الشَّاعِرُ القَرَوِيُّ

مِن تجاربي في المُطالعة أنك لا تَجْمع خمسة كُتب من الأدب الأصيل حيثما اتفق إلا وَجَدْتَ بينها شيئًا من الاتصال في موضوعاتها ولفتات الخواطر عند مؤلفيها.

وتعليل ذلك يَسِيرٌ عند مَنْ يرى أن موضوعات الأدب الأصيل كلها تُسْتَقى من ينبوع واحد، وهو ينبوع السَّلِيقَةِ الإنسانية.

وقد صدقتْ هذه الملاحظةُ في الكتب التي بين يدي، ومنها ديوان الشاعر القروي الأستاذ رشيد الخوري في دار الهجرة بالبرازيل.

فأين من البرازيل القاهرة؟! وأين من عروس القريض عروس القصة؟! وأين أسلوب الحكيم وأسلوب الرشيد؟! وأين قصص حِيكَتْ فِي الشهور الأخيرة من قصائد صِيغَتْ مُنذ سنوات؟!

فوارق شتى …

ولكنك تقرأ في ديوان الشاعر القروي من قصيدة «أين وجدت الله؟»:

هو الحب حتى ليس في الأرض مجرمُ

ولا مدمع يجري عليها ولا دمُ

وحتى كأن القلب في خفقانه

يود به نطقًا كما نطق الفمُ

فقُلْ للذي لم يعرف الحبَّ قلبُه

ولم يُلْفَ إلا شاكيًا يتألمُ

أيا صاحبي إن العداء جهنم

وما فيه من عز لتحلو جهنمُ

ويا صاحبي إن التجهم يقتضي

من الجهد ما لا يقتضيه التبسمُ

ألا كل دِين ما خلا الحب بدعة

ألا كل عِلْمٍ ما عداه توهمُ

ولا عجب أن يشكر اللهَ كافرٌ

فماذا ترى؟ مَنْ يجهل الحبَّ يَعلمُ

وفي الديوان أيضًا حديث يتردد عن الذَّرَّةِ وقذائفها، ومن يُحاكَمون من النازي ومن يحاكمهم، يقول الشاعر في بعضه:

أَمَحاكِم «النازي» وشرُّكِ لو طغى

طوفانُ نُوحٍ فوقه لم يغسلِ

ألقيت عنهم وزرهم وحملته

يوم القيامة فوق وِزْرٍ أثقلِ

لا سلم حتى تستريح الأرضُ من

نَفَرٍ بإرهاق الشعوب موكَّلِ

أعدى على أمل السلام ذريرة

لم تُبْقِ منه ذريرة لمؤملِ

شحذ الذكاء فشقها للفتك من

سوداء قلب الجوهر المتحللِ

ولا نستطيع أن نطيل في الاقتباس من هذا الديوان النفيس؛ فإنه من الدواوين القلائل التي تجد فيها الشِّعر كلما قلبت صفحة من صفحاته، ولكن — على سبيل المثال — خُذْ مِن إحدى صفحاته بغير ترتيب في موالاة الدول الأجنبية:

ربما كان مَن تَوَالَى مِن الإفـ

ـرنج أدهى عليك مِمَّن تحاربْ

لن يعادي من اجلك العلجُ علجًا

والأفاعي بنات عم العقاربْ

وخُذْ من صفحة أخرى في ذكرى المتنبي:

كلا أَحْمَدَيْها جاء فيها بمُعْجِز

فللشرع قرآن وللشعر قرآنُ

وخُذْ من صفحة غيرهما في يوبيل المقتطف:

خمسون عامًا من شباب الفكر قد

طُوِيَتْ لنشر هدى وبذر فضائلِ

عمر الفتى مجموع أعمار الألى

منه استفادوا ناقلًا عن ناقلِ

واللانهاية من ثوانٍ ساوقت

نبضاتها نبضات قلب عاملِ

ومن صفحة أخرى في الجامدين:

أديانهم محصورة في الطقوسِ

نفوسهم يا ذلها من نفوسِ

لهم جسوم ما عليها رءوس

لهم رءوس ليس فيها عقولُ!

ومن شعر العناوين تسمية المتطوعات بالموجات القصيرة، وتسمية الغزل بزوايا الشباب، وتسمية شعر الشباب بالبواكير، وليس منها عنوان لم يَجْمَع تحته آيات بينات على صدق الوعد وصدق الموعود.

الهوى والشباب

والهوى والشباب شعر عربي …

أو هو على الأقل شعر لا يُنْظَم في لُغةٍ أخرى غير العربية، تعترف بالمفرد والجمع ولا تعترف بالمثنى؛ فإن اعتماد الشاعر في القافية على صيغة المثنى لا بد له من لُغة عربية تسعفه إذا أراد أن يقول:

موقفي بين حائطَيْنِ

لا يحيران أخرسَيْنِ

وعلى الخد دمعتَيْنِ

وإذا أراد أن يقول:

يا عاقد الحاجبَيْنِ

إن كنت تقصد قتلي

قتلتنى مرتَيْنِ!

أَصُفْرَةٌ في جبيني

أم رعشة في اليدَيْنِ؟!

وإذا أراد أن يقول:

جُرْتَ في الموت والحياة عليَّا

ومَحَوْتَ الضياء من ناظريَّا

كنتَ أنشودة الخلود على ثغـْ

ـري وهمس السماء في أذنيَّا

وإذا أراد أن يقول:

لم يكن لي غد فأفرغتُ كأسي

ثم حطمتُها على شفتيَّا

أأنا العاشق الوحيد لِتُلْقَى

تبعات الهوى على كتفيَّا؟!

وإذا أراد أن يقول:

الصبا والجمال ملك يدَيْك

أي تاج أعز من تاجَيْك؟!

وإذا أراد أن يقول أكثر ما يقول، وجريًا على هذه السنة وعلى سنة التوافق في الموضوعات بين ينابيع الأدب الأصيل يقول الشاعر عن سيف الدولة والمتنبي:

سَيْفَان في قبضة الشهباء لا ثَلِما

قد شَرَّفا العُرْبَ بل قد شرَّفا الأدبا

ويقول عن التجديد في هذه القصيدة:

قالوا الجديد فقلنا أنت حجته

يا واهبًا كل عصر كل ما خلبا

بعد الجديد الذي يدعونه أدبًا

يموت في يومه هذا إذا وهبا

والديوان الذي نعنيه — كما قد عرف القارئ من اسم الهوى والشباب — هو ديوان «بشارة الخوري» الملقب بالأخطل الصغير، ولا تبخسه حقه صيغة المثنى الكثيرة فيه؛ بل قد تضاعفه وتثنيه، إذا وُزِنت مع ألفاظه ومعانيه.

وقد أنصفه الشاعر المُجِيد «عادل الغضبان»؛ إذ يقول في تقديمه إنه: «عاش حتى اليوم بتلك الروح الرقيقة الحلوة ينبض بها الشعورُ الحي الخافق، فأسالها على أوتار الشعر غناء تنتشي منه القلوب قبل الأسماع، وحمل ذلك الغناء إلى قلوب الناس صورًا من جراحات الهوى وبسماته …»

فالرقة حسنة تسري في أبيات الديوان طوعًا، وقد تسري فيه مقسورة بمشيئة الشاعر، ومِنْ ثَمَّ يعيبها أنها لا تُساغ إلا بغمضة من العين لا غنى عنها لتصديق الخيال المقسور.

وإليك مثلًا قصيدة هند وأمها، وهي أيضًا على قافية المثنى:

أَتَتْ هندُ تشكو إلى أُمِّهَا

فسبحان من جمع التبرتَيْنِ!

فقالتْ لها إن هذا الضحى

أتاني وقَبَّلني قُبلتَيْنِ

وفرَّ فلمَّا رآني الدُّجَى

حباني من شعره خصلتَيْنِ

وما خاف يا أُمِّ بل ضَمَّنِي

وألقى على مبسمي نجمتَيْنِ

فكل خيال سائغ إلا أن نتخيل بنتًا تُعَرِّفُ أُمَّهَا التي ولدتها كيف خُلِقَتْ بمحاسنها وملامحها، ولو كانت البنت هي التي تسأل عن تلك المحاسن والملامح فتخبرها أُمُّهَا بأسرارِ خَلقِها لَصَحَّ الخيالُ هنا واستغنى عن القسر وعن غمضة العين؛ لأنه خيالٌ يُصَدَّقُ والعينان مفتوحتان.

ومن أمثال هذا الخيال الذي يكثر في الديوان، ويود لو تُغْمَض له العينان، هذان البيتان:

رحمةً ربِّ لستُ أسأل عدلًا

رَبِّ خُذْني إن أخطأتْ بخطاها

دَعْ سُليمى تكون حيث تراني

أو فدَعْني أكون حيث أراها

فهنا مكان واحد، وليس هنا مكانان.

ومن أمثاله أن يصبح كلُّ شيء رقة وتقبيلًا حتى الجهاد:

قُمْ نُقَبِّلْ ثغر الجهاد وجِيدَهْ

أشْرَقَ الكونُ يوم جدَّد عِيدَهْ

لا تَقُلْ خانَتِ القوافي فَحَسْبُ الشـِّ

ـعر منها أبياتها المعدودَهْ

يتهادين في غلائل كالورْ

دِ ويهبطن من سماء بَعِيدَهْ

وهذه رقة ولا ريب، ولكنها نَسِيَتْ أن تنعقد على قوامها، ولا بد لكل غضارة من قوام.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.