إذا طغى وزير المعارف على الجامعة جاز لفريق من النوَّاب أن يطغوا على التعليم الأولي، وإذا أذلَّ وزير المعارف رجال الجامعة جاز لفريق من النوَّاب أن يذلوا رجال هذا التعليم. فالله قد فاوت بين الناس وفضَّلَ بعضهم على بعض، ورفع بعضهم فوق بعض درجات: للوزير التعليم العالي وأهله، وللشيوخ التعليم الثانوي وأهله، وللنواب ما دون ذلك. وإن شئت فاعكس هذا النظام واقلب هذا الترتيب واجعل أعلى التعليم أسفله ودعه للنواب، واجعل أسفل التعليم أعلاه ودعه للوزير. فقد اختلط في هذه الأيام كل شيء، واضطرب في هذه الأيام كل شيء، وكاد يُمحى الفرق بين العلم والجهل، وكاد يزول التفاوت بين درجات التعليم وفروعه، وأصبح الذين لا يحسنون التعليم ولا يذوقونه يقضون في التعليم ويقولون في أمره ما يُفهَم وما لا يُفهَم.

ولِمَ لا؟! وأي دليل على الرقي خير من أن تضطرب الأشياء وتختلط الأمور، ويتقدم المتأخر ويتأخر المتقدم، ويقول الجاهلون في العلم ويسكت العلماء على الجهل، ويُسمَّى الضعف قوة وتُعَدُّ القوة ضعفًا، وتصبح العزة ذلة والذلة عزة، ويرضى الناس بهذا كله، ويستزيد الناس من هذا كله، ويستقر النظام على هذا كله، ويُذاع في أرجاء الأرض وأقطار الدنيا أن مصر قد بلغت من الرقي ما لم يبلغه بلد، وظفرت من الحرية بما لم يظفر به إقليم؟!

والواقع الذي لا شك فيه أن التعليم على اختلاف فروعه وتفاوت درجاته يلقى في مصر الآن محنة لعلها شر من سائر المحن التي تلقاها المرافق الأخرى في البلاد؛ فالناس يقرءون في كل يوم ما تخضع له الجامعة ورجالها من صنوف التغيير والتبديل وألوان التحويل والتعديل، ومن عَبَثٍ بكرامة المصريين ونزول عند إرادة الأجنبي، وانتهاك لحرمات القانون الذي لم يَمْضِ على صدوره أسابيع.

والناس يقرءون كل يوم أن التعليم الثانوي قد أُخضِع هو أيضًا لمحنة التغيير والتبديل وفتنة التحويل والتعديل، فبرامجه تُدرَّس لتنقص أطرافها من ناحية ولِتُمَد من ناحية أخرى! والله وحده يعلم ماذا تكون العاقبة لهذا الدرس الذي يعكف عليه الآن وزير التقاليد وجماعة من أعوانه.

أمَّا التعليم الأولي فأمره غريب، ظاهره خلابٌ فتانٌ، وباطنه يدعو إلى الحزن والأسى ويثير الرحمة والإشفاق. يُقال إن التعليم الإلزامي سيُفرَض في هذا البلد تنفيذًا لإرادة الأمة التي ظهرت منذ أعوام وأعوام، وتنفيذًا لنص الدستور القديم ونص الدستور الجديد، وتنفيذًا لما أجمعت عليه الأحزاب على اختلافها، وتمت عليه كلمة المثقفين وغير المثقفين جميعًا.

وهذا في ظاهره خيرٌ لا بأس به، ولكن أمره كأمر غيره من المرافق، لا يريد أن يجري على حدود المصلحة الخالصة والمنفعة العامة التي لا ينبغي أن تشوبها شائبة أو يعبث بها غرض سياسي حزبي، فالذين يقرءون ما أُلقِيَ من الخطب في مجلس النوَّاب لا يملكون أنفسهم من أن يقطعوا بأن في الأمر شيئًا يُريد أن يُخفى ولكنه ظاهرٌ جليٌّ.

ما هذه الحرب المنكرة التي أثارها بعض النوَّاب على رجال التعليم الأولي في غير أناة ولا تفكير، وفي غير قصد ولا ميل إلى الاعتدال، وفي غير حب للصدق ورغبة في الإنصاف؟! ما هذه الحرب التي أثارها بعض النوَّاب على هؤلاء المعلمين وسكت عنها وزير المعارف، فلم يخفف من حدتها ولم يُهوِّن من شدتها، ولم يحاول أن يرد الذين أثاروها إلى شيءٍ من القصد والصواب؟! ماذا قدَّمَ رجال هذا التعليم الأولي من السيئات إلى هؤلاء النوَّاب ليشبُّوا عليهم هذه الحرب، وإلى وزير المعارف ليدعهم طعامًا لهذه النار؟! أليس غريبًا أن يكون أول واجبات الوزراء أن يجمعوا موظفيهم ويذودوا عنهم، ويشتدوا في ذلك ما وسعتهم القوة على الدفاع والذود؟! فما بال وزير المعارف لا يحمي هؤلاء الموظفين ولا يرد عنهم هؤلاء النوَّاب الذين ينالونهم بالشر، ويقولون فيهم غير الحق، ويخوضون في أمرهم بأشياء إن صحَّتْ لم يقع إثمها على هؤلاء الناس وحدهم، بل وقع على الوزارة التي تبقيهم في أعمالهم، وتكل إليهم أمر الأطفال يثقفونهم ويكوِّنون نفوسهم الناشئة؟!

يصف بعض النوَّاب هؤلاء المعلمين بأنهم معربدون وبأنهم عاطلون وبأنهم متشردون وبأنهم غير نافعين، وبأنهم يصطنعون الزي الحديث ليعكفوا على اللهو ويتهالكوا على أنواع الفساد. فإحدى اثنتين: إمَّا أن يكون هذا النائب قد قال الحق، وإذن فما سكوت الوزارة عن هؤلاء الناس؟! وما تكليفهم تعليم الأطفال وتكوين عقولهم وتنشئة نفوسهم؟! أتريد الوزارة أن يُنشَّأ أطفال هذا الجيل الحاضر كله على العربدة والفساد، وعلى حب اللهو والتهالك على الإثم؟! وإمَّا أن يكون هذا النائب قد قال غير الحق، وهو الذي نؤمن به ونطمئن إليه، فليس هؤلاء الناس بدعًا من المصريين، وإنما هم كغيرهم من مواطنيهم فيهم الشذوذ وأكثرهم مستقيمون. وإذن؛ فما سكون الوزارة على تجريحهم والتشهير بهم إلى هذا الحدِّ الذي يزري بكرامة الوزارة وبكرامة مصر كلها.

وهَبِ الأجانب قرءوا خطبة هذا النائب، وعرفوا صمت الوزير عنها وقبوله لها، فهم مضطرون إلى أن يصدِّقوا هذا النائب، وهم مضطرون إلى أن يؤمنوا بأن مصر تكل أبناءها إلى جيش من المفسدين العاطلين المتشردين. أفيرضى وزير المعارف أن تشيع عن مصر هذه السبة، وأن تُوصَم مصر بهذه الوصمة، وأن يعتقد الأجانب أن مصر تهيِّئ للغد جيشًا قوامه الفساد والبطالة والإعراض عن كل خير والتهالك على كل إثم؟!

نعلم أن للوزارة وأنصارها أغراضًا سياسية يريدون أن يحققوها من وراء هذا التعليم الأولي، ولكنا نعلم أيضًا أنهم كانوا يستطيعون تحقيق هذه الأغراض دون أن يعتدوا على كرامات الناس، ودون أن ينالوهم بالأذى، ودون أن يصفوهم بهذه الصفات المنكرة، ودون أن يسيئوا إلى سمعة مصر، ويذيعوا عنها السوء.

هم يريدون أن يبسطوا سلطان الأزهر، وأن يبقوا أبناء الأزهر في أقطار مصر، ويكلوا إليهم أمر هذا التعليم الأولي دون غيرهم من الناس، فليجدُّوا في ذلك إن استطاعوا، ولكن في هدوء واعتدال، وفي غير اعتداء على كرامات الناس وانتهاك لحرماتهم. فإذا سألت فِيمَ يؤثر وزير التقاليد وأصحابه من النوَّاب أبناء الأزهر على غيرهم من المصريين للنهوض بالتعليم الأولي؟ فالجواب يسير، وهو أنهم يعتقدون أنهم سيجدون من الأزهريين دعاة لسياسة خاصة يحبونها ويحرصون عليها، ولكنهم يخطئون في هذه كما يخطئون في غيرها من الأشياء؛ فشباب الأزهر مصريون كغيرهم من المصريين، يحبون بلادهم ويحبون لها الحرية الصحيحة والديمقراطية الصادقة، ولن يكونوا كشيوخ الأزهر أعوانًا لكل سياسة وأتباعًا لكل حزب؛ فقد أفلت الشباب المصري كله من هذا الضعف، وخلص الشباب المصري كله من هذا النقص.

ظريفٌ جدًّا حرص النوَّاب على أن يكون رجال التعليم الأولي من الأزهريين الذين بلغوا سنًّا معينة واتخذوا زيًّا خاصًّا. وظريفٌ جدًّا حرص هؤلاء النوَّاب على أن تُفرَض العمامة على المعلم الأولي، وعلى أن يُقصَى عن هذا التعليم من اتخذ الطربوش. وإذا كان نوابنا حراصًا إلى هذا الحد على أزيائنا القومية القديمة، فما لهم لا يفرضونها على أنفسهم؟! وما لهم لا يأخذون بها الوزراء؟! وما لهم لا يأخذون بها الموظفين جميعًا؟!

إذا كان الطربوش إثمًا فيجب أن يزول عن كل الرءوس، وإذا لم يكن إثمًا فيجب أن يُباح لكل الرءوس. فمن المحقق أن الرءوس المصرية لم تتفاوت إلى هذا الحد الذي يفرض على بعضها العمامة وعلى بعضها الطربوش، ومن المحقق أن سيكون من أظرف الأشياء وأطرفها أن يجتمع نوابنا وشيوخنا ووزراؤنا وقد كللت رءوسهم هذه التيجان البيض التي تختصر مجد القدماء. فليتقدم بعض النوَّاب بمشروع قانون يحظر النيابة عن الشعب والقيام بالأعمال العامة على غير المعممين.

أمَّا آراء النوَّاب في أجور المعلمين الأوليين فقيِّمة لا عوج فيها ولا غبار عليها؛ فأجوادهم وأصحاب الكرم بينهم يمنحون المعلم جنيهين، أمَّا المعتدلون المقتصدون فلا يتجاوزون بها جنيهًا ونصف جنيه. وإذن؛ فسينفق الشاب المصري ما ينفق من الجهد ليبلغ منصب المعلم الأولي، فإذا انتهى إليه أنفق فيه ما ينفق من جهد، وبذل فيه ما يُبذَل من قوة، واحتمل فيه ما يُحتمَل من عناء؛ ليتقاضى آخر الشهر جنيهين أو جنيهًا ونصف جنيه.

فأمَّا الخادم فلم يهيئ نفسه ليكون خادمًا، ولكنه يستطيع أن يظفر بهذا الأجر، ولن يتحمل من الجهد بعض ما يتحمله المعلم الأولي، ولكنه يستطيع أن يظفر بأكثر جدًّا من هذا الأجر، ولن يسأل عن مستقبل الشعب، ولا عن تكوين أبنائه، ولا عن تقوية الوحدة القومية فيهم، ولا عن إعدادهم للحياة، ولا عن إصلاح أخلاقهم وتقويمها، ولكنه يستطيع أن يظفر بأكثر جدًّا من هذا الأجر.

هذا التصور وحده للتعليم الأولي خليقٌ أن يبين لك قيمة هذه العناية التي يبذلها النوَّاب بهذا التعليم، فهم لا يقدرونه حق قدره، وهم في حقيقة الأمر لا يحفلون به لنفسه أو لأغراضه الصحيحة، وإنما يريدون أن يُقال إنهم أقروا التعليم الأولي من جهة، ويريدون أن يهيئوا دعاة لسياسة معينة من جهة أخرى.

ولو أنهم قدروا التعليم الأولي حق قدره لعلموا أن الطفل الكريم لا ينشئه إلَّا المعلم الكريم، وأن المعلم الجائع المحروم خليقٌ أن تهون عليه نفسه وعزته، وأن يلتمس ما يُقيم أوَدَهُ ويعصمه من الحرمان حيث وجده مهما تكن السبيل إليه.

ولو أن النوَّاب أرادوا حقًّا أن يُعْنَوا بالتعليم الأولي؛ لكلَّفوا أنفسهم بعض المشقة في العلم بأحوال المعلمين في غير مصر من البلاد الراقية، إذن لعرفوا أن هذه البلاد لا تزدري رجال التعليم الأولي، وإنما تراهم قوام الحياة القومية ودعامة من أقوى دعائمها، وهي لذلك تحوطهم وترعاهم وتكفل لهم حياة صالحة بريئة من كل ما يسوء.

إن المعلم الأولي في بلد كفرنسا يؤجر أجرًا لا يبلغه أوساط الموظفين عندنا، وهو يسكن على حساب القرية أو المدينة أو الدولة، وهو يشترك في الأعمال العامة، كأحسن ما يشترك فيها غيره من مواطنيه.

فإذا لم يكن للمعلم الأولي في مصر أن يطمع في مثل ما وصل إليه زميله الفرنسي؛ لأن عهده بالتعليم الأولي حديث، فلا أقل من أن ترعاه الدولة وتنظر إليه كما تنظر إلى الرجل الذي يستحق أن يُرعَى في حرمته، وتُحفَظ كرامته، وتُيسَّر له أسباب الحياة.

ولكن كيف يظفر المعلم الأولي بهذه الكرامة، ورجال التعليم العالي يلقون ما يلقون ويحتملون ما يحتملون؟!

يجب أن يتعزى رجال التعليم الأولي — ورجال التعليم عامة — فهم كغيرهم من المصريين يُمتحَنون وقد يطول الامتحان، وقد يشق، وقد يكون ثقيلًا على النفس، وقد يكون مؤذيًا للكرامة، ولكنه على كل حال لا بدَّ من أن يزول.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.