حين أعلنت بريطانيا العظمى تصريح فبراير سنة ١٩٢٢ معترفة فيه باستقلال مصر، ومحتفظة فيه بالمشكلات الأربع التي كان يجب أن تحل بالمفاوضات الحرة؛ أبرق اللورد كرزون، وزير الخارجية البريطانية، إلى رئيس الوزارة المصرية، المغفور له عبد الخالق ثروت باشا، يُهنِّئه بما ظفرت به مصر من الاستقلال التام.

وقد ضحك المصريون يومئذ من ذلك الاستقلال التام الذي كانت تحده التحفظات الأربعة من جميع أقطاره، ولكن ضحك المصريين في ذلك الوقت كان يختلف ظهورًا وخفاءً، وخفوتًا وارتفاعًا باختلاف موقفهم من الحكومة المصرية إذ ذاك. فأمَّا المعارضون، وكانوا كثرة الشعب، فقد كان ضحكهم عاليًا عريضًا، وأمَّا المؤيدون، وكانوا قلة في الشعب، فقد كان ضحكهم مكتومًا مكظومًا.

والشيء المحقق الذي لا شك فيه هو أن اللورد كرزون قد ابتسم حين أرسل تلك الرسالة، وأن ثروت باشا قد ابتسم حين تلقاها. فلم يكن أحد يعتقد أن تصريح فبراير قد ردَّ إلى مصر استقلالها التام، وإنما كان أنصار هذا التصريح يرونه خطوة في سبيل الاستقلال، وكان خصومه يرونه عبثًا بالعقول، وكان الأنصار والخصوم مصيبين فيما كانوا يرون.

فتصريح فبراير قد مكَّن مصر من وضع الدستور، وإقامة سياستها الداخلية على نظام ديمقراطي معقول في الورق على الأقل. وقد مكَّن مصر من إعادة وزارة الخارجية، وإنشاء التمثيل السياسي والقنصلي، وإرسال الوزراء المفوضين إلى العواصم الكبرى. وكل هذا كان تقدمًا في سبيل الاستقلال، ولكن تصريح فبراير كان في الوقت نفسه لونًا من تلهية الشعب وتسليته، ومحاولة لتخفيف عنف الحركة الوطنية، ورد المصريين إلى شيء من الهدوء الموقوت. وهذا كله إن دل على شيء فإنما يدل على أن كلمة الاستقلال من هذه الكلمات المرنة التي تطول وتقصر، وتتسع وتضيق حسبما تريد الظروف.

وقد كان عندنا قبل إلغاء الحماية وبعد تصريح ٢٨ فبراير أنواع مختلفة من الاستقلال، فكان عندنا الاستقلال الكامل، وكان عندنا الاستقلال التام، وكان عندنا الاستقلال الحقيقي، والاستقلال الصحيح، والاستقلال الذي لا شك فيه! وكنا نجد لكل نوع من هذه الأنواع حدودًا ورسومًا تبيِّن أنه هو الاستقلال المحقق للآمال، الذي يرفع رأس مصر عاليًا بين الأمم، ويكفل لها المكان اللائق بها تحت الشمس، كما كان يقال في تلك الأيام، حتى انتهى الأمر بإهمال هذه الألفاظ والاقتناع بأن الشعوب الكريمة لا تنخدع بالكلمات، وإنما تقيم أمورها على الحقائق الواقعة المحسوسة.

والظاهر أن هذا النوع من الشك في معنى كلمة الاستقلال، والتردد فيما يعرض لها من الطول والقصر، ومن السعة والضيق ليس مقصورًا على مصر، وإنما هو شيء شائع في الأرض كلها، وبالقياس إلى الأمم كلها، وأن الاستقلال بالمعنى الدقيق صورة خيالية يستطيع الأديب أن يحققها في نفسه، ولكنه لا يستطيع أن يعطي لها مثالًا خارجيًّا يمكن أن يرى ويحس، فطبيعة الحياة بين الجماعات كطبيعة الحياة بين الأفراد تقوم على التضامن والتعاون، واحتياج الناس إلى الناس، واعتماد الناس على الناس.

وكما أنك لا تستطيع أن تتصور فردًا من أفراد شعب بعينه قد استغنى عن الناس جميعًا، واستقل بأمره كله فلم يحتج إلى أحد، ولم ينتظر معونة من أحد، وإنما يحتاج الناس إليه ويلتمسون عنده المعونة، فأنت لا تستطيع أن تتصور شعبًا من الشعوب يستطيع أن يستغني عن الاتصال بغيره، والاعتماد عليه في إرضاء حاجاته المختلفة، وتحقيق مآربه التي لا تحصى.

وكلما تقدمت الحضارة ازدادت تعقدًا، وازدادت مصالح الناس اشتباكًا وارتباكًا، وتعسر على المواطن أن يستغني عن مواطنيه، وعلى الشعب أن يستغني عن غيره من الشعوب. وكلما تقدمت الحضارة تيسرت المواصلات، ودنا بعض الأوطان من بعض، وألغيت مسافات الزمان والمكان بين الأمم؛ فأصبح الاستقلال أشد عسرًا، وأعظم امتناعًا. وأيسر نظرة إلى الحياة العالمية قبيل هذه الحرب الأخيرة وفي أثنائها وبعد انقضائها تبيِّن ذلك في وضوح لا يحتمل الشك، ولا يقبل النزاع؛ فالحرب تشب بين ألمانيا وبولندا، فتسرع فرنسا وبريطانيا العظمى إلى الحرب، ثم تسرع إليها إيطاليا، ثم تسرع إليها روسيا، ثم تسرع إليها اليابان والولايات المتحدة الأمريكية، ثم تصبح الأرض كلها ميدانًا للحرب، ويسخر المتحاربون من هذه الأمم القليلة التي استمسكت أو زعمت أنها تريد أن تستمسك بالحياد.

فلم تكن هناك أمة محايدة حقًّا، ويجب أن نعبث بعقولنا ونَخدع أنفسنا بما لا ينبغي أن يُخدَع به الأطفال إن ظننَّا أن تركيا مثلًا كانت محايدة، أو أن إسبانيا كانت محايدة. فأمَّا حياد مصر فقد كان كالاستقلال كاملًا أو تامًّا أو حقيقيًّا أو لا شك فيه. الواقع أن شعوب الأرض كلها تأثرت تأثرًا مباشرًا بالحرب، وأخذت بحظوظ مختلفة من المشاركة فيها على كثرة ما قيل في الحياد، وفي موقف الأمم غير المحاربة، إلى آخر ذلك الكلام الكثير الذي كنا نقرؤه ونقيم عليه النظريات والأصول ونحن لا نصدقه فيما بيننا وبين أنفسنا، وإنما نمضي فيه كما يمضي الأطفال العاقلون في لعبهم، أو كما يمضي الممثلون البارعون في فنهم على مسرح التمثيل.

ثم تنتهي الحرب ويستقبل العالم سلمًا غامضة، وإذا كل الشعب يفكر في استقلاله ويتهيأ لما يسمى تقرير المصير، وإذا الخصومات تثار من جديد أو من قديم بين الدول الكبرى المنتصرة، وتثار من جديد أو من قديم بين هذه الدول الكبرى وبين دول أخرى، منها الصغيرة ومنها الصغرى. وكل هذه المشكلات والخصومات إنما تثار حول الاستقلال وتقرير المصير. ولست أدري أي الكتَّاب الفرنسيين هو الذي قال: ما أكثر ما يقتتل الناس ويصرع بعضهم بعضًا لأنهم يتبادلون بينهم ألفاظًا لا يتفقون على معانيها، ولو قد اتفقوا على هذه المعاني لألقوا ما في أيديهم من السلاح، ولاعتنقوا اعتناق الأحباء لا اعتناق الأعداء.

وأحب أن نتبين مثلًا إلى أي حد يمكن أن يقال إن بريطانيا العظمى تستمتع بالاستقلال الصحيح الدقيق الذي لا شك فيه ولا غبار عليه. أمَّا أثناء الحرب فلم تكن بريطانيا العظمى مستمتعة بهذا الاستقلال الخالص من كل شائبة، وإنما كانت مضطرة إلى أن تلائم بين سياستها وسياسة حلفائها وأعوانها، ولو أنها انحرفت عن ذلك لخسرت الحرب. فهي إذن لم تكن مستقلة بالقياس إلى روسيا، ولا بالقياس إلى الولايات المتحدة الأمريكية، بل هي لم تكن مستقلة بالقياس إلى مصر؛ فلو قد شاءت مصر لأفسدت الأمر على بريطانيا العظمى وعلى حلفائها، ولعَرَّضتهم لخطر الهزيمة؛ فلم يكن بد لبريطانيا العظمى من أن تُصانع مصر وتُلاطفها وتَتَرَضَّاها بالابتسام، وتُغريها بالوعود، وتتقدم إلى حلفائها في أن يلقوا مصر بمثل ما تلقاها به من هذا التلطف والتجمل والإغراء.

وقد انتصرت بريطانيا العظمى وانتصر حلفاؤها، وأتت بريطانيا العظمى هذه الحركة الخطيرة التي تدل على أنها مستقلة استقلالًا لا شك فيه، فتخلصت من المحافظين، وأعطت مقاليد الأمر فيها إلى العمَّال، وأظهرت أن شعبها يريد فيبلغ ما يريد، ولكنها على ذلك لا تستمتع بالاستقلال الكامل الدقيق الذي صوَّرته آنفًا، وآية ذلك أنها جزعت حين ألغت الولايات المتحدة قانون الإعارة والتأجير، وأنها الآن تداور وتناور، وتصانع وتلاطف، وتنذر وتوعد؛ لتظفر من الولايات المتحدة بما يقوم مقام هذا القانون.

وكان المحافظون في آخر الحرب قد استردوا غطرستهم، وجعلوا ينظرون إلى الأمم الصغيرة نظرات فيها كثير من الأنفة، وجعلوا ينسون ويتناسون وعودهم الخلابة ولطفهم الذي كان أرق من النسيم، وجعلوا لا يترددون في أن يعلموا اليونان والبلچيكيين والإيطاليين كيف تكون المحافظة على النظام، وفي أن يشيروا إلى غير هؤلاء بأن الرجل العاقل الفطن هو الذين يحسن الانتفاع بما يرى ويسمع، ويجنب نفسه التعرض للأخطار. وجاء العمال بعدهم فرقت الألفاظ، وارتسم الابتسام على الثغور، وشاع في الثغرات شيء من ظرف ولطف، ولكن «الحقائق» لم تتغير.

فسياسة الائتلاف في اليونان وغير اليونان قائمة، والمستر أنطوني إيدن المحافظ يهنئ المستر بيفن الاشتراكي بحسن تقديره للأمور، ولكن روسيا تنظر إلى البلقان نظرة فيها كثير من الغموض، وكثير من المكر، والولايات المتحدة تلغي قانون الإعارة والتأجيل، وإذا المحافظون والعمال جميعًا يذكرون أن بريطانيا العظمى مستقلة من غير شك، عظيمة من غير شك، قوية من غير شك، ولكنها على ذلك كله ولذلك كله محتاجة إلى أن تلائم بين سياستها وسياسة حلفائها، سواء أكانوا كبارًا أم صغارًا.

وتحمل لنا أنباء البرق ما يقوله هذا الكاتب الإنجليزي أو ذاك من أن بريطانيا العظمى محتاجة إلى معونة أصدقائها الذين يتعاملون بالجنيه الإسترليني في هذه الأزمة التي تعانيها، وأنها لن تنسى في أيام الرخاء من يساعدونها في أيام الشدة، وكانت تقول نفس هذا القول أثناء الحرب. وليس المهم أنها وفَّت بما وعدت أو أخلفت المواعيد، وإنما المهم أنها على عظمتها وقوتها، واتساع سلطانها، وضخامة إمبراطوريتها، وظفرها بهذا النصر العظيم تستمتع باستقلال مهما يكن هائلًا فهو محدود بمعونة أصدقائها وحلفائها لها في شئون السلم، كما كان محدودًا بمعونة أصدقائها وحلفائها لها في شئون الحرب.

وقل مثل هذا بالقياس إلى روسيا وأمريكا، وقل أكثر من هذا بالقياس إلى فرنسا والصين، ففرنسا مستقلة من غير شك، ولكن استقلالها محدود بما يقدم لها من المعونة على إصلاح ما أفسدته الحرب من أمرها، وعلى رد الرخاء اليسير إلى أبنائها، وعلى تمكينها من استبقاء إمبراطوريتها، وهي على ذلك كله ليست أقل حاجة إلى حلفائها من حاجة حلفائها إليها، فليس لبريطانيا العظمى سبيل إلى الاحتفاظ بمكانتها في أوروبا إلَّا أن تعينها فرنسا على ذلك، وليس لروسيا سبيل إلى الاحتفاظ بمكانتها في أوروبا إلَّا أن تعينها فرنسا على ذلك أيضًا.

ففرنسا مستقلة محتاجة كما أن بريطانيا وروسيا مستقلتان محتاجتان، ولن تستطيع الولايات المتحدة أن تمضي سياستها في الشرق والغرب، وتنشر تجارتها في الشرق والغرب إلَّا إذا وجدت من حلفائها وأصدقائها المعونة على ذلك. أمَّا الصين فأمرها أشد من هذا كله خطرًا: لا بدَّ لها من أن تُرضي روسيا، ومن أن ترضي الولايات المتحدة، ومن أن ترضي بريطانيا العظمى، ومن أن تصانع فرنسا، وهي مع ذلك مستقلة، بل هي إحدى الدول العظمى التي تدبر أمر العالم في الشرق والغرب!

فإذا تركت هذه الدول الكبرى؛ فسترى دولًا أخرى مغلوبة قد وقف استقلالها وقفًا موقوتًا، وسترى أممًا أخرى محررة منتصرة، ولكن استقلالها يدعو إلى الفكاهة؛ فدول البلقان مثلًا مستقلة ما في ذلك شك، ولكن روسيا تحتل بعضها، وتتدخل في شئونها الخاصة؛ لأنها هي التي حررتها، وبريطانيا العظمى تحتل بعضها الآخر، وتتدخل في شئونها الخاصة؛ لأنها هي التي حررتها. وأظرف ما في الأمر أن البريطانيين والأمريكيين يعيبون تدخل روسيا في شئون رومانيا وبلغاريا والمجر وبولندا، وأن روسيا تعيب تدخل البريطانيين في شئون اليونان. أولئك يرون أن تدخل روسيا يضيع استقلال البلاد المحررة، وهؤلاء يرون أن تدخل البريطانيين يجعل استقلال اليونان عبثًا من العبث.

وأنت واجد بعد هذا كله أممًا أخرى لم تحرر؛ لأن العدو لم يحتلها ولم يقهرها، وإنما احتلها الحلفاء أنفسهم لتنفيذ خطط الحرب، فلما وضعت الحرب أوزارها أصبح بقاء الاحتلال وقتًا طويلًا أو قصيرًا شيئًا لا بدَّ منه لضمان ما تحتاج إليه هذه الأمم من الاستقلال، فإيران مستقلة، ولكن يجب أن يبقى الحلفاء فيها وقتًا ما ليقام استقلالها على أساس متين.

أمَّا الشرق العربي الأدنى، فقصته أشد من هذا كله تعقيدًا، والشيء الواضح الجلي هو أن كلمة الاستقلال فقدت قيمتها فقدانًا يوشك أن يكون تامًّا، وأننا عندما نذكر الديمقراطية والاستقلال إنما نذكر كلمتين قديمتين كانتا تدلان على بعض المعاني في أول هذا القرن، ولكن خطوب هاتين الحربين أضاعت معانيهما، وجعلتهما كلمتين لا تدلان على شيء إلَّا ما يريد الساسة من رجال الدول الكبرى أن تدلَّا عليه.

فالديمقراطية كما يريدها البريطانيون لها معناها الذي يسيغه البريطانيون وحدهم، وهي كما يريدها الأمريكيون لها معناها الأمريكي، كما أن لها في روسيا معناها الروسي. فأمَّا الأمم الأخرى فليس لها أن تختار هذا المعنى أو ذاك، وإنما عليها أن تقبل ما تفرضه الظروف من إرادة البريطانيين أو الأمريكيين أو الروس، فإن زعمت أن لها في الديمقراطية والاستقلال رأيًا خاصًّا، وأنها تريد أن تحقق هذا المعنى كما تتصوره هي لا كما يتصوره أولئك أو هؤلاء؛ فينبغي أن تذكر أن السيوف لم تُغمد بعدُ، وأن القنبلة الذرية قد استُكشفت منذ أسابيع.

هذه هي الديمقراطية التي انتهت إليها الحرب العالمية الثانية، وهذا هو الاستقلال الذي يراد أن يتخذ أساسًا للعالم الجديد، ولكن من حق الشعوب ألَّا تضعف ولا تهن ولا تيأس، فقد انتهت الحرب ولم يقرر السلام بعدُ، وإنما العالم في أزمة كأزمة المريض الذي تقلع عنه الحمى، ولكنه لم يسترد قوته بعدُ. وستنجلي هذه الأزمة يومًا ما، وسيسترد العالم المريض قوته يومًا ما، وسيعتدل مزاج الإنسانية غدًا أو بعد غد، ويمكن يومئذ أن نبحث عن المعنى الدقيق الذي تدلُّ عليه كلمة الديمقراطية وكلمة الاستقلال.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.