وزير ماليتنا النابغة صبري بك بين اثنين؛ فإما أن يكون ساذجًا طيب القلب، مسرفًا في السذاجة وطيبة القلب، يُصدِّق أن المصريين أمام القانون سواء، ويؤمن بأن المساواة في البلاد الديمقراطية حق شائع بين الناس جميعًا، لا فرق في الاستمتاع به بين الكبير والصغير، وبين الغني والفقير، وبين الممتاز وغير الممتاز. وهو من أجل هذا، يذيع بين المديرين في الأقاليم منشورًا حازمًا، يأخذهم فيه بأن يتقاضوا ضرائب الدولة من الذين أبطئوا في أدائها، أو التووا بها مهما يكونوا.

وكانت الأنباء قد ارتفعت إلى وزيرنا النابغة، بأن مئات الألوف من ضرائب الدولة لا تزال نائمة مستريحة عند جماعة من كبار المُلَّاك وأعضاء الهيئات النيابية، لا يُقْدِمون على تأديتها من تلقاء أنفسهم، ولا يُقْدِم عمال الدولة على أن يتقدموا إليهم في هذا الأداء؛ فلم يُرِدْ وزيرنا النابغة أن تكون إليه أمور الضرائب، وأن يرضى بجمعها من الفقراء وصغار الناس، وتركها تنام وتستريح عند الأغنياء، وكبار الملاك، وهؤلاء الذين ميزتهم ظروف الحياة، فجعلتهم أعضاء في الهيئات النيابية؛ فأذاع منشوره الحازم البديع!

فإذا كان وزير ماليتنا النابغة من السذاجة وطيبة القلب بحيث يصدق هذا كله، ويُقْدِم على ما أقدم عليه مخلصًا فيما أظهر من الحزم والعزم، فإني آسف أشد الأسف إن طلبت إليه اليوم قبل أن يطلب إليه ثلاثة وثلاثون من النواب، بعد يومين أو ثلاثة أيام أن يستقيل؛ فلسنا في زمن ينهض فيه بأعباء الحكم أصحاب السذاجة وطيبة القلب، الذين يصدقون ما يُوضَع في الكتب وتجري به أقلام الناس، حين يتحدثون في الحرية والإخاء والمساواة. وإنما نحن في زمن قد التوت فيه ظروف الحياة التواءً شديدًا، ولم يَبْقَ بد للوزراء من أن يكون لهم حظ موفور من المهارة واللباقة، وحسن الفهم لحقائق الأشياء، والقدرة الكاملة على أن يدوروا مع الأيام، وعلى أن يؤمنوا بالمساواة جهرة، ويكثروا الحديث عنها كلما سنحت الفرصة، وكلما لم تسنح الفرصة. فإذا خلوا إلى أنفسهم وإلى أصدقائهم وإلى أنصارهم لم يترددوا في الإيمان بأن هذا كلام يُقال للناس ويُذاع فيهم، فأما عند التنفيذ، فالأمر مختلف أشد الاختلاف. وعلى غير هذه القاعدة لا يستقيم الأمر للوزراء ولا لكبار الموظفين.

وإمَّا أن يكون وزير ماليتنا ماهرًا قد فاق الناس جميعًا في المهارة، وبارعًا قد بذ الناس جميعًا في البراعة، فهو يرى في العدل والإخاء والمساواة، ما يراه الساسة والأساتذة المحنكون في هذه الأيام، ولكنه على ذلك قد اتخذ ما اتخذ من الإجراء، وأذاع منشوره الذي أذاعه بخطة دبرها في نفسه، وأمر أضمره في سره، وهو فيما نظن إظهار أن المساواة في هذه الأيام، ليست متحققة بين المصريين، وأن الحياة السياسية المصرية في هذه الأيام خليقة أن لا ترضي أحدًا. وأي دليل على ذلك أوضح وأنصع من أن يعيش الناس في ظل الدستور والقانون، ثم تجري الأمور بينهم معكوسة، فيُؤخَذ ضعاف الناس بالعنف والقسوة، على حين يُمهَل الأقوياء إمهالًا، وتُمَد للممتازين أسباب المماطلة والالتواء، فإذا كانت هذه حال الوزير، فإني أطلب إليه، قبل أن يطلب إليه ثلاثة وثلاثون نائبًا بعد يومين أو ثلاثة أيام أن يستقيل، فلا ينبغي أن ينهض بالحكم في هذه الأيام، رجل يأتمر بطبيعة الحياة والظروف السياسية في هذه الأيام، ولا ينبغي أن ينهض بأعباء الوزارة رجل يتخذ من الإجراءات ما يفسد الأمر على الوزارة، ويصرف عنها كبار الملاك وأعضاء الهيئات النيابية.

وزير المالية إذن خليق أن يستقيل في كلتا الحالتين، خليق أن يستقيل إن كان ساذجًا؛ لأن أصحاب السذاجة لا يصلحون للحكم، وخليق أن يستقيل إن كان ماكرًا؛ لأن المكر لا يُباح لرجال الحكم، إلا أن يُصَبَّ على خصوم الوزارة صبًّا، ويُرسَل عليهم إرسالًا، ويُخلَق لهم من المشكلات وصنوف الكيد ما يضطرهم إلى الحرج الذي لا يشبهه حرج.

ومع هذا، فلن يستقيل وزير المالية إلا أن تستقيل الوزارة كلها، ولن يدع وزير المالية منصبه الخطير إلا أن يدع قوم آخرون مناصبهم الخطيرة؛ ذلك أن العهد الذي كان يضيق فيه رئيس الوزراء بالوزير، فيستقيل ليخرجه من وزارته، ثم يجدد تأليف الوزارة، أو الذي كان يضيق رئيس الوزراء فيه بالوزير فيقيله، ويختار له خليفة ووارثًا، هذا العهد قد مضى وانقضى بنزول صدقي باشا عما كان في يده من السلطان، وأصبحنا في عهد لا يسمح لرئيس الوزارة مجالًا بأن يحتمل أثقال الوزارة كما هي، أو أن يدع هذه الأثقال فيريح ويستريح.

وما دام وزير المالية لن يُقدِّم استقالته من تلقاء نفسه، فهو آمن من أن يُكْرَه على الاستقالة إكراهًا من قبل رئيس الوزراء ولا سيما إذا لاحظنا أن رئيس الوزراء قد لا يكون أقل من زميله وزير المالية إيثارًا لتحقيق هذا النوع من المساواة، سذاجة منه أو سياسة.

وليس على وزير المالية بأس من عرض الثقة يوم الاثنين؛ فقد أخذت بعض الصحف تذيع أن الكثرة من أعضاء مجلس النواب لا تميل إلى خذلان الوزير، ولا إلى تأييد هذه القلة التي تخاصمه، وتريد أن تخلص منه. ولعلك تذكر أن بعض الشعبيين خطبوا في اجتماع لحزب الشعب، فلاموا الوزارة وغلوا في لومها؛ لأنها لا تراعي أنصارها كما ينبغي، ولا تمدهم من المودة والعطف بمثل ما كانوا يظفرون به من قبل؛ فلم يزد رئيس الوزراء على أن أعلن أن الوزارة تحقق المصالح العامة، في غير تحيز ولا محاباة أو كما قال.

ومعنى هذا كله أن طوارئ قد طرأت، تجعل من العسير على الوزارة أن تمنح الأنصار والأولياء ما كانوا يُمنَحون من قبل، فليست هي قادرة منذ اليوم على أن ترضيهم، وهي بالطبع عاجزة كل العجز عن أن ترضي خصومها ومعارضيها. أفتظن أن ذلك ينتهي إلى ما يجب أن ينتهي إليه من استقالة الوزارة؛ لأنها عجزت عن إرضاء الأصدقاء والخصوم معًا؟ كلا؛ فغَضَبُ خصوم الوزارة على الوزارة لا يكفي لإسقاطها. وآية ذلك أنه قائم منذ وثب صدقي باشا إلى الحكم، وأنه لم يسقط صدقي باشا، ولا خليفة صدقي باشا، وغَضَب أنصار الوزارة على الوزارة لن يسقطها؛ لأن هؤلاء الأنصار سيغضبون في أنفسهم، وسيُتحدَّث بغضبهم في الأندية والمجالس، ولكنهم لن يغضبوا رسميًّا، ولن يُبدوا صفحتهم للوزارة، ولن يعدلوا عن موقفهم الذي وقفوه منذ أول هذا العهد، وهو موقف الثقة والتأييد؛ ذلك لأن ماش خير من لاش؛ ولأن الحياة السياسية الحاضرة لا تستطيع أن تستمر إلا إذا بقيت كما هي، لا يمسها تغيير ولا تبديل ما. سقوط وزير يستتبع سقوط الوزارة كلها، وسقوط الوزارة كلها يستتبع ارتباكًا قد يغير الأمور كلها تغييرًا خطيرًا، فلتَبْقَ الأمور إذن كما هي، ولتَمْضِ الأمور إذن كما تستطيع حتى تنكشف الظروف عما تريد لمصر وحتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.

وهنا تظهر الصبريات البارعة حقًّا؛ فمنشور وزير المالية تحدٍّ حازم لحياتنا السياسية الحاضرة، هو إنكار لهذه الحياة وخروج عليها من رجل كان ينبغي أن يكون لها عمادًا وقوامًا، وستضطر الحياة الحاضرة إلى أن تحتمل هذا الوزير الذي ينكرها، وتؤيد هذا الرجل الذي يخاصمها، وتستبقي وزير المالية الذي يتحداها، وستطلب القلة من النواب إلى وزير المالية أن يعتذر، فيأبى وزير المالية أن يعتذر، وستطلب القلة نزع الثقة من هذا الوزير، فتأبى الكثرة عليها ما تريد. ويبقى وزير المالية، ويبقى منشوره الذي يطالب بالجد في جباية الضرائب من الذين تأخروا في أدائها، التووا به بين كبار الملاك وأعضاء الهيئات النيابية، ثم سيزعم بعض الناس أن الوزارة قد أخذت تُصْلِح ما فسد وتُقوِّم ما اعوج، وأنها ستستمد من هذا الإصلاح وهذا التقويم قوة تُمكِّنها من البقاء.

أما نحن فلا نشك في أنها لن تستمد من موقف وزير المالية إلا ضعفًا يفسد عليها الأمر إفسادًا؛ ذلك أن مصر في حاجة إلى الإصلاح حقًّا، وأن هذه الوزارة القائمة، وهؤلاء الذين ينصرونها ويؤيدونها، ليسوا رجال الإصلاح المنشود، ولا يقدرون عليه؛ لأنهم لم ينهضوا له، وإنما نهضوا لشيء آخر كانوا غارقين فيه إلى آذانهم. فمن العسير، بل من المستحيل أن ينقلبوا فيصبحوا رجال الإصلاح الذي تريده البلاد.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.