئيس الوزراء. والظاهر أن الخرق قد اتسع على وزيرنا المفوض في لندرة، وعلى من يشاركونه سرًّا أو جهرًا في كسب هذه المقامات للوزارة القائمة. فلم يبقَ بد من أن يمد وزيرنا المفوض بمدد جديد. ولو أن رئيس الوزراء يقبل لي رأيًا أو مشورة لاقترحت أن يسافر وزير المواصلات فورًا إلى لندرة ليعين على جمع الأمر قبل أن يتشتت.

وإذا لم يكن مكاتب الأهرام صادقًا في روايته عن المقامات الإنجليزية — وأنا أرجح جدًّا أنه صادق — فمن حق الحكومة أن تعاتب الأهرام. فإن نشر هذا المقال ليس من شأنه أن يمتع الشيوخ والنواب بالراحة التي يستحقونها بعد أن داروا وداروا وآن لهم أن يستقروا.

الأمر الثاني الذي أسأل عنه هو استقلال مكاتب الأهرام بكتابة هذا الفصل. فهل كتبه من تلقاء نفسه أم هل أوحي إليه به كله أو بعضه؟ فإن تكن الأولى فلا بأس على مكاتب الأهرام، فهو صحفي أمين يؤدي واجبه كما ينبغي أن يؤدى الواجب. ومن حق رئيس الوزراء أن يهمس في أذن الأهرام بأن من رسائل المكاتبين الأجانب ما ينشر وما لا ينشر. وبأن هذه الرسالة كان ينبغي أن تؤجل الآن. وإن تكن الثانية، فمَنِ الذين ألهموا مكاتب الأهرام وأوحوا إليه؟ أمصريون هم أم إنجليز؟ أرسميون هم أم غير رسميين؟ ففي لندرة مصريون وإنجليز وفيها رسميون وغير رسميين. وأولئك وهؤلاء يعنون بشئون مصر ويرقبون شئون الوزارة القائمة. ومن المصريين في لندرة الآن مَن يحسب له حساب وينبغي أن يقدر رأيه حق قدره.

الحق أني ضقت ذرعًا بمقال الأهرام ولم أرتح إليه؛ فهو لا يؤذن بخير ولا يدل على أن الدنيا ستبتسم للوزارة منذ الآن كما ابتسمت لها من قبل. وإنما يدل على أن الأرض قد أخذت تضطرب قليلًا تحت أقدامها، ويوشك هذا الاضطراب أن يشتد فيصبح زلزالًا أو شيئًا يشبه الزلزال. نعم، وهو يدل على أن هؤلاء الأحرار الدستوريين كانوا موفقين حين فزعوا إلى صاحب العرش يرغبون إليه في أن يرعى بحكمته العالية، وعطفه السامي شعبه المخلص الأمين، فيحميه من هذه الكوارث التي توشك أن تلم به وينقذه من هذا الخطر الذي يحيق بثروته وكرامته وأخلاقه وحياته، كأمة من حقها أن تحيا كريمة حرة في ظل عرشه الكريم.

نعم، يظهر أن هؤلاء الأحرار الدستوريين كانوا موفقين حين فزعوا إلى صاحب العرش؛ يرغبون إليه في أن يكل أمور مصر إلى وزارة قومية تحبها الأمة وتخلص لها وتعينها على أن تسلك بالبلاد طريق السلامة في هذا الوقت العصيب.

هذه المقامات السياسية الإنجليزية في لندرة تنتظر هذه الوزارة وترى أنها وحدها هي التي تستطيع أن تتفق مع الإنجليز. وهذا الشعب المصري على ضفاف النيل ينتظر هذه الوزارة ويرى أنها وحدها هي التي تستطيع أن تستنقذه من البؤس، وتحميه من الخطر، وتعزه بعد ذل، وتحفظ له كرامته، وتحقق له استقلاله.

نعم! وهذه الوزارة القائمة تعترف بأن الأزمة فوق جهدها وطاقتها، وتعلن أن علم المفاوضة عند الله، وتقبل راضية أو كارهة أن تبقى في الحكم لتصريف الشئون اليومية، وانتظار ما يضمره لها القضاء، وما ستتكشف عنه حكمة صاحب العرش من حب للشعب ورفق به وإشفاق عليه.

ألم أقل لك: إن مقال الأهرام مخيف؟!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.