لم أومن قطُّ بهيئة الأمم المتحدة، ولم آخذها قطُّ مأخَذَ الجِدِّ، ولم أُسَمِّها قطُّ بيني وبين نفسي ولا فيما بيني وبين الناس إلَّا هيئة الأمم المختلفة. ولولا أن الناس إنما يكتبون ليفهمهم الناس لما سمَّيْتُ هذه الهيئة باسمها المعروف فيما كتبت عنها من فصول أو فيما عرضت لها فيه من حديث؛ فهي لم تَتَّفِقْ قط على شيء ذي خطر، ولم تتفقْ قطُّ على صغار الأشياء إلَّا وبعضها يعبث ببعض، ويُضْمِر العزم على نقض الاتفاق حين تدعوه منفعته إلى نقض الاتفاق.

ولم أومن قط بمجلس الأمن، ولم أسمِّهِ قط فيما بيني وبين نفسي وفيما بيني وبين الناس إلَّا مجلس الخوف. ولقد كنت — وما زلت — مؤمنًا بأن الاشتراك في هيئة الأمم المتحدة أو المختلفة عبثٌ من العبث، يصِحُّ أن يُقْدِم عليه من استكمل الضروري من وسائل الاستقلال وحقائقه، واستباح لنفسه بعد ذلك أن يلهو مرة في العام بشهود هذه الألاعيب التي تُعرض في أمريكا.

وقد أنكرت — وما زلت أنكر — اشتراك مصر في هذا اللهو قبل أن تفرغ مما تفرِض عليها حياتها من الجِدِّ.

وقلت وقال غيري معي للمغفور له أحمد ماهر باشا ولصاحب الدولة النقراشي باشا: لا ينبغي أن تشترك مصر في هذا الكلام الفارغ إلَّا بعد أن تفرغ مما بينها وبين الإنجليز خاصةً — ومما بينها وبين الغرب عامةً — من المشكلات التي تَتَّصِل بالاستقلال.

وقلت وقال غيري معي: لا ينبغي أن تُضحِّي مصر بمنافعها، ولا أن تبذل مصر أموالها، ولا أن تُضحك مصر الناس منها بإعلان الحرب بعد أن فرغ الناس من الحرب؛ لتشترك في هذا اللعب الذي سيضرها ولا ينفعها، والذي سيسوءُها ولا يسرُّها، والذي لن تجني منه آخر الأمر إلَّا شرًّا.

ولكن حكومة النقراشي باشا لم تسمع لنصح الناصحين؛ فأقبلت وتورَّطَتْ ووَرَّطَتْ مصر معها، وتابعها المصريون جميعًا، أو تابعها أكثر المصريين في هذا التورط؛ فوافق الوفديون أنفسهم في مجلس الشيوخ على الانضمام إلى هذه الهيئة المتحدة أو المختلفة، وعزَّوْا أنفسهم ببعض التحفظات التي عللوا بها رجوعهم عمَّا كانوا أزمعوا من رفض الانضمام حتى تتحقق المطالب المصرية كاملة.

ونظرت ذات يوم، فإذا المصريون جميعًا يؤمنون بهذه الهيئة، منهم من يجدُّ في إيمانه بها، ومنهم من يلعب مع اللاعبين، وإذا أنا منفرد بالشك فيما بيني وبين نفسي وفيما بيني وبين الناس في هذه الهيئة، لا أومن بها ولا أومن لها، ولا أطمئن إليها، ولا أعتمد عليها، ولا أنتظر منها خيرًا.

وكنت أتمنى بين حين وحين أن أكون مخطئًا، وأن تُظهر الحوادث أني قد غلوت في الشك، وأسرفت في سوء الظن، وتجنَّيْت على الأبرياء. ولكن الحوادث أظهرت — مع الأسف الشديد — أني لم أكن غاليًا ولا مسرفًا ولا متجنيًا. فلم تكد هذه الهيئة تجتمع حتى ظهرت بينها أسباب الفرقة ودواعي الاختلاف، ثم ظهرت الفرقة منكرة والاختلاف بشعًا، وأصبحت الهيئة ميدانًا للتنافس، ووسيلة من وسائل الحرب الكلامية أولًا والعملية ثانيًا والدامية بعد وقت يقصر أو يطول.

وظلَّ المصريون على ذلك مؤمنين بها، وبما ألَّفت من فروع ولجان، ثم رفعوا قضيتهم إلى مجلس الأمن، فكان احتكامهم إلى هذا المجلس عبثًا، وكان نظر المجلس في قضيتهم عبثًا، وكان عجز المجلس عن البتِّ في قضيتهم عبثًا.

وتبيَّن المصريون أنهم قد شاركوا في عبثٍ سخيف، تضيع فيه الجهود، وتُفَلُّ فيه العزائم، وتنهار فيه الهمم، وتُبدَّد في السعي إليه الأموال التي كان يمكن أن تُنفق فيما ينفع الناس؛ في إطعام الجائع، وتعليم الجاهل، وتمريض المريض.

وتبيَّن المصريون أن الإنجليز يستطيعون أن يعبثوا بالاشتراك في هذه الهيئات والاحتكام إليها؛ لأنهم يتخذونها وسيلة إلى الإعلان ونشر الدعوة، لا إلى تحقيق الاستقلال ولا إلى حماية المصالح الضرورية. فأمَّا نحن فحاجتنا إلى تحقيق الاستقلال وحماية المصالح الضرورية أشدُّ من حاجتنا إلى اللعب والإعلان.

ثم كانت قضية فلسطين، فتبيَّن العرب كما تبيَّن المصريون أن العنب لا يُجنى من الشوك، وأن العدل لا يُنتظر من الظلم، وأن الحق لا يُلتمس في الباطل، وأن الإنصاف لا يُرجى من الذين أقاموا سياستهم على البطش والعسف وعلى القهر والاستعلاء.

أضاعت مصر جهودها بالاحتكام إلى مجلس الأمن، وأضاع العرب جهودهم بقبول الاحتكام إلى هيئة الأمم المتحدة. وكان الحق على المصريين وشركائهم في البؤس من الأمم العربية أن يجدُّوا قبل أن يلعبوا، وأن يحققوا آمالهم ويكفلوا مصالحهم قبل أن يشاركوا في هيئة الأمم المتحدة. ولكن الغرب خدعهم عن أنفسهم، وفتنهم بألوان الغرور، فانتُخِبت مصر عضوًا في مجلس الأمن، وأُتيحت لها رياسته، وانتُخبت بعدها سوريا في مجلس الأمن وأُتيحت لها رياسته، وخُدع الشرق العربي بهذا الغرور الباطل، وخُيِّل إليه بأن وراء هذه المظاهر الكاذبة حقائق يمكن أن تنفع أو تُفِيد.

ثم تبيَّن لهم أن هذه المظاهر الكاذبة ليس وراءها شيء، والشيء المهم هو أن المصريين قد استيقنوا بأن هذه الهيئة وفروعها ليست إلَّا لونًا من ألوان العبث، تضر أكثر مما تنفع، وتسوء أكثر مما تسرُّ. واستيقن العرب هذا أيضًا، وجعلت الشعوب تطالب حكوماتها بالانصراف عن هذا اللهو، والخروج من هذه الهيئة، والفراغ لنفسها، والإقبال العملي على أمرها؛ تصلح منه ما فسد، وتستدرك منه ما فات.

ولكن الحكومات ما زالت تضع أصابعها في آذانها، وتستمسك بالبقاء في هذا العبث الذي ضرَّها ولم ينفعها، وأفسد عليها أمرها كله إفسادًا. وما من شك في أن من الخير كل الخير أن يُدعى المصريون إلى الجهاد ليفرغوا مما بينهم وبين الإنجليز، وأن يُدعى العرب كلهم إلى الجهاد ليفرغوا ما بينهم وبين الغرب في أمر فلسطين. ولكن الجهاد فرضٌ على الحكومات؛ لأنها أُنشئت لتنهض بأعبائه وتقتحم غمراته، وأول هذا الجهاد أن تستقبل الحكومات من أمرها ما استدبرت، وأن تكفَّ عن كل تعاون مع هذه الهيئة التي تفرض عليها الظلم فرضًا.

وليس يكفي أن يُقال إن الحكومات قد أعلنت أنها لن تنفِّذ قرار الهيئة بشأن فلسطين، وأنها ستقاوم تنفيذه. فأول هذه المقاومة أن نُخاصم الذين فرضوه، ونأبى أن نعينهم على إصدار غيره من القرارات، أو على تنفيذ غيره من القرارات.

كلمة صريحة يجب أن تقولها الشعوب العربية لحكوماتها، وهي أن هذه الحكومات هي المسئولة قبل كل شيء عن الجهاد بالفعل وبالقول، وأن أول الجهاد هو ترك هيئة الأمم المتحدة في غير تردد ولا إبطاء؛ فإن لم تفعل فهي عابثة فيما تقول، عابثة فيما تعمل، راضية بأن تظل البلاد العربية أعضاءً في هيئة الأمم المتحدة لا لشيء إلَّا للاستمتاع بهذه المظاهر الكاذبة من جهة، وخدمة الأقوياء المتسلِّطين من جهة أخرى.

إن في قلوب الشعوب العربية شيئًا من الإيمان بجامعة الأمم العربية، فإذا أرادت هذه الجامعة أن تستبقي هذا الإيمان وتزيده قوةً وتمكينًا؛ فلتقرر الخروج من هيئة الأمم المتحدة، ولتعلنه من فورها إلى هذه الهيئة؛ فإن فعلت جاز لها أن تطلب من الشعوب الجهاد بالأنفس والأموال، وإن لم تفعل فليس لها أن تطلب إلى الشعوب شيئًا، فالشعوب أكرم على نفسها من أن تكون أداة للعب اللاعبين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.