اشتداد الثورة

عاشت القاهرة والإسكندرية، بل البلاد كلها من يوم ٢٦ مايو ١٨٨٢ — أي يوم استعفاء وزارة محمود سامي — إلى يوم ٣٠ مايو، عيشة القلق الجزع الخائف، بل عيشة مَن ينام ليله ولا يعرف ما سيكون نهاره.

فقد عرفنا ما كان من أمر الخديوي مع الضباط والوطنيين بعد استعفاء الوزارة، وعرفنا ما كان من أمر الأعيان والضباط، وعرفنا أن قنصل إنكلترا في الإسكندرية كوكسون فاوَضَ الأميرال سيمور بأمر الأجانب والرعايا الإنكليز، فأجاب السير بوشان أن عدد الجنود في الأسطول لا يسمح بإنزال قوة إلى البر لحماية رعاياهم والأجانب، فاتفقوا على إنزال النساء والأطفال والشيوخ إلى الأسطول.

وعرفنا ما كان من اجتماع الأعيان والضباط في منزل سلطان باشا في ٢٦ و٢٧ مايو.

ولما انبثق فجر ٢٨ مايو لم تكن الحالة أحسن منها في يوم ٢٧، فإن رجال البوليس والجندية ورسل العصبة العسكرية كانوا يقصدون إلى الناس المعتدلين في منازلهم، ويوجِّهون إليهم قارص اللوم والتوبيخ؛ لأنهم لا يؤيدون «رئيس الوطن»؛ أي عرابي.

أما الخديوي فإنه بات في ارتباك شديد؛ لأن شريف باشا الذي عهد إليه الخديوي بتأليف الوزارة في يوم ٢٦ وطلب مهملةً للتفكير، أبلغه في مساء ٢٧ أنه لا يستطيع تأليف الوزارة؛ فشعر الخديوي بعد هذا الرد الذي ردَّه شريف باشا أن الأرض تمور به، فاستدعى إليه قنصلَيْ إنكلترا وفرنسا للتشاور معهما، وكان يريد منهما أن ينصحاه بالتساهل والتسليم للثوار، ولكن القنصلين لم يرضيَا ذلك.

بل اقترح مالت على الخديوي أن يعلن إحالة المسألة إلى السلطان، وأنه لا مندوحة له على انتظار رده؛ لأن السير مالت كان يأمل مساعدة السلطان بعد التلغراف الذي تلقَّاه توفيق باشا من الباب العالي في ٢٧ مايو يهنِّئه فيه بانسحاب وزارة محمود سامي، كما كانوا يعتقدون أن الباب العالي يبذل الجهد لتحاشي تفاقُم الثورة مخافةَ تدخُّل الدول الأوروبية.

عمل توفيق باشا بمشورة مالت، ورفع الأمر إلى جلالة السلطان، فردَّ عليه الصدر الأعظم بأنه إذا كان في حاجة إلى مندوبٍ سامٍ يوفده إليه جلالةُ السلطان، فعليه أن يطلب ذلك رسميًّا.

وفي ٢٨ استشار توفيق باشا قنصلَيْ فرنسا وإنكلترا في ذلك، فكانَا على خلاف. ولما وصل القنصلان إلى سراي الخديوي وجدَا هناك سلطان باشا ولفيفًا من العلماء؛ فقال لهما الفريقان إن حياة الخديوي في خطر، فقال السير مالت إذا كان الأمر على هذا النحو من الخطورة فإنه لا يستطيع أن يشور بعدم التوصل بالطريقة الوحيدة التي يمكن أن تدرأ الخطر؛ أيْ طلب مندوب سلطاني.

أما قنصل فرنسا، فإنه لم يوافق على ذلك، وادَّعى أنه لم يتلقَّ تعليمات من حكومته.

أما القناصل الآخرون، فإنهم أشاروا على عرابي بألا يقوم بالمظاهرة العسكرية التي كان ينوي القيام بها، وأنهم يعتبرونه شخصيًّا مسئولًا عن الأمن العام، فحاوَلَ أن يحملهم على التوسُّط لدى الخديوي ليُرجِعه إلى نظارة الجهادية، ولكنهم أظهروا له أن الأمر لا يعنيهم، وقبل انصرافهم أكَّدَ لهم عرابي أن الجيش يدافع عن أمن الأجانب وراحتهم.

جمع الضباطُ الأعيانَ والعلماء في دار سلطان باشا بعد ظهر ٢٨، ولم يظهر عليهم سلطان باشا لأنه كان مريضًا، فلقَّنَ الضباطُ أولئك الأعيانَ والعلماء مطالبَهم ووجَّهوهم إلى السراي الخديوية.

فما حلَّتِ الساعة الثالثة حتى غصَّتِ السراي الخديوية بالعلماء، ومنهم بطريرك الأقباط والحاخام الأكبر والشيوخ وكبار التجار، وكلهم يلتمس من الخديوي إعادةَ عرابي إلى نظارة الجهادية، وكلهم يتوقَّع الموت بأيدي الضباط إذا لم ينالوا مطلبهم. وكان ذلك كافيًا لحمل توفيق باشا على إعادة عرابي للنظارة، فأمر بأن تُعَدَّ صورة الأمر العالي ليوقِّعَه. وبينما كان كُتَّاب الديوان يُعدون الأمرَ العالي، دخل قومندان الحرس فأنبأ بأن الجيش محاصِر للسراي، وأن الجنود تلقَّوا التعليمات بمنع الخديوي من الخروج وإنْ تطلَّبَ ذلك استعمالَ القوة، وهم يطلبون حلَّ خيول العربية المعدَّة لخروج الخديوي للنزهة اليومية.

***

وهنا نرجع في سرد الحوادث إلى شهادة الشهود أمام المجلس العسكري الذي حاكَمَ عرابي ورفاقه، وأخصُّ هؤلاء الشهود: سلطان باشا، والسيد عبد الباقي البكري، والسيد عبد الخالق السادات، وسليم عمر، ومحمد السيوفي، وقاضي مصر، ومصطفى بك الهجين، وسعيد بك الشماخي، كما نرجع إلى تقرير حكمدار بوليس القاهرة إبراهيم فوزي؛ فقد أجمعوا على أنه لما وقَّعَ الخديوي الأمرَ العالي بإعادة عرابي إلى نظارة الجهادية، حمل الأعيان صورته إلى عرابي، فوجدوا هناك حشدًا كبيرًا من الطَّلَبَة والعامَّة ومَن هبَّ ودبَّ، فعَلَا الصياح واشتدَّ الهرج والمرج إلى أن وقف عرابي خاطبًا للناس طالبًا منهم توقيعَ عريضة بعزل توفيق باشا، مهدِّدًا كلَّ مَن يرفض توقيعَ هذه العريضة بحدِّ سيفه.

وفي هذه اللحظة وصل حكمدار القاهرة وهو يسوق أمامه طوائف التجار، فغنم الكثيرون من الحاضرين الفرصة، وتسلَّلوا إلى منازلهم حتى لا يوقِّعوا العريضةَ، ولكن ذلك لم يُجدِهم نفعًا؛ لأنهم أتَوْا بهم في اليوم التالي فوقَّعوا، ولم يتخلَّص من التوقيع على تلك العريضة سوى العدد القليل، إما بالحيلة وإما بما أظهروه من الشجاعة واستقلال الرأي، ولكن الإسكندرية والقاهرة نامَتَا مرتاحتين في تلك الليلة.

***

أُعِيد ناظر الجهادية إلى الحكم، ولكن النظارات الأخرى ظلَّتْ خالية، وظلَّ وكلاء النظارات يديرونها، فالوزارة إذن لم تُؤلَّف، والثوار لم يصلوا إلى بُغيتهم.

أما المحرِّضون فإنهم كانوا يعتقدون بأن أعناقهم لا تسلم من حبل المشنقة إلا إذا زال الخديوي، أَضِفْ إلى هذا أن محمود سامي وزملاءه ما كانوا يسلِّمون بأن يكون تنحيهم عن الحكم وقتًا ما يعني تنحيهم عنه إلى الأبد؛ لذلك كانوا يسعرون النارَ ويزيدونها اتقادًا إلى أن أخذوا يوقِّعون في الأقاليم العرائضَ بعزل توفيق باشا، وقد قُدِّمت عريضتان من هذه العرائض بنصها وبإمضائها إلى المجلس العسكري إبَّان محاكمة عرابي، إحداهما من أهالي الشرقية، والأخرى من أهالي الإسكندرية.

ويُؤخَذ من شهادات الشهود أنهم كانوا يقولون للأهالي السُّذَّج إن القصد من العرائض تخفيضُ الضرائب، وكان أتباع حليم باشا المُطالب بالأريكة يتولَّون توقيعَ هذه العرائض بالمدن.

واستخدموا أيضًا الدِّين في ذلك، فاستكتبوا ثمانية من العلماء فتوى بوجوب عزل الخديوي وإحلال آخَر محله، وقد شهد الشيخ البكري أن شيخَ الإسلام رفض توقيع هذه الفتوى خلافًا للمفتي الذي وقَّعَها.

ورأى الثوار أن يستثيروا حماسةَ المتردِّدين من الأعيان والعلماء، فأخذوا بعقد اجتماعات تُلقَى فيها الخطب الحماسية.

وكان عرابي الخطيب المفوَّه، فكان يخطب الجمهور بما يتفق مع عقلية الجمهور، وكان يَعِدُ بإنقاص الضرائب وإعادة المقابلة التي ألغَتْها لجنةُ التصفية … إلخ إلخ.

وكان عرابي يباهي باتحاد الأمة، فلما ظهرت الصحف الأوروبية وفيها أن الأعيان لم يكونوا على رأي الضباط في اجتماع ٢٨ مايو، أرسَلَ عرابي كتابًا إلى وكيل الداخلية يكذِّب فيه هذا القول، وكلَّفوا شركة روتر نشرَ هذا الكتاب، ونشرت الوقائع المصرية في أول يوليو احتجاجَ بعض الأعيان على رواية تلك الصحف.

أما الأجانب فإن ذعرهم اشتدَّ، فأخذوا يبحرون من البلاد حتى عجزت البواخر عن وسع المسافرين، ونقلت البنوك خزاناتها وسجلاتها إلى أماكن أمينة.

وفي ٣٠ مايو اجتمع التجار الإنكليز بالإسكندرية، وطلبوا من قنصلهم رفع عريضة إلى اللورد غرنفل يقولون فيها إن مدينة الإسكندرية ظلت ٢٤ ساعة عرضةً للنهب، فإذا كان الأسطول الذي لا يحمل سوى ٣٠٠ جندي للنزول إلى البر يُقدِم على ضرب القلاع، فإن المسيحيين يكونون في أشد الأخطار، وكل يوم يمر يزيد في خلل نظام الجيش، فلا مندوحة عن الإسراع باتخاذ وسائل الدفاع.

واهتمَّ القناصل للحالة واقترح قنصل اليونان أن ينظموا الدفاعَ بقيادة ضباط من الإنكليز.

أما في القاهرة فإن الحالة كانت تزيد اشتدادًا، وجعل الثوار أول يونيو موعدًا لمظاهرة كبيرة، وأمروا الجيش بأن يكون على أهبة الاستعداد في الساعة الثالثة بعد ظهر ذلك اليوم.

وجزع الخديوي، فجمع القناصل وأبلغهم أن القصد هو خلعه وتعيين الأمير حليم، وطلب منهم أن ينالوا من دولهم السعي لدى الباب العالي ليرسل مندوبًا إلى مصر، وانقضى ذلك اليوم بسكون، وأجَّلَ الثوارُ المظاهرة إلى ٣ يونيو.

ثم تلقَّى توفيق باشا تلغرافًا من الباب العالي بأن مندوبه سيصل إليه قريبًا، فسكَّنَ هذا الخبرُ الجميعَ لأن كل فريق كان يظن أن السلطان عبد الحميد في جانبه، وارتضت فرنسا وإنكلترا بأن ترسل تركيا دارعة إلى المياه المصرية، وأبلغ سفيرُ ألمانيا السلطانَ عبد الحميد أن فرنسا وإنكلترا تنويان اقتراح عقد مؤتمر للبحث في المشكلة المصرية.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.