تنظيم العلاقات الزوجية عَمَلٌ حَسَنٌ دَعَتْ إليه أطوارُ الحياة العصرية منذ زمن غير قصير، وأَحْسَنُ ما في التشريعات الأخيرة، أنها مطابقة للنصوص الدينية مع مطابقتها لمطالب الزمن وللمصلحة الاجتماعية، وللنظرة السليمة إلى حقوق الرجل والمرأة في الحياة الخاصة والحياة العامة.

غير أننا نود أن يُلاحَظ في كل تشريع من هذا القبيل أن الشركة الزوجية ليست شركة بين رجل وامرأة وحسب، على مثال الشركات التي تنعقد بين اثنين لا علاقة لها بصاحبِ حقٍّ آخَرَ، وإنما هي شركة تقوم على حقوق «الأسرة» لا على حقوق الزوج والزوجة دون غيرهما. فإذا بدا لأحد الشريكين في عقد الزواج أن ينفصل عن صاحبه فليست المنفعة أو الضرر مقصورة على هذا أو ذاك من كلا الشريكين، ولكن الشركة تتناول الأبناء الصغار وتتناول أحيانًا الأم الكبيرة التي يعولها ابنها ولا يستطيع أن ينفق على بيتين في وقت واحد.

ولا ينبغي أن ننسى أن حقوق المرأة تُوجِب العناية بهذه الأم كما تُوجِب العناية بالمرأة في صفتها الزوجية، وقد تقضي رعاية الأسرة برعاية حالة الأب الكبير، إذا لم يكن له عائل غير ابنه المتزوج الذي لا يستطيع الإنفاق على أبيه في معيشة منعزلة عن معيشته الزوجية، فلا يجوز أن تُهْمَل هذه الاعتبارات عند النظر إلى طلب الانفصال أو الطلاق، ولا يجوز أن يكون حق الزوج أو الزوجة هو الحق الوحيد الملحوظ في تقدير «شروط الشركة» الزوجية، ولكن حقوق الأسرة بجملتها أَوْلى بالرعاية هنا من كل حق آخر، وحرية الزوج أو الزوجة ينبغي أن تظل محدودة أبدًا بالمسئولية التي تقع عليهما معًا في كل ما يرتبط بنظام الأسرة.

وليست الزوجية — بعد النظر إلى جميع اعتباراتها — شركة بين اثنين، وإنما هي وظيفة يشترك كل من الزوجين في أداء حصتها من الفرائض والتكاليف، ويحق للمجتمع أن يفرض القوانين التي تُمَكِّنه من الإشراف على أمانة هذه الوظيفة، ولو دعا الأمر إلى الحد من حرية الرجل أو المرأة التي تُفرَض لهما وهما فردان مستقلان.

… سأكون شاكرًا لو تفضَّلتَ بالإجابة على سؤالي في يومياتكم بجريدة الأخبار: متى دخلت المسبحة الإسلام؟ وما هو الأصل الديني أو المعيشي لها؟ وهل هناك نظائر لها في الديانات والمِلل الأخرى؟

محمد يونس عبد العال، مدرس بالمنيا

كلمة المسبحة مُوَلَّدة لفظًا وعملًا، وإنما كانت المُسَبِّحة بصيغة اسم الفاعل تُطلَق على الإصبع التي تلي الإبهام؛ لأنها كانت تتحرك عند التسبيح كما تتحرك أحيانًا عند النطق بالشهادة.

ولم يُعرَف التسبيح بتكرير الأسماء والدعوات في صدر الإسلام، بل كان المعروف تلاوة الأوراد من المصحف الشريف أو من أجزائه المكتوبة، ويقول أبو عبيد: «تأويل الأوراد أن جعلوا القرآن أجزاء، كل جزء منها فيه سور مختلفة … ولا يكون فيه سورة متقطعة، ولكن تكون كلها سورًا تامة، وكانوا يسمونها الأوراد.»

ثم جرى الاصطلاح على إطلاق اسم الأوراد على التسبيحات التي تُعَدُّ بخرزات السبحة؛ فسُمِّيَتْ هذه الخرزات بالسبحة من أجل ذلك.

والغالب أن السبحة نُقِلَتْ من الهند إلى بلاد الفُرْس منذ عهد بعيد، ثم نقلها دراويش الطرق الصوفية من الفُرْس والتُّرْك إلى سائر البلاد الإسلامية، ولم تُعرَف بين الأوروبيين قبل القرن الثالث عشر للميلاد، أو قبل ظهور جماعة الفرنسسكان وجماعة الرهبان البيض «الدومنيكان»، الذين يُنسَبون إلى القديس «دومينجو» الإسباني، وكانت لهم سياحات كثيرة بين مصر وبيت المقدس وآسيا الصغرى، ولهم شعائر وعبادات يتلونها على المسبحة وتُسمَّى الآن في المغرب بالوردية Rosary من الوَرْد بفتح الواو لا من الوِرْد بكسرها كما يتبادر إلى الذهن من الوهلة الأولى …

ويُقال إنها سُمِّيَتْ بذلك لأن خرزاتها كانت بلون الورد؛ لأن هذه الخرزات كانت تُعطَّر بماء الورد، ولعله عطر يُختار لها؛ لما في الورد من الشوك وهو موضوع تسبيح من التسبيحات المألوفة «الوردية» إشارة إلى إكليل الشوك الذي جاء في الأخبار أنه وُضِع على رأس السيد المسيح.

والوردية التي تُعَدُّ عليها التسبيحات الكاثوليكية نوعان: واحدة تشتمل على مائة وخمس وستين خرزة، والأخرى تشتمل على خمس وخمسين خرزة، ويُراعى في نظم خرزاتها عدد المشاهد التاريخية التي تُذكَر في حياة السيد المسيح وفي حياة السيدة العذراء، وقد سُمِّيَتْ إحدى الكنائس الحديثة في البرتغال باسم كنيسة عذراء المسبحة؛ لأنها بُنِيَتْ لمناسبة رؤيا ظهرت فيها السيدة العذراء وهي تتقلد المسبحة، ونذكر في هذا السياق أن كنيسة «سيدة فاتيما» التي بُنِيَتْ بمصر الجديدة تُنسَب إلى عذراء المسبحة، ولا علاقة لها بالسيدة فاطمة كما سبق إلى خواطر بعض الذين سألونا عن مصير هذه التسمية، وإنما كان أصحاب الرؤيا من أبناء بلدة «فاتيما» بالبرتغال، فأصبح اسم سيدة المسبحة وسيدة «فاتيما» يُطلَق على كنائس هذه الرؤيا لهذه المناسبة.

وبين الأعياد «الكاثوليكية» عيد يُسمَّى «عيد المِسْبَحة» يُحتفَل به في اليوم السابع من شهر أكتوبر كل سنة، تذكارًا لمعركة «ليبانتو» المشهورة التي وقعت في هذا التاريخ (سنة ١٥٧١) وانتصرت فيها أساطيل إسبانيا والبندقية وجنوا وصقلية ونابلي على الدوننمة التركية، ورُوِيَتْ عنها روايات كثيرة تتصل بشعائر المسبحة وتقاليد الدومينيكيين.

أما المسبحة الإسلامية فهي إحدى تقاليد أصحاب الطرق، ومنهم سرت إلى غيرهم من قراء أوراد التسبيح، وليست هي فريضة أو سُنَّة متواترة، ولكنها — كما تقدَّم — تقليد ظهر في أيام المولدين بعد انتشار الإسلام بين الأمم الفارسية والتركية.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.