خَبَران في صحف اليوم من أهم الأخبار التي يُمكن أن يكشفها العلماء؛ لأن الخبرين معًا يتعلقان بسرِّ الحياة.

خبر يقول إن بعض العلماء وصل إلى تكوين المادة الحية بالوسائل الصناعية.

وخبر آخر يقول إن العذراء تلِد، وإنها ليست بعذراء واحدة بل خمس عذراوات.

ونظن أننا سنقول مرة أخرى عن الخبر الأول ما قلناه عن بعض الأخبار التي طيَّرها البرق وزعم أنها حادث من حوادث الكشوف العلمية الجديدة: قديمة!

قديمة هذه الحكاية عن المادية الحية التي تُصنع في المعامل، فمنذ سنة ١٨٢٨ استطاع العالِم الألماني وهلر Wohler أن يصنع المادة العضوية لأنه صنع اليوريا اﻟUrea أو البولينا.

ولكن الفرق بعيد جدًّا، بل بعيد جدًّا جدًّا، بين صُنع جرثومة الحياة وصنع المادة التي تُوجد في الأجسام الحية؛ فإن الماء يوجد في الأجسام الحية ولا يُعَدُّ صنعه دليلًا على صنع الحياة.

وأحدث ما وصل إليه العلماء من هذه التجارب لم يتقدم خُطوة واحدة بعد تلك التجربة التي أجراها العالِم الألماني منذ أكثر من قرن وربع قرن، فقبل سنتين تخيَّل العالِم الأمريكي ستانلي ميلر Stanley Miller عناصر الجو الأرضي منذ مليون سنة فاعتقد أنها هي الأمونيا والميثين والهيدروجين والماء، فوضعها في قارورة وعرَّضها مرارًا للشرر الكهربائي، فتولَّد فيها بعض الأحماض التي تدخل في تكوين البروتين أساس المادة الحية.

وهذا هو كل ما هناك من جديد.

أما خلق الخلية الحية التي تتغذى وتنقسم للتوالد وتنقل الموروثات من الأصول إلى الفروع فالقول بخلقها اليوم كالقول بخلق الضفادع من الطين والبخار قبل مائتي سنة.

حديث خرافة على لسان البرق الكَذُوب!

ولكن الخبر الآخر أقرب إلى الاحتمال من الخبر الأول، ونعني به ولادة العذراء.

ليس هذا بمستحيل، وإن كان ممكنًا قليل الاحتمال.

ويدعو إلى اعتقاد إمكانه أن الأمور الآتية كلها من الحقائق المقررة وهي:

أولًا: أن الحيوانات التي يَجمع الحيوان منها خصائص الذكر والأنثى معروفة.ثانيًا: أن هرمونات الذكورة والأنوثة توجد في جسم الرجل والمرأة.ثالثًا: أن الصبغيات الجنسية Chromosomes تتشابه في الذَّكَر والأنثى إلا في بعض الصبغيات التي تأتي من خلية الذكر فإنها تشبه حرف الواي Y ولا تشبه حرف الإكس X … وإن صبغيات «الواي» ليست هي التي تُحدث الانقسام في الخلايا لتكوين جسم الجنين وإنما يُحدثه التِقَاء أربعة وعشرين صبغي من الرجل وأربعة وعشرين صبغي من المرأة.رابعًا: أن الجنين الأنثى يتولد من صبغيين جنسيين بشكل حرف الإكس X، وأن بعض النساء تغلب عليه خصائص الرجال، وبعض الرجال تغلب عليه خصائص النساء.

فإذا حدث في الندرة النادرة أن الصبغيات الأنثوية شابهت بعض المشابهة صبغيات الذكر حدت الانقسام بين الخلايا، ولم تكن النُّدرة هنا خارقة للمعقول مع الفرض البعيد.

ولا بد للقول بالاستحالة من سبب مقرر، ولا يكفي أنه نادر جدًّا للحكم باستحالته، فإن البغلة تلد وتُحصى حوادث ولادتها في التاريخ، ولا يقال إنها مستحيل.

وخير ما يُستفاد من هذا الخبر أنه «يُعلِّم الأدبَ» مَن ينسونه باسم العلم، فيذكرون أن أسرار الحياة أخفى من أن تحيط بها العقول.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.