… إتمامًا للفائدة حول موضوع عقوبة الإعدام … أرجو التفضُّل بالإجابة على هذين الاعتراضين: أليست ظروف الجهل الحالك التي تُحيط بالقاتل في بعض الأحيان والتي تجعله لا يُقدِّر المسئولية داعية إلى التخفيف من عقوبة الإعدام؟

وقد يخطئ القضاء بعض الأحيان فيصدر الحكم بالإعدام، فما نفع الحيلة بعد تنفيذ الحكم وظهور القاتل المستحق للعقوبة؟

مصطفى محمود مصطفى، بكفر ربيع

… ولا نحسب أن السيد مصطفى يريد بالجهل جهل الجريمة؛ فإن أحدًا من الناس لا يجهل أن القتل جريمة وأنها تُعرِّض صاحبها للعقاب، إلا أن يكون على حالة من حالات الجنون المُطبِق، ولا خلاف على إعفاء المجنون من العقوبات.

كذلك لا يختلف أحد من أتباع الشرائع جميعًا على حكم الجهل الذي يُعطِّل الشعور بالمسئولية؛ فإنه من أسباب تخفيف العقوبة في كل شريعة يأخُذ بها أبناء الحضارة وأولها الشريعة الإسلامية التي تُفرِّق — فيما دون الجنون — بين حالات كثيرة من موانع التصرف أو موانع المسئولية، وهي العَتَهُ والبلاهة والسَّفَهُ والغفلة، وما يشبهها من موانع الرُّشد أو العقل المشروط لتحقيق جميع المسئوليات.

فلا حاجة إلى الشدة ولا مُوجِب لها مع هؤلاء الجُنَاة بحكم العاطفة الإنسانية أو بحكم الحاسة الأخلاقية؛ لأن المجانين وأشباه المجانين هم أهلٌ للعطف عليهم والأسف لمُصابِهِم، فلا يثيرون العاطفة ولا يشعر المجتمع ولا الموتورُ بالجريمةِ نفسُه أنهم أفلتوا من قصاص مشروع، إذا ظهر للقضاء أنهم غير مسئولين.

أما خطأ القضاء فليس هو بالمستحيل، ولكنه كأخطاء الأطباء وأخطاء الساسة لا يصح أن يكون أساسًا للتشريع، ولا لإقامة قواعد الحق والعدل في الحياة الاجتماعية التي تعمل عملها، ولا يقول أحد إنها معصومة من النقص والقصور وعواقبهما التي لا مناصَ منها. ومنذ القدم كان من حق ولاة الأمر ونُوَّاب الأمم أن يُبرِموا الرأي في أمور القتال، وهي أخطر عاقبة من أحكام القضاء، وليس من المعقول أن يكون ذلك سببًا لإلغاء هذا الحق كلما وجب النظر فيه لحماية أمة أو للدفاع عنها، مهما يكُن من أخطاء المسئولين عنه قبل ألوف السنين إلى هذه الأيام.

وعلينا أن نذكر أن إلغاء عقوبة الإعدام في الجرائم التي يتجرد فيها الجناة من العاطفة الإنسانية، أمرٌ لا يجري على حكم الحاسة الأخلاقية، ولا على حكم المصلحة كيفما كان تقديرُها؛ فإن الإحصاءات التي يتحدَّث عنها أصحاب هذا الرأي، لم تُثبِت لنا أن مجرمًا من هؤلاء استحقَّ أن يبذل المجتمع في حمايته ما يَضِنُّ به على أعضائه الأبرياء المأمونين، ولعلَّه يُكلِّف المجتمع علاجًا وحراسة ومسكنًا ومأكلًا أضعاف ما يتكلَّفه العضو النافع الأمين، في حين أننا نفرِض على هذا العضو النافع الأمين أن يدأب على العمل والجهد ليأخذ نصيبه من مقومات المعيشة، وهو ينظر إلى قاتل أخيه أو ولده مكفول المُؤنة بما اجترأ من عدوان عليه!

إن الغيرة على الحياة مروءة واجبة، ولكننا نشُك في غَيرة تَذكُر القاتل ولا تَذكُر القتيل، ونشك في غَيرة لا تأنَف للحياة أن يستحقها مَن يستحق الموت، كما تستحقه الحشرة السامة والوحش المسعور، وكلاهما أحق بالعذر من إنسان يُزهق رُوح الإنسان وهو وادع النفس راضٍ عن عملِه كأنه يتهيَّأ لمجلس طعام أو شراب.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.