عليك سلام الله قيس بن عاصم

ورحمته ما شاء أن يترحما

وما كان قيس ملكه ملك واحد

ولكنه بنيان قوم تهدما

أجل، فقد كان صلاح ركنًا من أركان الثورة التي غيَّرت حياة هذه الأمة ومنحتها حياة جديدة قوامها الحرية والاستقلال والعدل وتحقيق الكرامة لهذا الشعب في مجموعه ولكل فرد من أبنائه. بذل في هذه الثورة أقصى جهده وأصدق جهاده، وكان كزملائه مستعدًّا أصدق الاستعداد لبذل حياته في سبيلها، وكان في الوقت نفسه قوامًا لأسرته التي فُجعت فيه أعظم الفجيعة وأقساها. ثم كان عميدًا لهذه الصحيفة اليتيمة التي أصابتها فيه الكارثة. أنهض ما يكون بأعبائها، وأعرف ما يكون لحقوقها، وأحرص ما يكون على رُقِيِّهَا وتقدُّمها، بما ينبغي أن تقوم به الصحف الجادة المخلصة من خدمة الوطن وتبصير الشعب بحقوقه وواجباته.

فليس الرُّزء رُزء فيه فرد ولا رزء أفراد، وليس هو ببناء قوم تهدَّم، وإنما هو بناء أقوام أصابهم فيه الخطب على حين كانوا يعقدون به أعرض الآمال ويرجون منه جلائل الأعمال. ثم أصبحوا ذات يوم وقد اختُطف منهم اختطافًا وانتُزع منهم انتزاعًا، وهم أشد ما يكونون حرصًا على أن يُسرع إليه الشفاء وتسبغ عليه العافية؛ ليستأنف نشاطه الخصب في خدمة وطنه وثورته وفي رعاية أسرته وفي قيادة صحيفته إلى أقصى ما يُرجى لها من النُّجح وأعظم ما يُنتظر منها من النهوض بأعباء الصحيفة الحرة، التي تقصر جهودها كلها على خدمة الوطن والمواطنين وعلى نشر أصول الثورة وحقائقها وغاياتها في جميع طبقات الشعب، لا يدركها في ذلك تقصير، ولا تخاف فيه لومة لائم.

ولو قد كان صلاح من الذين تقدمت بهم السن وأدَّوْا للحياة حقها وأخذوا منها نصيبهم، لكان الرُّزء فيه جليلًا. ولكنه يترك للعزاء سبيلًا إلى القلوب، ولكنه اختطف في ريعان شبابه بعد أن أدَّى واجبه كما لا يؤديه الشيوخ. وكان جديرًا أن ننتظر منه الكثير والكثير جدًّا؛ فإن امرأً بدأ حياته كما بدأها صلاح، مجاهدًا أصدق الجهاد وأبسله أثناء السلم والحرب، مخلصًا أشد الإخلاص وأعمقه للوطن في أيام الشدة وأيام اللين وفي أوقات البؤس وأوقات الرخاء، لم يعرف الضعف إلى نفسه القوية سبيلًا، ولم يجد اليأس إلى قلبه الكبير طريقًا، ولم تستطع الأثرة أن تشوب إخلاصه القوي العميق لوطنه وأمته في لحظة من لحظات حياته. إن امرأً بدأ حياته على هذا النحو، جدير أن ينتظر منه أكثر جدًّا ممَّا بدأ به حياته، ولكن الناس يقدِّرون، وقضاء الله يمضي فيهم صارمًا حاسمًا لا رادَّ ولا محيد عنه.

وكذلك وقع النبأ بوفاة هذا الثائر العظيم والصديق الكريم والمواطن الكبير، موقعَ الصاعقة من الذين عرفوه عن قُرب ومن الذين لم يعرفوه إلا من بعد.

وقد عرفت صلاح سالم كما عرفه المصريون جميعًا من بعد حين شبت الثورة كان هو أحد جذواتها المضطرمة التي كانت تزداد في كل يوم ذكاء، وأحد ألسنتها المنطلقة التي كانت تزداد في كل يوم انطلاقًا بما يحلو وما يمر وبما يسوء وما يسر.

وكان من أبرع خطباء الثورة في تقريب الآمال إلى القلوب وإحياء الرجاء في النفوس وإذكاء نار الثورة في الضمائر، وكان جده مرًّا أشد المرارة، وكانت دعابته حلوة إلى أقصى غايات الحلاوة، وكان أبرع زملائه في السخرية من النظام القديم وفي إثارة الضحك من ساسة ذلك النظام. وكان جده صارمًا في مرارته، وكانت فكاهته قاسية في حلاوتها، وكان أشد ما يكون إثارة للمرح والضحك حين يعبث بساسة العهد الماضي يقلد بعضهم تقليدًا رائعًا ويصور بعضهم تصويرًا صادقًا.

وكان في الوقت نفسه مروعًا مثيرًا للخوف والرعب، حين كان ينذر المتنكِّرين للثورة ويوعدهم أقسى الوعيد وأعنفه، وكان في أثناء هذا كله حركة لا تعرف السكون، ونشاطًا لا يعرف الهدوء، واندفاعًا لا يعرف الأناة. تراه في القاهرة مصبحًا وفي السودان ممسيًا، وتراه متنقلًا في البلاد العربية مصورًا لأهلها حين يعود إلى وطنه ولزعمائه السياسيين أروع تصوير وأصدقه. وكانت هذه الصورة مرتسمة له في نفسي، ولم يُتح لي أن ألقاه إلا بآخره، حين ذلك اليوم عرفته من قُرب فعرفت فيه الإخلاص لعمله إلى أقصى حدوده والوفاء كأعمق ما يكون الحب، وعرفت فيه سماحة الطبع ودماثة الخلق وصفاء الضمير وإيثار الصراحة على كل شيء والنفور الشديد من المداراة والالتواء في القول والعمل. وعرفت فيه أرعى الرؤساء لزملائه الذين يعملون معه في الصحيفة حين تجب الشدة واللين لهم والرفق بهم حين يستحب اللين والرفق.

ولم أعرف مشرفًا على صحيفة منحها خلاصة نفسه وأصدق جهده وأقصى طاقته، كما كان صلاح يمنح هذا كله للجمهورية.

ورأيته مريضًا يبلغ به المرض أقصاه، ولكنه لم يستطع في يوم من الأيام أن ينسيه الجمهورية أو يصده عن التفكير فيها والعناية بها والسؤال عن الدقيق والعظيم من أمرها، يرفق بالزملاء كلهم ولا يمنح نفسه أيسر نصيب من هذا الرفق.

ولم يدركني المرض كما أدركه، فلا ألقاه ولا يلقاني، كَلَّ عن السعي إليَّ وضعفت عن السعي إليه، ويكون آخر عهدي به وداعه حين أبحرت إلى أوروبا، وأعود إلى مصر فإذا هو قد أبعد السفر إلى أمريكا، ثم يعاودني المرض ويشتد ويقسو ويحول بيني وبين لقائه حين عاد من أمريكا مريضًا كما سافر إليها مريضًا. وأعيش كما عاش زملاؤه وأصدقاؤه جميعًا مطمئنًّا إلى الأمل متعلقًا بالرجاء واثقًا بأن شبابه سيكون أقوى من المرض ومن أثقاله.

وأُصبح اليوم فيقرأ عليَّ صاحبي صحف الصباح أو يقرأ عليَّ ما أراد أن يقرأ من هذه الصحف ولكنه يُعرِضُ عن الجمهورية، فإذا سألته عنها أدركه تردُّد شديد وارتباك عظيم، ثم يضطر آخر الأمر أن ينبئني بالحقيقة بعد أن حاول إخفاءها عليَّ، ينبئني بهذا الخطب الفادح وهذا المصاب الجليل، ينبئني بأن صلاحًا قد اختطفه الموت.

ويدركني حين أسمع هذا النبأ وجوم أعرف أوله ولكني لا أعرف آخره إلى الآن، وأنا أُملي هذا الحديث بعد أن أقبل الليل دون أن أجد لهذا الوجوم آخرًا؛ لأني لا أكاد أصدق أن هذه الحياة القوية قد غاضت، وأن هذا الشباب النضر ما استأثر به ولا يستطيع أن يرد قضاء الله إذا مضى لغايته، وإنما يستطيع أن يرتاع ويلتاع ويملأ قلبه الحزن ويغمر نفسه الأسى في غير طائل، حتى إذا انجلى عنه الوجوم وسكتت عنه المفاجأة وعاد إلى نفسه أو عادت إليه نفسه، لم يجد بُدًّا من أن يعترف بأن الموت حق وأن قضاء الله واقع وأن إرادة الله نافذة، ولم يستطيع إلا أن يسأل الله من أعماق نفسه أن يشمل الفقيد الكريم برحمته ويسبغ عليه نعمته ورضوانه، ويحسن عنه عزاء الوطن والمواطنين وعزاء أسرته البائسة وصحيفته اليتيمة وأصدقائه وزملائه المرزئين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.