يظهر أن الدولة معوزة في هذه الأيام كما أن كثيرًا من الأفراد معوزون؛ فقد اشتدت الأزمة حتى انتهت إلى أقصى غايات الحرج، وإن لم تؤمن الحكومة بذلك ولم تُرِدْ أن تعترف به، ويظهر أيضًا أن إعواز الدولة وضيق ذات يدِها، وشدة حاجتها إلى المال لتنفقه فيما تورَّطت فيه من ضروب الترف، كل ذلك يُبيح لها ما لا يبيح للأفراد من مصادرة أموال الناس، والتسلُّط على ما يستخرجون من الأرض في غير رعاية للقانون، ولا احترام للملكية، ولا تقدير للحرية، ويظهر أن مصدر هذا الفرق الذي يبيح للدولة ما لا يبيح للفرد، ويأذن للحكومة في مصادرة الأموال، هو أن الدولة قوية والفرد ضعيف، وأن الدولة ذكية والفرد غبي، أو متواضع الذكاء.

فللدولة وزراء ماهرون لهم حيلة واسعة، وذكاء متفوق، كصاحب السعادة القيسي باشا، وكصاحب العزة صبري بك، وهؤلاء الوزراء الأذكياء الماهرون يعرفون فيما يظهر كيف يستخرجون الغنى من الفقر، وكيف يستنبطون اليسر من العسر، وكيف يجدون للدولة من كل حرج فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا. وهم بفضل هذا الذكاء وهذه المهارة يظهرون الدولة في مظهر الغني السخي، وإن كانت في حقيقة الأمر معوزة أو كالمعوزة معدمة أو كالمعدمة؛ فقد كان الناس يَشْكُونَ في العام الماضي من أن الإدارة في الأقاليم وفي أقاليم الصعيد خاصة، كانت تشق عليهم في جباية الضرائب، تكلفهم أن يدفعوها مقدمًا، ولا تكتفي منهم بما فرض القانون، فإن أظهروا امتناعًا عن ذلك أو عجزًا، حالت بينهم وبين ثمرات الأرض التي أنفقوا في استخراجها جُهدًا وقوة ووقتًا ومالًا؛ فلم تمكنهم من نقلها ولا من التصرف فيها حتى يؤدوا إليها مقدمًا ما تطالبهم به من المال.

ونذكر أن بعض كبار المُلَّاك شَكَوْا من ذلك في العام الماضي إلى وزارة المالية، وأن مدير الأموال المقررة أصدر إلى ممثليه في إقليم هؤلاء المُلَّاك أمرًا بألَّا يقتضوا أموال الدولة إلا في حدود القانون، ولكن الإدارة فيما نذكر لم تحفِل بأمر مدير الأموال المقررة، ومضت فيما كانت ماضية فيه من الإعنات والإرهاق، ومنذ أسابيع جددت «السياسة» هذه الشكوى، وطالبت باحترام القوانين، ورعاية ما تملكه من حرمات، فلما كان من الغد أنبأتنا «السياسة» بأن مدير الأمن العام تحدث بالتليفون إلى صديقنا هيكل بك يسأله عما يعلم من ذلك، وظنت «السياسة» وظننا معها أن عناية مدير الأمن العام بهذه القصة ستنتهي إلى رفع الظلم، وإلى تمكين الناس من أن يصنعوا في أموالهم ما يشاءون إذا أدَّوْا ما عليهم للدولة من الضرائب في حدود القانون.

ولكن «الأهرام» تُجَدِّدُ اليوم شكوى «السياسة» منذ أسابيع، وشكوى الناس منذ العام الماضي، فرجل من كبار الملاك والوزراء يطلب إلى «الأهرام» أن تسأل الوزارة كيف تستبيح لنفسها مخالفة القوانين إلى هذا الحد، وأخذ الناس بدفع الضرائب قبل أن تُسْتَحَقَّ، والتسلط على الحاصلات الزراعية بغير حجز قانوني، بل بالقوة العنيفة المتعسِّفة، وآخرون يكتبون إلى الأهرام بأنهم زاروا مدير أسيوط، يهنِّئونه بالعودة من إجازته، وشكوا إليه من هذا الظلم نفسه؛ فأظهر إنكاره وأعلن أنه لن يسمح بالتعرض لأموال الناس، ولكنه يكتفي بأن يُظهر أصحاب الحاصلات الزراعية للإدارة مستندات تدل على الأماكن التي يخزنون فيها حاصلاتهم، لتستطيع الإدارة بالطبع أن تحجز عليها وتضمن بها وفاء الضرائب.

ومعنى هذا كله أن الظلم ما زال قائمًا، وأن أحكام القانون في جباية الضرائب ما زالت مهدرة، وأن الملكية وحرماتها ما زالت معرَّضة للعبث وتعسف الموظفين كبارًا وصغارًا في الأقاليم، وكل هذا يحدث في ظل الدستور وفي ظل القانون، وبأعين وزير الداخلية الذي هو عضو في مجلس النواب، وبأعين وزير المالية الذي هو عضو في مجلس الشيوخ. ومعنى هذا أيضًا أن الذين يزعمون أن في مصر عدلًا شاملًا، إنما يَكذِبون على أنفسهم أو يكذبون على الناس، ومعنى هذا أيضًا أن الذين يظنون أن المصريين يحكمون بالحق والعدل كما تحكم الشعوب المتحضرة في القرن العشرين، يُخطِئُون أشنع الخطأ، ويُبعِدون عن الصواب غاية البعد.

ومعنى هذا آخر الأمر أن الذين يظنون أن عهد مصادرة الأموال بغير الحق والتسلط عليها بالسيف والبطش قد انقضى، إنما سيكون في عالم من الوهم والخيال.

وإذن فقد يكون الخير في أن تُعلِن الوزارة إلى الناس أنها لا تريد أن تحكمهم بالقانون والدستور، وإنما تريد أن تحكمهم بالشهوة والهوى، أو أنها لا تريد أن تحكمهم بالقانون والدستور وإنما تريد أن تحكمهم بما تفرضه الضرورات التي نجهلها نحن وتعلمها الوزارة من ألوان البطش والبأس وضروب الظلم والجور. فليس هناك منفعة في أن يظن الناس أن لهم حصنًا من القانون والدستور حتى إذا لجَئوا إلى هذا الحصن، لم يجِدوا فيه حماية ولا وقاية، وليس هناك منفعة في أن يظن الناس أنهم أحرار، يستطيعون أن يصنعوا في أموالهم ما يشاءون، على حين أنهم عبيد تستطيع الدولة أن تفعل في أموالهم ما تشاء. ثم ليس هناك منفعة في أن يظن الناس أنهم يعيشون في القرن العشرين، على حين أنهم لا يزالون يعيشون في القرون الوسطى، وليست القوة في أن تخدع الناس تأخذهم على غرة، وإنما القوة في أن تصارحهم وتواجههم بالحقائق الواقعة، وتعلن إليهم أنهم لن يُحكموا إلا على هذا النحو، سواء أرضوا أم كانوا ساخطين، لَوَدُّوا لو يفكر وزير الداخلية ووزير المالية في هذا، ونَوَدُّ لو يشركان معهما في التفكير زميلهما الفقيه وزير التقاليد ورئيسهما الرجل الطيب. فقد ينتهي بهم التفكير إلى مصارحة الناس بأن الدولة محتاجة إلى المال، وبأنها مُعَرَّضَةٌ للإفلاس إذا لم تأخذ الشعب بدفع الضرائب مقدمًا، وبأن الضرورات تبيح المحظورات، والشيء الذي لا شك فيه هو أن المصريين مستعدون لمقابلة مثل هذه الكارثة بصبر وثبات وجَلَد واستعداد للتضحية؛ فهم قد تعودوا احتمال الكوارث، والثبات للحوادث والخطوب. فأما إذا كانت خزانة الدولة عامرة، وكانت الأموال فيها موفورة، وكانت سمعتنا المالية ملائمة لحقيقة حالنا؛ فنظن أن الوزراء يوافقوننا على أن رفع هذا الظلم أمر يفرضه القانون، ويفرضه الضمير، ونحن نُكبِر وزراءنا — مهما يكن بينهم وبيننا من خلاف — عن أن يظن الناس بهم أنهم يَظلمون حبًّا في الظلم، ويجورون رغبة في الجور، ويقهرون الناس لأنهم يجدون لذة في قهر الناس.

ليفكر الوزراء وليقولوا لنا في هذا الأمر شيئًا، فقد نحب أن نسمع منهم ما يقولون.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.