يزور الأستاذ «أحمد بهاء الدين» معرض بيكاسو في لندن ويقول مُخلِصًا إنه لا يفهم فن هذا الفنان، أو يقول بكلماته: ولكنني في الواقع لا أحسد نفسي على هذا الحظ الكبير؛ لأن بيكاسو دائمًا يتحداني ويُحيِّرني؛ فأغلب لوحاته لا أفهمها، وعندما أعجب بلوحة معينة له يتصادف عادة أن تكون في رأي الفنانين عملًا تافهًا … ولكنني أقول لنفسي دائمًا: مستحيل أن يكون كل هؤلاء الناس والنقاد الذين يتجشمون كل هذا التعب … حمقى أغبياء وأنت وحدك العاقل الذكي، ولا بد إذن أن فهمي لفن الرسم قاصر … وأخيرًا يقول بيكاسو: عندما أرسم أغمض عيني …!

ومن الإخلاص أن يُعلن الكاتب أنه لا يفهم موضع الجمال في ذلك الفن الذي يحسبونه في عِدَاد الفنون الجميلة، ولكن الكاتب يُسرع إلى اتِّهَام نفسه لغير سبب مُقنِع؛ لأن إجماع المئات أو الألوف من الناس على استحسان شيء لا يفهمونه ليس بالأمر المستحيل كما قال، بل هذا هو الأمر الواقع في كل زمن وفي كل دعوى وفي كل «تظاهر بغير الحقيقة» حيثما تناولت الدعوى مسائل المعروفة والذوق على الخصوص، فما بالك بالدعوى التي لا تتكشف ولا يمكن أن تتكشف بحال من الأحوال!

وكيف ينكشف هَذَيَانُ الفنانين من أمثال بيكاسو ومن هم أجمل منه بفنه وأسخف منه في دعواه؟!

عشرة مصورين يرسمون لك منظورًا واحدًا يشبعه كل منهم خلطًا وتشويهًا ولا يتلاقى منهم اثنان في شكل أو لون أو رسم أو شبه أو في ضرب من ضروب الخلط والتشويه، ثم لا تستطيع أن تحكم على واحد منهم بالخطأ والعجز في تصويره؛ لأن المرجع الوحيد في صورته إلى دعواه كما يدَّعيها أو إلى ما يسميه بوعيه الباطن ولا تراه أنت ولا سواك!

إن كان بيكاسو يُغمض عينيه حين يرسم فمن حقنا أن نغمض أعيننا ونقذف بهذه اللوحات الخنفشارية كلها إلى البحر ولا يستطيع أحد من مبدعيها أن يقول لنا: ماذا خسرنا ولماذا خسرناه!

إنما يوجد الفن حين يوجد المقياس الذي يُميِّز الجيد منه والرديء ويرجح الصادق منه على الكاذب، ويبين مواضع القدرة فيه ومواضع التقصير.

وأما الفن الذي لا مقياس له فهو الفن الذي يُغمِض الناقد عينيه — أو يفتحهما على الأصح — ويقذف به حيث تقذف النفايات، غير مأسوف منه على غير أثمان الورق والإطارات وأجرة الشيال، وكلها تضحية هينة في سبيل الخلاص من السخف والهراء.

بعد خمسين سنة لن تبقى من هذه الخزعبلات بقية مشهودة، وما يبقى منها بعد ذلك فإنما يبقى دليلًا محزنًا على سوء الحالة التي ابتُلِيَت بها الحضارة الأوروبية بعد محنة الحرب العالمية الأولى، ومحنة الحرب العالمية الثانية، وليس فن بيكاسو بأسوأ ما أصاب هذه الحضارة في الصميم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.