يسأل الأديب «على عبد الهادي حسنين» عن الكاتب دوريل صاحب الرباعية الإسكندرية: هل هو من زمرة الكتاب المحدَثين الذين اشتهروا في الأدب الإنجليزي العصري باسم الشبان الغضاب؟ وهل لهذه الزمرة رسالة فكرية أو اجتماعية تستحق من أجلها الاهتمام بترجمتها؟ وما هي هذه الرسالة؟

ولا يُعتبر دوريل من زمرة الشبان الغضاب Ongryyoung Menofenglond الذين أشار إليهم السيد «علي عبد الهادي»؛ لأنه قد جاوز الخمسين وبدأ حياته الأدبية قبل أكثر من عشرين سنة، ولكن روايته الأولى المسماة بالكتاب الأسود تُعْتَبر مقدمة سابقة لأسلوب الجيل الذي نشأ بعده في عالم القصة والمسرحية وأطلقوا عليه اليوم اسم الشبان الغضاب.

ودوريل يَعتبر نفسه تلميذًا للكاتب الأمريكي هنري ميلر، خرِّيج المدرسة القصصية الفرنسية التي تعوَّدت أن تصدر رواياتها من المطابع السرية، وعلى يديه ظهرت رواية الكتاب الأسود قبل نحو عشرين سنة في طبعتها المهربة بباريس، فقد كان هنري ميلر يعيش عيشته البوهيمية بالعاصمة الفرنسية، وفيها طبع روايته الأولى وسماها مدار السرطان، فكتب دوريل روايته على أسلوبها وأرسلها إليه ليطبعها على طريقته (المهربة) أو يلقي بها في نهر السين، ثم ظهرت الرواية بوساطة الكاتب الأمريكي المتفرنس، فكان ظهورها مشجعًا للجيل الناشئ على الاقتداء بهذا الأسلوب أو اتباع الأسلوب في موضوعه ولبابه مع شيء من الاعتدال عند استخدام الألفاظ النابية؛ طمعًا في إجازة النشر والتمثيل بالبلاد الإنجليزية.

وقد كان هنري ميلر يناهز العشرين حين وُلِدَ دوريل (سنة ١٩١٢)؛ فهو من حيث النشأة يشابه الشباب الغضاب بعض المشابهة؛ لأنه نشأ مثلهم نشأة مهملة في غيبة الآباء والأمهات المشغولين بأعمال الميادين والمصانع، فكان لهذا الإهمال أثره الواضح في أخلاق الجيلين، مع الفرق بين ظروف الإهمال حول أيام الحرب العالمية الأولى وظروف الإهمال حول الحرب العالمية الأخيرة.

ولا يخفى أن ظروف الحربين قد أنشأت طائفة من الكتاب «الجديين» الموهوبين يصح أن ينسب إليهم رسالة فكرية، أو أخلاقية، تسترعي النظر، وتستحقُّ العناية، وتُحسب من مدارس التفكير الحديث، وإن اصطبغت بصبغة ذلك الإهمال الذي أشرنا إليه.

ولكنها زمرة أخرى غير الزمرة التي يُطلق عليها اليوم اسم الشبان الغضاب؛ لأنها جادة غير هازلة في ثورتها أو في محافظتها على السواء، وبخلاف ذلك هؤلاء الغضاب الهازلون الماجنون؛ لأن الجانب الوحيد من الجد في دعوتهم أنها ظاهرة مَرَضِيَّة محققة معروفَة العلل والأعراض، وليست لها رسالة «جدية» تصدر عن فكر موهوب أو خلق إنساني فعَّال.

وكل ما في ثورة هؤلاء «الغضاب» من التمرد فهو ضرب من الهوس لا ينسبه أحد إلى فرط الحرية أو فرط الحيوية التي تدفع صاحبها إلى تحطيم التقاليد والعبث بالآداب واحتقار المثل العليا المتفق عليها؛ لأنها أضعف من أن تثبت طويلًا أمام الهجمات المتلاحقة من أولئك الغضاب المتمردين.

فإن ثورة الغضاب المتمردين على «النظافة» الجسدية لا تقل عن ثورتهم على نظافة الخلق وطهارة الضمير، فليس لهم في دعوتهم اندفاع من قبيل اندفاع العقل الجامح وهو يتخطَّى حواجز العرف وقوانين السلوك ووصايا العقائد والأديان، ولكنهم عاجزون عن دفعة الجسد الحي السليم كعجزهم عن دفعة الفكر المتوثب المجترئ على القيود والعقبات.

عداوتهم لنظافة الجسد كعداوتهم لطهارة الأخلاق ونزاهة المثل العليا.

وإنك لتقرأ في السطر الرابع من رواية أستاذهم الأكبر وصفًا للعاشق بلسان معشوقته، فإذا هي تقول عنه: إنه «مقمل»، وإن حكته التي لا تنقطع من سريان القمل بين خبايا جسمه هي التي أَلَّفت بين العاشقين وأحكمت روابط الألفة بين ذينك القلبين، فإذا مضيت تقرأ في الرواية لم تجد بين صفحاتها تكرارًا متناسقًا غير تكرار أسماء النفايات الجسدية بأقذر تعبيراتها التي يعافها أراذل السوقة، فضلًا عن أصحاب الكناية من المهذبين …

وليست رواية دوريل من النماذج المختارة عندهم في الولع بتكرار هذه التعبيرات؛ فإنه يصطنع الكياسة أحيانًا قبل التصريح بما يغني فيه التلميح، ولكنك تستطيع أن تَعُدَّ بين سطور صفحاتها التي تزيد على المائتين ألفَ كلمةٍ من قبيل «قيح الجيفة» و«البلابل الباصقة»، والمرأة التي تقذف بما في جوفها من صديد الشهوة، والأصوات التي تطلقها منافذ الأجساد، والأوضاع التي يوحيها الشذوذ وتجري بين أبطال الرواية وبطلاتها مجرى المألوف والمعهود، لا مجرى المكروه والمنبوذ.

ولا مَحَلَّ هنا للنقد الأدبي ولا للمذاهب الفكرية؛ فإن هذه «الحالة» المتحكمة في طبائع تلك الزمرة هي إحدى الحالات المرضية المقرَّرَة بأسمائها في كل مرجع من مراجع الأمراض العقلية يسجَّل أحوال المصابين بها بين نزلاء السجون والمستشفيات.

فلا خفاء بحالة «الكوبروفيليا» Coprophilia التي تحبب إلى المصابين بها روائح النتن وأقذار النفايات.

ولا خفاء بحالة «الثانتبسيس» Thanatopsis ولا بحالة النكروفيليا Necrophilia، وكلتاهما تغري المريض بالإكثار من أوصاف الجيف والقبريات ومناسبات التلف والموت والعفونة، وتشتد الحالة الثانية منهما حتى تُزيِّن للمصاب بها أن يواقع الرفات الميت بين حنايا القبور.

فهذه نفوس ممسوخة لا محل في «ثوراتها» للتحدث عن جموح العقل أو عن الحرية المفرطة أو عن الجرأة البالغة على نزاهة الضمائر والأخلاق؛ فإنما الثورة هنا ثورة على كل نظافة مستحبَّة، حتى نظافة الماء والصابون التي لم تبطلها قضايا الفلسفة على مذهب الغضاب ولا غير الغضاب، وإنما أبطلها المسخ السقيم والطبع العقيم.

ولو ظهرت هذه الزمرة في عصر غير عصرنا هذا لماتت عند مولدها بين قراء كل أدب وأنصار كل أسلوب، ولكن ظهرت في عصر يختلط فيه المريض التافه الذي يتحدى النظافة والسلامة بالناقم الاجتماعي الذي يتحدى الوجاهة والترف ويحسبهما من «خصائص» الثروة الغاضبة والسلطان العَسُوف. ولولا ذلك لما شاع من كتب هذه الزمرة كتاب واحد بين أناس سلموا من تلك العلل وخلصت عقولهم وضمائرهم من أدران تلك العاهات.

ولقد ذكرنا «الصهيونية» في هذه اليوميات، فلنذكرها إذن بحقوقها كاملة غير منقوصة في هذا الباب؛ فإن البيئة الصهيونية ظاهرة في كل فصل من فصول مدار السرطان لمؤلفها الأستاذ الأكبر — عند هؤلاء الغضاب — وإن البيئة الصهيونية لتظهر كذلك في مساعي الناشرين «المهربين» لرد الاعتبار إلى كل كتاب محظور من قبيل هذه النفايات.

وصفوة القول في صرخات أولئك الأحداث الغضاب أنها هي بعينها صرخات الأطفال الكسالى ساعة الحمام … لولا أن الكسل قد تذهب به علقة تزول، ولكن العلقة التي تشفي من ذلك الغضب «حمام» لم يسعد به أولئك الهاربون أعداء الماء والصابون.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.