تصدر في اللغات الأوروبية، في مثل هذا الموعد من كل سنة تقاويم دورية يسمونها باللغات المختلفة Almanac «المناك» ويدل ابتداؤها بالألف واللام على أنها عربية الأصل، وهكذا يقول معجم القرن العشرين الإنجليزي الذي يرجح أنها من كلمة المناخ العربية … فهل هذه النسبة صحيحة؟ وإذا كانت صحيحة فلماذا نستعمل نحن كلمة التقويم ولا نستعمل الكلمة التي أخذها عنا الأوروبيون؟

سيد أحمد سليم، رمل الإسكندرية

إن كلمة «المناخ» عربية بغير خلاف، وأصلها كما هو ظاهر من إناخة الإبل بالمكان. وإلى هذا ترجع على الأرجح تسمية شارع المناخ على مقربة من موقع بركة الأزبكية القديمة، حيث كانت قوافل التجارة تُنيخ جِمالها إلى ما قبل ردم البركة بقليل.

وقد كان العرب يصفون الأرض بأنها طيبة المناخ، ويعنون بذلك أنها أرض صالحة لنزول الإبل بها للمرعى أو للاستراحة في طريق السفر، ومن هنا كان استعمال الكلمة حديثًا بالمعنى الذي يقابل معنى الإقليم أو معنى خصائص التربة الأرضية والجوية ومقدار صلاحها للزرع والسكنى. وقد فضلها العصريون على كلمة الإقليم؛ لأن هذه الكلمة يونانية الأصل بمعنى الصعود، ويريدون به ارتفاع درجات الكرة الأرضية، وتقسيم الأرض كلها إلى مناطق جوية على حسب الارتفاع والانحدار.

والظاهر من هذا أن الغرب استعاروا كلمة الإقليم من اليونانية، ثم فضلوا استعمال كلمة المناخ في تقسيم الأرض إلى خصائصها الجوية والأرضية بغير نظر إلى مسألة الارتفاع والانحدار. وهي في الواقع أصدق في الدلالة على معناها من الكلمة اليونانية؛ لأن الأرض كثيرًا ما تختلف تربة وجوًّا وصلاحًا للسكن والزرع وهي على درجة واحدة من درجات الطول والعرض، أو على طبقة واحدة في العلو والهبوط، قبل أن تحسب طبقاتها بتلك الدرجات.

ولكن العرب لم يستخدموا الكلمة قط بمعنى التقويم، فلا نظن أن الأوروبيين نقلوا الكلمة وخلقوا لها معنًى لم يقصده أصحابها الذين نقلوها عنهم لأوَّل مرة. ولهذا نرجح رأي الدكتور فانديك الذي يعتقد أن «المناك» مأخوذ من اسم كتاب «المنهاج» في التقاويم، كما روى عنه الأمير شكيب أرسلان. ورأي الدكتور فانديك الكبير في هذه المسألة ثقة يؤخذ به؛ لأنه كان على علم بتاريخ الفلك عند العرب وعلى علم بمراجع الكتب الأوروبية من مصادرها العربية.

وقد كانت للأوروبيين تقاويم شهرية وسنوية قبل اتصالهم بالعرب في المشرق والمغرب، وكانوا يطلقون على التقويم اسم اليوم الأول من كل شهر وهو «كالند» Calends باللغة اللاتينية؛ لأن السلطات الحكومية والدينية كانت تجمع أصحاب الشأن بين جمهرة الناس في أول كل شهر؛ لتبلغهم أوقات العمل في الدواوين والمعابد، مع أوقات المواسم والأعياد والصلوات الجامعة، والجلسات القضائية وغيرها من الجلسات التي يلتقي فيها الناس لمصالحهم العامة. ولا تزال كلمة «الكالندر» تطلق إلى اليوم في اللغات الأوروبية على نظم التوقيت التي تحسب بها الأيام والشهور والسنون، كحساب السنة الميلادية وحساب السنة الهجرية وحساب السنة الرومية وغيرها من نظم التوقيت.

وقد احتكرت الدولة عندهم إصدار التقاويم السنوية، للنبوءة عن الطوالع والطوارئ وإعلان المواعيد الرسمية والمواسم الدورية. فكان الملوك والأمراء يعينون المنجمين الذين يباح لهم إصدار التقاويم ويسمونهم أحيانًا بمنجمي البلاط. وصدر الكثير من هذه التقاويم قبل اختراع الطبع بالحروف، فكان السماح لأصحابها بعرضها للنسخ والنشر مرهونًا بترخيص البلاط وشهادة العلماء الفلكيين الذين يرجع إليهم في تحقيق كفاية المنجم لوظيفته الرسمية أو لكسب الثقة من جمهور طلاب الطوالع والنبوءات.

ولما بطل هذا الاحتكار الملكي وأبيح إصدار التقاويم لمن يشاء بعد انتشار الطباعة؛ راجت هذه الصناعة وراج معها الدجل والعبث بالمصالح العامة التي ترتبط بنبوءات الأسعار والأمطار وأوقات الملاحة ومحاصيل الغلال. ولم تتيسر محاربة هذه التقاويم بنصوص القانون؛ لأن الحكومات — قبل غيرها — كانت تصدق بعلوم التنجيم ولا ترى سبيلًا إلى مصادرتها لاعتبارها ضربًا من ضروب الاحتيال التي يحرمها القانون. ولكن أقلام الكتاب المتحررين من هذه الخرافة صنعت كرامتها التي عجز عنها سلطان الشريعة، ولا سيما كتَّاب الفكاهة الذين تعقبوها بالسخرية والتفنيد وأبدعوا في الاحتيال عليها بما يبطل سلاحها … ولا يفل الحديد إلا الحديد!

ومن ذاك أن الأديب الساخر جوناثان سويفت صاحب «رحلات جِلفر» المشهورة أصدر هو نفسه في إحدى السنين تقويمًا تناول فيه طالع المنجم «باترج» أشهر أصحاب التقاويم في زمانه، فأعلن أنه سيقضي نحبه عند تمام الساعة الحادية عشرة من اليوم التاسع والعشرين من شهر مارس سنة ١٧٠٨ …

وجُنَّ جنون الرجل، وتوهم أن في الأمر مكيدةً يدبرها له نظراؤه وحساده، فلم يزل في حذر حتى مضت الساعة المقدورة لوفاته؛ فانطلق بالتكذيب انطلاق الظفر والسلامة، وكال التهم كيلًّا لإسحاق بكرستاف الذي نُشر باسمه تقويم سويفت، وراح في مجالسه وندواته يهدده بالمقاضاة والانتقام.

ولكن الكاتب الساخر كان كُفُؤًا لغريمه في ميدان السخرية والعبث، فعاد يؤكد أن الرجل قد مات فعلًا، وأنه لا يحق له أن يعيش على الرغم من طوالع وفاته! ويستشهد على موته بأن الذين قرءوا تكذيباته قالوا جميعًا: إنه لا يهذي هذا الهذيان أحد في العالم! فكيف يكون حيًّا وهو في غير هذا العالم بإجماع الناس؟!

وقد غطى اسم هذا المنجم الوهمي بكرستاف على اسم «بارترج» وأسماء زملائه المنجمين الحقيقيين في عصره، فماتوا بشهرتهم ومكانتهم أو كأنهم ماتوا حقًّا كما أنبأ عنهم «سويفت» في تقويمه. وقد كانت لهذا الكاتب الظريف — وهو من أئمة رجال الدين الموقرين — منزلة رفيعة بين قرائه وكلمة مصدقة، أو محترمة على الرغم من اشتهاره بالمزاح بين خاصتهم والمقربين إليه من عليتهم؛ لأن الفكاهة الأيرلندية خصلة مشهورة بين رعاياه الدينيين، حيث ولد ونشأ ومات، وإن لم يكن من سلالتهم. فبلغ من تعويله على الثقة بكلامه أنه سمع ضجيجًا بالليل على مقربة من داره، وقيل له: إنهم خليط من الدهماء يرقبون ساعة الخسوف في تلك الليلة، فخرج إلى نافذة الدار وصاح بهم: إن الخسوف قد تأجل إلى ليلة أخرى … فتفرقوا منصرفين! وبفضل مكانته وذيوع أخباره بلغ من ألفة الناس لاسم بكرستاف أن كاتبًا مشهورًا لا يقل عن سويفت، له مكانة في عالم الأدب هو السير ريتشارد ستيل اختار لنفسه اسم بكرستاف عند إنشاء صحيفة العصر الأدبية اﻟ «تاتلر» التي خلفتها صحيفة سبكتاتور بمعاونة صديقه إديسون، وكلاهما من أعلام الكتابة الفكاهية في اللغة الإنجليزية ورواد الفكر الحر في الاجتماع والسياسة. ولا تزال صحف حزب الأحرار تسمى باسم صحيفتيهما «السبكتاتور» والجارديان إلى الآن. وقد كان غلو ستيل في السخرية بالتقاليد والأساطير الموروثة في المجتمع البريطاني سببًا لطرده من مجلس النواب بعد انتخابه له بزمن وجيز.

إلا أن الحملات الساخرة على الأساطير لم تحرم «علم التنجيم» أنصاره أجمعين، ولم تبرح له — حتى اليوم— شيعته التي تهوى السؤال عن الطوالع في مطالع الأعوام إيمانًا بصدقها أو ولعها بعلامات التفاؤل والتشاؤم ولو على غير اعتقاد، ولهؤلاء تصدر التقاويم الخاصة التي لا تتحدث إليهم عن شيء غير نبوءات التنجيم، وقد شاعت تسمية هذه التقاويم وغيرها من التقاويم الجدية باسم «المناك» وكاد أن ينسى اليوم اسم «الكالندر» اللاتيني القديم، فلا يطلقه أكثر الكتَّاب والمتحدثين على غير حساب السنين.

ومما يرجح أصل الكلمة العربي — غير ابتدائها بالألف واللام — أنها لم تعرف في الغرب قبل اتصال الأوروبيين بالأندلسيين، وأن أوَّل منهاج عرف بهذا الاسم في القرن الحادي عشر كان من عمل يهودي ينتمي — على ما يُظن — إلى المهاجرين الإسبان. ولكن تحريف كلمة «المناك» عن المنهاج أقرب إلى معناها وسبب استخدامها من تحريفها عن معنى المناخ. ولا موجب في هذا العصر لتبديل المناخ بالتقويم؛ لأنها لم تكسب هذا المعنى باصطلاح قديم أو اصطلاح حديث. وقد تردد العرف الشائع بين كلمة «النتيجة» وكلمة التقويم للدلالة على التصانيف السنوية المعروفة زمنًا غير قليل، إلى أن غلب اصطلاح التقويم على اصطلاح النتيجة في السنوات الأخيرة. ولعلها في أصلها منقولة من «الجندرة» بمعنى التسوية والصقل والترتيب والتقويم، وقد أخذت «الجندرة» من «الكندر» أو الأسطوانة التي تستخدم لصقل الملابس وتقويم ثناياها وتنظيم طيها وترتيبها في النهاية. واستخدام «الكلندر» المكتوبة في صحيفتها المطوية أوَّل كل شهر للدلالة على تنظيمات الشهر، ثم تنظيمات السنة للمشابهة في الوقت والشكل وارتباطها بفواتح الشهور ومواعيد المواسم والأيام، ولولا هذه المشابهة لكان وجه الاستعارة اللفظية أو المعنوية بعيدًا في إطلاق كلمة من مادة «قام» على دفتر يحتوي بيان المواعيد وحساب الفلك والنجوم.

وإذا كان الغرض بالرجوع إلى كلمة «المناخ» هو اجتناب الترجمة والاقتباس، فكلمة «المنهاج» أوْلى وأوْفى بتحقيق هذا الغرض؛ لأن ابتداء اللغة العربية باستخدامها لمعناها في كتب التقويم أمر لا شك فيه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.