أخصُّ ما تمتاز به الحياة العامة في الأمم الديمقراطية أنها لا تفرض على الشعب، وإنما تصدر عنه، وأن الشعب لا يساق إليها ولا يكره عليها، وإنما يسعى إليها راغبًا فيها مريدًا لها.

ومن هنا كانت الشعوب الديمقراطية مسئولة عن أعمالها، تستمتع بثمراتها كما تحتمل سيئاتها؛ لأنها هي التي أرادتها، لم يفرضها عليها أحد ولم يكرهها عليها عسف أو طغيان.

ومن هنا أيضًا كان من الطبيعي أن يقال للشعب الديمقراطي إذا تعرضت حياته للخطر: هلم دافع عن نفسك، وذُدْ عن كرامتك، واحتفظ بحريتك، وضحِّ بمجهودك وأموالك ونفوس أبنائك في سبيل شرفك وسيادتك.

يقال هذا الكلام للشعب الديمقراطي؛ فيقع في نفسه أحسن موقع ويبلغ من ضميره أعماقه، ويدفعه إلى العمل والجهاد والتضحية بكل ما يتطلبه الجهاد.

ويقال هذا الكلام للشعب الديمقراطي، فيذوقه الشعب ويفهمه ويجد لكل كلمة منه معناها الواضح الجلي. يحسُّ هذا المعنى إحساسًا قويًّا في كل عمل يأتيه أفراده مجتمعين أو متفرقين، وفي كل كلمة يقولها أفراده مجتمعين أو متفرقين أيضًا. ذلك أنهم يلاحظون أنهم في حياتهم اليومية يغدون أحرارًا ويروحون أحرارًا ويقولون أحرارًا ويعملون أحرارًا. يأتون من الأمر ما يريدون لا يردهم عنه راد، إلَّا القانون الذي وُضِع ملائمًا لحقوق الأفراد والجماعات وحريتها، منظمًا لهذه الحقوق والحرية. ويعرضون عما يريدون الإعراض عنه لا يدفعهم إليه دافع من غير أنفسهم، ولا يفرضه عليهم سلطان قوي جائر أو متعسف.

فكل فرد إذن إذا ثار للدفاع عن الوطن، فهو يدافع عن نفسه أولًا وعن وطنه ومواطنيه ثانيًا، ولا كذلك الشعوب التي يقهرها السلطان العنيف ويملك عليها أمرها؛ فيدفعها إلى ما يريد هو لا إلى ما تريد هي، ويصدها عما يريد أن يصدها عنه، وقد تكون هي شديدة الميل إلى أن تقدم إليه. هذه الشعوب تساق إلى الحروب كارهة لها وتخوض غمراتها زاهدةً فيها. وقد يتاح لها النصر ولكنها لا تستمتع به ولا تذوق لذته؛ لأنه نصر لم ينشأ عن إرادة، وإنما نشأ عن تكليف، وقد تقدر عليها الهزيمة فتتجرع مرارتها مضاعفةً؛ لأنها هزيمة لم تنشأ عن خطأ أقدم الشعب عليه وهو حر أو تقصير دفع الشعب إليه غير مكره، وإنما نشأت عن تحكم المتحكمين، وتعسف المتعسفين، واستبداد المتسلطين بما لا ينبغي لهم أن يستبدوا به. ومن هنا نلاحظ أن الشعوب الديمقراطية إذا خاضت غمرات الحرب كان من الطبيعي أن تظهر من أمور الحرب على كل شيء، وألَّا يخفي قادتها وساستها عليها شيئًا من الخير أو الشر؛ لأن هؤلاء القادة والساسة لا يحتملون وحدهم تبعات الحرب التي لم ينكروها، ولم يستبدوا بها، وإنما يحتملونها مع غيرهم من أبناء الشعب؛ لأن الشعب هو الذي أقدم على الحرب وكلفهم قيادتها وتدبير أمورها، فهم يطالعونه بأنباء الحرب أحرارًا متخففين من التبعات، وهم لا ينتظرون منه إلَّا ما ينتظره القائد المصيب من التشجيع والتأييد، أو ما ينتظره القائد المخطئ من اللوم والتثريب.

فأمَّا الشعوب التي تفرض عليها الحرب ولم تردها، وتدفع إلى القتال ولا رغبة لها فيه، فهي لا تعرف من أمر الحرب شيئًا إلَّا ما يريد أن يقول لها قوَّادها وسادتها، وهم لا يقولون لها إلَّا ما يريدون، ولا يظهرونها إلَّا على ما يحبون أن تظهر عليه، يتوخون في ذلك مصلحتهم أكثر مما يتوخون مصلحة الشعب، ويحرصون في ذلك على أن يجنبوا أنفسهم اللوم أكثر مما يحرصون على أن يبصروا الشعوب بأمرها، ويواجهوها بالحق الصريح.

وما أظن إلَّا أن الناس يلاحظون الفرق العظيم بين ما يتحدث به المستر تشرشل إلى الشعب البريطاني، وما كان يتحدث به الوزراء الفرنسيون قبل الهزيمة إلى الشعب الفرنسي، وما يتحدث به قادة الألمان والإيطاليين وسادتهم إلى الشعب الألماني والشعب الإيطالي. أولئك يصارحون الشعب بالحقائق، وينذرونه بالخطر، ويدلونه على مواطن الضعف، ويرشدونه إلى مصادر القوة، يقوون في نفسه الأمل، ولكنهم لا يضلونه ولا يخدعونه عما قد يخبئ له الغيب من أسباب القلق، وما يدعوه إلى التحفظ والاحتياط. وهؤلاء يزينون له الحرب ويرغبونه فيها ويهونون عليه الخسائر، ويحقرون له من أمرها ويهولون له أمر الفوز، ويسرفون له في تعظيم أمره. أولئك في حاجة إلى تأييد الشعب ونصحه، فهم يصارحونه بأن التأييد والنصح إنما يأتيان عن الرغبة لا عن الرهبة، وعن الإرادة لا عن الخضوع والإذعان. وهؤلاء يريدون الطاعة والانقياد، فهم لا يصارحون وإنما يهولون ويضللون؛ لأن الطاعة والانقياد إنما يصدران عن الخوف والرهبة لا عن الأمن والثقة والاقتناع.

هذه هي حالة الحرب في هذين النوعين من أنواع الشعوب؛ قوم يحاربون؛ لأنهم لا يجدون من الحرب بدًّا، ولأن كرامتهم ومصالحهم وحرصهم على حياتهم الحرة المستقلة تدفعهم إلى أن يحاربوا. وقوم آخرون يحاربون لأنهم لا يجدون من الحرب بدًّا، ولأنهم إن لم يحاربوا فسيتعرضون لأنواع الهول في حياتهم الداخلية، إن لم تقتلهم أسلحة العدو فستقتلهم أسلحة القادة والسادة من المواطنين. وهناك نوع ثالث من الشعوب يتردد بين هذين النوعين، ويضطرب بين هذين الفريقين، له من الحرية ظاهرها ومن الديمقراطية أشكالها وصورها، فإذا تحققت أمره لم تجد حريته إلَّا كلامًا، ولم تجد ديمقراطيته إلَّا لونًا من ألوان اللعب.

فإذا ألمت الحرب بساحة شعب من هذه الشعوب؛ فهو معرض لأشد الأخطار وأعظمها نكرًا كذلك؛ لأن ظواهر أمره تصوره على أنه يثور إذا حارب لحريته وكرامته وحياته المستقلة، وحقائق أمره بعيدة كل البعد عن هذا؛ لأنه لا يشعر بحريته، ولأنه لا يجد كرامته موفورة، ولأنه لا يطمئن إلى حياته المستقلة. فهو يحارب مأمورًا، وهو يجاهد مدفوعًا إلى الجهاد، على حين يظن الناس به أنه يحارب حفاظًا للوطن وذيادًا عن الحقوق. وهو خليق أن يتعرض لكل ما يتعرض له من يقدم على عظائم الأعمال في غير إيمان ولا اقتناع، فهو ظاهر القوة خفي الضعف. وهو مقدم فيما ترى العين ومحجم فيما يرى العقل وفيما يحس الضمير.

يقول له قادته وسادته: هلم دافع عن حريتك! فيقول لسانه: نعم، ويقول قلبه: أين هي الحرية التي أُراد على أن أدافع عنها؟! يقول له رؤساؤه ومدبرو أمره: هلمَّ احتفظ بكرامتك! فيقول لسانه: نعم، ويقول قلبه: إني لا أجد لهذه الكرامة طعمًا ولا أحس لها ذوقًا، وإذا لم يكن بدٌّ من الاحتفاظ بالكرامة فما ينبغي أن أحارب هذا العدو الخارجي، وإنما ينبغي أن آخذ هذه الكرامة من الرؤساء والقادة قبل كل شيء. ويقول له قادته ومدبرو أمره: هلم ذُد عن حياتك المستقلة! فيقول لسانه: نعم، ويقول قلبه: إني أحب أن أكون حرًّا مستقلًّا فيما بيني وبينكم من الصلة؛ لأكون حرًّا مستقلًّا فيما بيني وبين الأجانب من الصلات. حتى إذا جدَّ الجِد وأقبل الهول؛ رأيت قومًا يقدمون على غير ثقة، ويجاهدون في غير إيمان بالجهاد، ويتعرضون لكل ما يتعرض له غير المؤمنين من الفشل والضعف، ومن التهالك والتخاذل، ثم من الإذعان والاستسلام.

والشعوب التي تخضع للسلطان الغاشم خضوعًا صريحًا جليًّا، قد تجد في هذا الخضوع نوعًا من الإيمان بغيضًا لا يليق بالإنسانية الكريمة، ولكنه مع ذلك يقنعها ويدفعها إلى العمل والاستماتة في الجهاد. وقد ظهر شيء من ذلك في هذه الحرب، فقد رأى الفرنسيون من أعدائهم في موقعة فرنسا عجبًا من العجب: رأوا ألوفًا من الناس، بل مئات الألوف يقبلون على الموت متهافتين عليه متساقطين فيه كما تتساقط الفراش في النار، لا يحفلون بمكروه ولا يحجمون عن بأس، وهم ينطقون بكلمة واحدة هي اسم زعيمهم الطاغية الألماني.

والشعوب قد تؤمن بالضلال وتتفانى في سبيله، ولكن الشر كل الشر ألَّا تؤمن الشعوب بالضلال ولا بالهدى، وأن تقف حائرة مترددة بين ذلك، لا تجد من إيمانها واقتناع ضمائرها ما يدفعها إلى هذا النحو أو ذاك.

هذا هو الخطر كل الخطر، هذا هو الشر كل الشر، فإنك لا تطلب من الفرد أن يزهق نفسه أو يريق دمه إلَّا أن يكون ذلك سبيلًا لبلوغ مثل أعلى وطريقًا إلى تحقيق أمل عزيز على النفس حبيب إلى القلب، يهون في سبيله أن تزهق النفوس وتراق الدماء.

وإذن، فماذا يجب أن نفعل نحن، وقد أخذت نذر الحرب تصيح بنا من كل وجه، وجعلت أخطار الحرب تسعى إلينا من كل مكان، وأصبح من أشد الأشياء جوازًا وأعظمها احتمالًا أن نصلى نارها راضين أو كارهين. أظنُّ أن الجواب على هذا السؤال يسير لا عسر فيه، وقريب لا يحتاج إلى تفكير طويل. فنحن أمة ديمقراطية ليس في ذلك شك، قد بذلنا في سبيل الديمقراطية جهودًا عنيفة، واحتملنا في سبيلها أعباءً ثقالًا، وضحينا في سبيلها بالشيء الكثير. ولو خُيِّرنا بين الديمقراطية وأي نظام آخر من نظم الحكم لما ترددنا في الاختيار، فقد اخترنا منذ عهد بعيد.

نحن إذن أمة ديمقراطية نحب حريتنا ونحرص عليها، نؤثر كرامتنا ونحتفظ بها مهما يكلفنا ذلك من ضروب المشقة والعناء، وما أشك في أننا لا نتردد إذا تعرضت ديمقراطيتنا للخطر وللحظر الذي يأتيها من الأجنبي في أننا سنضاعف الجهد ونمضي في التضحية إلى أبعد غاية؛ لنرد العدوان عن هذه الديمقراطية ونحميها من الضياع.

كل هذا حق لا شك فيه، ولكن هناك حقًّا آخر لا شك فيه، وهو أن كثيرًا جدًّا من أفراد الشعب المصري يشكون في أنهم يستمتعون بالديمقراطية حقًّا، ولا تطمئن قلوبهم إلى أنهم يأخذون من نعمة الديمقراطية نصيبهم المقسوم لهم، وقد يعتقدون أن الديمقراطية المصرية مباحة لفريق من المصريين ومحظورة على فريق آخر. فإذا جدَّ الجد وأقبل الهول؛ فمن أشد الخطر وأقبح النكر أن نستقبل الخطوب وقلوبنا مختلفة، وضمائرنا متباعدة، وإيماننا بالمثل الأعلى الذي نراد على أن ندافع عنه ليس مشتركًا ولا سواءً.

فإذا كان هناك واجب ينبغي أن ننهض به قبل أن يأخذنا الخطر من جميع أقطارنا، فهو أن نؤلف بين هذه القلوب المختلفة ونلائم بين هذه الأهواء المتباينة، ونقنع الضمائر المصرية كلها؛ لأن الديمقراطية المصرية ليست لعبًا وإنما هي الجد كل الجد، وبأن الديمقراطية المصرية ليست وقفًا على فريق من المصريين دون فريق، وإنما هي حظٌّ مشترك بين المصريين جميعًا، وبأن العدل السياسي والاجتماعي ليس شجرة يستظل بها أولئك دون هؤلاء، وإنما هي شجرة مباركة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وهي تظل المصريين جميعًا، ولعلها تستطيع أن تظل غير المصريين أيضًا. وبأن الحقوق السياسية والاجتماعية التي يسجِّلها الدستور المصري للمصريين ليست مباحة لأولئك دون هؤلاء، وكما أن الواجبات السياسية والاجتماعية ليست مفروضة على أولئك دون هؤلاء، وكما أن الواجبات التي ستطلبها الحرب إن اضطررنا إليها لن تفرض على أولئك دون هؤلاء.

وقد تسألني: كيف السبيل إلى تحقيق هذه الوحدة وإشاعة هذا الإيمان بين المصريين جميعًا؟ وجوابي على ذلك يسير، وهو أن هذا السؤال لا ينبغي أن يوجه إليَّ أنا وإنما ينبغي أن يوجه إلى الذين يعنون بأمور السياسة المصرية، ويقفون عليها ما يملكون من وقت وجهد.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.