في يوم الخميس الثاني من نوفمبر تألَّفَت الوزارة الجديدة.

وفي يوم الجمعة الثالث من شهر نوفمبر لم تعمل الدواوين؛ لأنه يوم بطالة رسمية.

وفي يوم السبت كتَبَتِ «المصري» تنفي الإشاعات التي تردَّدَتْ — أمس — عن مطالبة وزارة التموين بتوسيع اختصاصها، وقالت: «إن مسئولًا بالوزارة صرَّح لمندوب المصري بأنه لا صحة مطلقًا لما تردَّد أمس بشأن مطالبة الوزارة بضمِّ اختصاصات جديدة لها؛ كإعادة مراقبة الأسعار إليها، وكذلك ضم مراقبتَي التصدير والإيراد.»

كتَبَتْ صحيفةُ «المصري» هذا الكلام في يوم السبت الرابع من شهر نوفمبر؛ فظهر في صباح يوم الأحد الخامس من هذا الشهر!

فمتى تردَّدت الإشاعات التي بادرت «المصري» بالسؤال عنها، وراحت تتلقى التوكيد من المصادر المسئولة ببطلانها؟!

هل تردَّدت يوم الجمعة؛ ولم يذهب فيها أحد إلى ديوان الوزارة؟!

هل خطرتْ هذه النية ساعة افتتاح الدواوين في صباح يوم السبت، ثم خرجتْ من حيِّز النيات إلى حيز الإشاعات بقية ساعات العمل في وزارة التموين؟!

هل حصلت النية ثم حصلت الإشاعة، ثم حصل وصولها إلى أُذُن «المصري»، ثم حصل التقاء مندوب الصحيفة بالرئيس المسئول. كل ذلك فيما بين الساعة العاشرة من صباح السبت والساعة الواحدة بعد ظُهْره؟!

إن كانت «المصري» مغفلة فليكن القراء غير مغفلين، وليعلموا إذن أنه لا إشاعة ولا مقابلة ولا توكيد ولا تصحيح، ولكنه حُلم تَحْلُم به «المصري» وخوف يساورها على مطامع المحتكرين والمستغلين، فهي تختلق الإشاعة وتختلق التصحيح، وتود أن تطمئن وهي تنقل الطمأنينة إلى قلوب المحتكرين والعابثين بالأسعار والأرزاق.

صحيفة «المصري» لا تنام الليل إذا كانت مطامع المحتكرين والعابثين بالأسعار في خطر، ويبلغ منها الفزع أن تنسى أبسط الوقائع فلا تُحْسِن سبك الأكذوبة التي «تحلق» بها على الوزارة قبل أن تفكر في مراقبة الأسعار والإشراف على التصدير والاستيراد، وإذا كان هذا شأن «المصري» في الخوف على مطامع المحتكرين فليس هو بالشأن الغريب.

فما من أحد في رأسه مسكة من التصور يُخيَّل إليه أن المليونير محمود أبو الفتح يطوف أوروبا وأمريكا ليحارب الاحتكار والاستغلال.

إن «صحيفة الدوائر المالية» تهتم بشيء واحد، وهو: مطامع الدوائر المالية، ومساومات الدوائر المالية، والعلاقات بين «المصري» و«الدوائر المالية»، ومراجع الاستعمار والاستغلال.

فإذا فزعت «المصري» على تلك المطامع، فهذا هو الفزع الوحيد المعقول من تلك الصحيفة.

وإذا عملتْ لحماية الاحتكار وتمكينه من رقاب الضعفاء والفقراء فهذا هو العمل الذي تقوم عليه سياستها كلها، وهذا هو طرف المؤامرة التي تلتقي أطرافها جميعًا بين المستغلين والمستعمرين والمساومين على نفوذ المناصب والأحكام …

وخلاصتها أن يأخذ الاستعمار ما يشاء، وأن يأخذ الاحتكار ما يشاء، وأن تتم الصفقة بعد ذلك — إنْ تمَّتْ — على حساب الأمة المصرية فيما تملك من مال، ومن استقلال.

فزعت «المصري» لأنها توهمت أن الاحتكار في خطر، ومن قبل ذلك قامت وقعدت بحكاية الأحكام العرفية؛ لأنها تُقيِّد الاحتكار بعض القيود، وتسمح بالاستيلاء والرقابة على التصدير والإيراد، وتقوم حائلًا في وجه «الدوائر المالية» كلما انطلقتْ بمطامعها على سواد الناس في غير رحمة ولا حياء.

والمسكينة اليوم في حرج، أي حرج!

لقد كانت توالي الحملة باسم الأحكام العرفية ولا توجهها إلى الوزارة كلها، بل تخص بها «السعديين» وحدهم؛ لأنها تزعم أنهم هم العقبة دون غيرهم في هذا السبيل.

فاليوم ماذا تصنع؟ هل توالي الحملة على الوزارة وتشهد على نفسها بالكذب فيما كانت تفتريه؟!

هل تسكت عن الأحكام العرفية وهي مدفوعة إلى فكِّ القيود عن شركات الاحتكار والاستغلال بغير احتياط سابق لضرورات الأمن والتموين؟!

حيرة وأي حيرة! … ولا يحير الله مؤمنًا، وإن كان الإيمان بالجيوب غير الإيمان بالقلوب.

إن مسألة الأحكام العرفية كانت عند «المصري» مسألة يوم فيوم، بل مسألة ساعة فساعة، وها هو ذا رئيس الوزراء يسألونه عن الأحكام العرفية بعد خروج السعديين من الوزارة بسبعة أيام، فيقول: «إن إلغاء الأحكام العرفية أمر أيسر من اليسير إذا انحصر التفكير في الوضع الداخلي، ولكن الأمر يختلف كثيرًا إذا امتد التفكير إلى أفق أوسع … انظر إلى موضوع الرقابة البحرية على السفن، وتصور أننا ألغينا الحكم العرفي قبل أن نتخذ من التدابير ما يضع في يد الدولة السلطة التي تعوضها عن سلطة الحكم العرفي، ثم تصور الرقابة على البريد وعلى الرسائل القادمة والخارجة، ولا تنسَ محكمة الغنائم التي لا ينهض كيانها إلا على الحكم العرفي، فمن الضروري إذن أن تواجه الدولة هذه الحالات كلها قبل إلغاء الأحكام العرفية وإلا تعرضتْ مصالح البلاد لخطر لا شك فيه.»

هذا كلام يُقال عن الأحكام العرفية، فمن الذي يقوله؟ صاحب الدولة إبراهيم عبد الهادي باشا؟ كلا … بل صاحب الدولة حسين سري باشا وليس في وزارته واحد من السعديين، وليس الذي يسأله واحدًا من السعديين، بل واحد من أناس آخرين، يكتب في صحيفة تُسمَّى «الأهرام» ولا تُسمَّى «الأساس».

أيتها المصرية، للمصريين ماذا تقولين؟!

إنها لحيرة! والله ندعك فيها ونسأله تعالى ألا يخرجك منها، ولكننا نترك «المصري» في هذه المرة ونقول للمصريين جميعًا: إن شد الأحزمة أول شيء تفكرون فيه الساعة وبعد الساعة، إذا سارت الأمور كما رتبتها هذه الصحيفة النحاسية، ومن ورائها أولئك النحاسيون الغيورون.

ينال الاحتلال ما يشاء؛ لأن القضية المصرية قد تغيَّرتْ عما كانت عليه منذ سنتين! …

يسقط مشروع الكهرباء؛ لأن عبودًا قد أنشأ مصنعًا للسماد، ولا تزال الدوائر المالية في الخارج تنظر إلى المشروع بعين الحذر والاستياء!

يفعل المحتكرون ما يشاءون؛ لأن «المصري» تحب الحرية وتكره قيود البيع والشراء.

تجوعون أيها المصريون وتشدون الأحزمة على البطون، إذا أفلح هؤلاء المتآمرون «الغيورون»!

ومن حظِّكم أنهم لا يفلحون …

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.