يقول الشاعر القديم: إن الحرب أولها كلام، ومن الممكن أن يُقال أيضًا: إن الحرب آخرها كلام؛ فقد اختصم الناس في الأعوام التي سبقت الحرب لعلهم يردون ألمانيا عن طغيانها، وهم يختصمون الآن فيما بينهم لعلهم يردون أنفسهم عن الغلو والطموح إلى البطش والعدوان. والواقع أن حرب الكلام طبيعة إنسانية تلازم الإنسان في كل زمان ومكان، تنفرد بالسيطرة حين يسكت السلاح، وتشارك في السيطرة حين ينطق السلاح أيضًا؛ فليس من المحقق أن صوت المدافع وأزيز الطائرات يضطران الناس إلى السكوت، وإنما الناس في حرب كلامية متصلة.

ولعل هذه الحرب أن تشتط وتبلغ أقصى غاياتها حين يتكلم الحديد والنار، ولا سيما بعد أن اختُرع الراديو، وأصبح أداة من أدوات الحرب الكلامية لا تُجارى ولا تُبارى، كما أن حرب البر والبحر والجو تأخذ أشكالًا مختلفة، فيها التقدم والتأخر والانتظار، والتماس الحيلة، والدوران حول المراكز الحرجة، فكذلك حرب الكلام فيها الإقدام والإحجام، وفيها المداورة والمناورة، وفيها الإسراع والأناة.

ومدار الحرب بالكلام أو بالسلاح على المساومة، فليست حياة الأمم كلها إلا مساومة مستمرة، كل يريد أكثر مما يستطيع أن ينال، وكل يجاهد في سبيل ما يستطيع، ومن هذه الإرادة المسرفة، ومن هذا الجهاد المتصل يكون الاصطدام بين المجاهدين بالقول دائمًا، وبالقوة المهلكة أحيانًا. وقد خرجنا من أزمة القوة المهلكة، وعدنا إلى هذه الحرب السلمية، إن صح أن تكون الحرب سلمية. هذه الحرب التي تقوم على الأخذ والرد، وعلى المحاورات التي لا تنقضي، والمناقشات التي لا آخر لها. ومدار هذه الحرب كمدار الحرب الأخرى هي المساومة على حقوق الشعوب، فأي المتحاربين تفوق، فهو الظافر المنتصر المستأثر بأعظم حظ ممكن من الظلم.

وقد اشتدت الحرب الكلامية في لندرة منذ حين أثناء اجتماع وزراء الخارجية، فكان الهجوم والدفاع، وكان الصدام والصراع، ثم انصرف المختصمون، ولن يلقى أحد منهم كيدًا. دافعت روسيا عن قرارات مؤتمر القرم، ومؤتمر بوتسدام، وعن استئثار الدول الثلاث الكبرى وحدها بالقضاء في بعض المشكلات من دون فرنسا والصين، واجتهدت بريطانيا العظمى وأمريكا في تيسير هذه القرارات، وإشراك فرنسا والصين في صلح البلقان، فلم تلن روسيا ولم تهن، وإنما استمسكت برأيها وأصرت، وأخفق المؤتمر إخفاقه ذلك المعروف.

ومضت أشهر على هذا الإخفاق كثر فيها الكلام هنا وهناك. واشتد فيها الجدل بين موسكو ولندرة وواشنجطون، وكثرت فيها الأحداث في الشرق والغرب، ثم ننظر فإذا العالم يُفاجأ بأن مؤتمرًا سيعقد في موسكو، وبأن هذا المؤتمر لن يشهده إلا وزراء الخارجية للدول الثلاث الكبرى.

وإذن فأي الفريقين ظفر بالفوز في هذه المفاجأة؟! أهم الإنجليز والأمريكيون الذين كانوا يريدون أن تشترك فرنسا والصين في معاهدة الصلح البلقانية، أم هم الروس الذين كانوا يأبون أن تشترك فرنسا والصين في هذه المعاهدات؟!

مسألة فيها نظر، ولكن ظاهرها على كل حالٍ يدل دلالة واضحة على أن الروس هم الذين كسبوا الموقعة. فأما الاجتماع الذي سيعقد في موسكو، فلن تشترك فيه فرنسا والصين، ومهما تكن المسائل التي ستدرس في هذا الاجتماع، ومهما تكن التأكيدات التي أُعطيت لفرنسا من أصدقائها الإنجليز بأن المجتمعين في موسكو لن يمسوا مصالحها وهي غائبة، فقد انتصرت وجهة النظر الروسية انتصارًا مبينًا.

انتصرت؛ لأن العالم ظل كما أرادت روسيا أن يكون، منقسمًا إلى هذه الطبقات الأربع: طبقة الدول الكبرى؛ وهي: روسيا وبريطانيا العظمى وأمريكا وحدها، وطبقة الدول الكبيرة؛ وهي: هذه الدول الثلاث مضافًا إليها فرنسا والصين، وطبقة الدول المتوسطة؛ وهي: هذه الدول التي لا تشترك في مؤتمر وزراء الخارجية، ثم طبقة الدول الصغيرة، وهي هذه التي يقضى في أمرها دون أن تُستأمر أو تُستشار، سواء أكانت منتصرة أم منهزمة أم محررة.

وإذن فالطبقة الأولى من طبقات الدول في العالم هي التي أرادتها روسيا مكونة من ثلاث لا من خمس، وأغرب ما في الأمر أن الانتصار الروسي في هذه المسألة يأبى إلا أن يكون تامًّا شاملًا، فالاجتماع لن يكون في لندرة؛ لأن لندرة قريبة جدًّا من باريس، والاجتماع لن يكون في واشنجطون؛ لأن واشنجطون بعيدة جدًّا على الرفيق مولوتوف، بينما الاجتماع ينعقد في موسكو.

فسيسعى إذن ممثلو العصبة السكسونية إلى عاصمة روسيا السوفيتية، ولم تعلن المسائل التي ستدرس في هذا الاجتماع إعلانًا رسميًّا، ولكنها توشك أن تكون معروفة، فهي المسائل التي سيشتد فيها الخلاف بين السادة المنتصرين: مسألة الطاقة الذرية، ومسألة إيران، ومسائل البلقان على الأقل. وقد كان مستر تشرشل لبقًا كل اللباقة، ماهرًا كل المهارة، ماكرًا بعض المكر حين هنَّأ خصمه المستر بيفن بسفره إلى موسكو في مجلس العموم مساء الأربعاء.

ففي هذا السفر مصلحة لائتلاف المنتصرين، وتجنب لخطر الانقسام، وفي هذا السفر عدول من المستر بيفن عن موقفه ذاك العنيف في لندرة، حين أبى أن يقبل الرأي الروسي، وحين اضطر الرفيق مولوتوف في بعض المناقشات إلى أن يهم بمغادرة الغرفة التي كانت تجري فيها المناقشات.

لقد تشدد المستر بيفن ما وسعه التشدد في لندرة، ثم لان المستر بيفن ما وسعه اللين، وقرر السفر إلى موسكو وهنَّأه المستر بهذا اللين في لباقة ومهارة، ما نشك في أن المستر بيفن قدرهما وهو يقول في نفسه: لا بد مما ليس منه بد.

ومع ذلك، فقد كان هذا الاجتماع الجديد من غير شك نتيجة لمساومات طويلة جرى بعضها جهرة، وجرى بعضها الآخر في الخفاء، وكان من أهم هذه المساومات قصة القنبلة الذرية التي سافر من أجلها رئيس الوزارة البريطانية إلى أمريكا، والتي انتهى الأمر فيها إلى الاحتفاظ بأسرار هذه القنبلة للسكسونيين دون غيرهم من المنتصرين؛ حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وحتى تعرب روسيا عن نياتها ومطالبها في صراحة وجلاء.

ولكن روسيا لم تعرب إلى الآن عن مطالبها، وما زال الخيط الأبيض متلبسًا بالخيط الأسود، لم يتبين أحدهما من صاحبه، وكان من هذه المساومات ذلك النذير الخطير الذي ألقاه المستر إيدن في مجلس العموم البريطاني، حين طلب أن يُعاد النظر في ميثاق سان فرانسيسكو، وأن يُلغَى ما تقرر فيه من حق الاعتراض.

وكانت روسيا هي التي فرضت حق الاعتراض هذا لتضمن به السيطرة للدول الخمس على بقية العالم، فإذا أُلغي حق الاعتراض، وصار الأمر إلى الكثرة من أعضاء مجلس الأمن، عاد العالم إلى نظام عصبة الأمم، واضطرت روسيا إلى العزلة، وتأهب العالم للحرب الثالثة. وقد سُمي هذا النذير الذي ألقاه المستر إيدن في مجلس العموم قنبلة، سماه بهذا الاسم محرر جريدة الموند الفرنسية، وسماه بهذا الاسم صديقنا الأستاذ محمود عزمي في يوم واحد تقريبًا.

ومع ذلك فقد انفجرت هذه القنبلة ولم تؤذ أحدًا، والدليل على ذلك أن روسيا لم تغير موقفها، ولم تتحول عن رأيها، وإنما ظل الرفيق مولوتوف في موسكو ينتظر زيارة حليفيه السكسونيين.

وكان من هذه المساومات أيضًا ما تقدمت به أمريكا من جلاء الجيوش المتحالفة عن إيران قبل أن ينقضي العام، ولكن روسيا أجابت بأنها لا تستطيع أن تجلو قبل إبان الجلاء في مارس المقبل، واضطرت بريطانيا العظمى إلى أن تسير سيرة روسيا وتعلق جلاءها على إيران بجلاء حلفائها الروس، وكذلك لم تُجْدِ المساومات العنيفة شيئًا، ولم يستطع التهديد الظاهر والتهديد الخفي أن يزحزحا روسيا عن موقفها، وهو موقف قوامه الحزم الصارم والمجاملة الرقيقة، وإذا لم تُجْدِ المساومة العنيفة، ففي المساومة الهينة اللينة متَّسع للجميع. وأول هذه المساومة الهينة أن تُجرى في موسكو، لا في لندرة ولا في واشنجطون. وهناك يمكن أن تُتَناوَل المسائل الشائكة بأيدٍ رفيقة لبقة، فيأخذ كل حليف شيئًا ويعطي شيئًا.

والمحقق أن روسيا لن تأخذ من الإنجليز ولا من الأمريكيين شيئًا، وأن الإنجليز والأمريكيين لن يأخذوا من روسيا شيئًا، وإنما يكون الأخذ والعطاء على حساب الدول الأخرى، سواء منها الدول المنتصرة أو المحررة. وأول هذا الأخذ والعطاء إبعاد فرنسا والصين عن المشاركة في بعض المسائل العليا؛ فهذا هو الأخذ والعطاء على حساب المنتصرين.

فإذا استطاع الحلفاء الثلاثة أن يتفقوا على مشكلات البلقان، وأن يجدوا حلًّا لمشكلة إيران، وأن يضعوا أساسًا للاتفاق على مشكلات الشرق الأقصى؛ فهذا هو الأخذ والعطاء على حساب المنهزمين، وعلى حساب الأمم المحررة، وعلى حساب الأمم التي أعانت الحلفاء ويسَّرت لهم النصر.

وكذلك يدور الأمر كله على المساومة، مساومة بالموت والدمار حين كانت الحرب قائمة، ومساومة بالنذير والوعيد بعد أن وضعت الحرب أوزارها، ومساومة بالأماني والآمال حين لا يجدي النذير، ولا يغني التهديد، واستذلال الضعفاء على كل حال. وأغرب ما في الأمر أن من الناس من لا يزالون يضللون أنفسهم بالأوهام، ويعتقدون أن النظم القائمة في العالم الآن تستطيع أن تكون وسائل منتجة؛ لتحقيق العدل والإنصاف والمساواة. أمَّا أنا فقد اعتقدت ذلك وقتًا ما، ولكني مضطر الآن إلى الشك فيه، وإلى الإيمان بأن تحقيق العدل في الأرض غاية يجب أن يسعى الإنسان إليها ما وجد إلى السعي سبيلًا، ولكن الوسيلة إلى هذه الغاية هي أن تُرد أمور الشعوب إلى الشعوب، أو قل هي أن تسترد الشعوب أمورها بأنفسها. ولن تسترد الشعوب أمورها بأنفسها إلا إذا ملكت من قوة النفس، وقوة اليد، وقوة اللسان ما يمكنها من أن تقول: لا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.