رئيس وزارتنا يستريح في ضيعة من ضياعه في كفر الدوار، واللورد ستانسجيت يستريح في ضيعة من ضياع الإمبراطورية البريطانية في جزيرة قبرص، وهذه الغانية الحسناء التي تسمى المفاوضات قد استعارت من إله الأساطير اليونانية القديمة نعليه المجنحتين، فهي تطير بهما حائرة بين الإسكندرية ولندرة وباريس. أمَّا الشعب المصري فهو لا يستريح؛ لأنه لا يملك ضيعة يستريح فيها، وهو لا يستريح؛ لأنه لا يستطيع أن يكف عن الشكوى من الألم، ولا أن يمتنع من المطالبة بالحق.

وما أحب أن أزعج رئيس الوزراء في اعتكافه وراحته ومحاسبته لنفسه. وما أحب أن أزعج المفاوض البريطاني في تروضه واستمتاعه بما في قبرص من مناظر رائعة في القمم والسفوح. وما أحب أن أنغص على الغانية الحسناء المفاوضات تنقلها في أجواء السماء وتنزلها من السماء مرة بعاصمة الإنجليز ومرة بعاصمة الفرنسيين. وما أحب أن أدعوها إلى أن تعود إلينا، فأنا أشفق عليها من قيظنا المحرق وصيفنا المرهق، وأشفق على المصريين من هذا الإلحاح الذي لا يلائم كرامة الرجال، وهذا الإلحاف الذي لا يلائم عزة الشعوب العزيزة مهما تكن الغانية حسناء ومهما يكن حظها عظيمًا من رقة الشمائل وخفة الروح وسحر الجمال.

ونحن قوم لا نحب التهالك حتى حين يكون الجمال رائعًا، ولا نحب التذلل حتى حين يكون الحسن بارعًا، ولا نحب إراقة ماء الوجوه حتى حين تكون الفتنة ساحرة للقلوب فتَّانة للعقول مستهوية للألباب. وإنما نحن كشاعرنا العربي القديم حين يقول في صاحبته الحسناء القديمة:

أَرَثَّ جَديدُ الحَبْلِ مِنْ أُمِّ معبدِ

بعاقِبَةٍ وأخْلفَتْ كلَّ موْعِدِ

وبانَتْ ولَمْ أَحْمَدْ إليْكَ لِقَاءَهَا

ولَمْ أَرْجُ منها رَجْعَةَ اليَوْمِ أوْ غَدِ؟

فلتبن أم معبد إذن إلى غير رجعة، ولتقم في ربوع أوروبا ما شاء الله لها أن تقيم، وليسترح رئيس وزرائنا في ضيعته ما أعجبته الراحة، وليتروض المفاوض البريطاني في قبرص أيامًا تقصر أو تطول، فليس في شيء من هذا كله غناء، وليس في شيء من هذا كله نفع، وإنما هي أيام تلهو وقوم يلعبون. ولنتحدث إلى وزير المعارف في شيءٍ غير هذا كله، في شيء لا يتصل بهذه الغانية الحسناء النافرة من قريب ولا بعيد، وإنما يتصل بغانية أخرى ليست أقل منها جمالًا باختلاف الناظرين إليها: فهو رائع بارع حين ينظر إليها الشعب، وهو سمج شائه حين ينظر إليه المترفون. وهذه الجميلة القبيحة والخفيفة الثقيلة والحبيبة البغيضة تسمى مجانية. قد تعلقت بها نفس الشعب منذ وقت بعيد، فسعى إلى ودِّها جادًّا في السعي، وطلب القرب منها ملحًّا في الطلب، وتجشَّم في سبيل ذلك أهوالًا، واحتمل في سبيله أعباءً ثقالًا. ونغَّص عليها حبها نهاره المشرق، وأرَّق عليه حبها ليله المظلم. ولم يكن في ذلك بدعًا من الشعوب، فالشعوب كلها مشغوفة بهذه الفتاة، هائمة بحبها، قد ضحَّت في سبيل الوصول إليها بالراحة والأمن، واحتملت للوصول إليها المشقة والخوف، وظفرت منها آخر الأمر بما كانت ترجو، ونالت منها آخر الأمر ما كانت تريد. ولم تكن الشعوب ترجو منها إلَّا ابتسامة راضية، ونظرة مرضية، وعطفًا يملأ القلوب أمنًا واطمئنانًا. وقد خُيِّل إلى الشعب المصري ذات يوم أنها قد أخذت تنظر إليه باسمة، وتلحظه مترفقة، فشاع في نفسه الرضا واستقر في قلبه الأمن. ولكن نظر فإذا هذه الغادة الحسناء الشوهاء تُزجر عنه زجرًا، وتُطرد عنه طردًا، وتُنفى من أرضه نفيًا مهينًا. وإذا هو يستأنف حزنه المهلك، وجرعه المضني، ويشكو همه وبثه إلى الله، ويطلب إلى الكتَّاب القادرين على أن يتوسطوا بينه وبين السادة الحاكمين أن يمنحوه المعونة ويؤثروه بالمعروف، ويرفعوا شكواه إلى الوزراء، لعل قلوبهم القاسية أن تلين، ولعل نفوسهم الصلبة أن ترق، ولعلهم أن يخلُّوا بين الشعب وبين هذه الغادة الحسناء الشوهاء التي سحرت لُبَّه سحرًا وفتنت قلبه فتونًا! وقد حدثني هذا الشعب البائس وطلب إليَّ أن أحدث وزير المعارف وزملاءه الوزراء بأنه لم يشقَ قط بحب هذه الحسناء الشوهاء كما شقيَ به في هذه الأيام الشداد. فالحياة عسيرة، والضيق شديد، والبؤس جاثم على الصدور، والعين بصيرة واليد قصيرة، والنقد في مصر كثير، ولكنه لا يتاح إلا لقلة قليلة وجماعة ضئيلة من الناس. وفي قدرة هذه الغادة الحسناء الشوهاء إن أُتيحت لها الإقامة في مصر أن تسلي الشعب عن بعض همه، وأن تحط عن الشعب بعض ثقله، وأن تبسم له فيبسم له الدهر، وأن تعطف عليه فتعطف عليه الأيام، وأن يمسه بيدها الناعمة الخشنة فتنجلي عنه الغمرات وتنجاب عنه الخطوب.

وقد حدثني هذا الشعب البائس، وطلب إليَّ أن أتحدث إلى الوزراء بأنه يستقبل شهر الصوم محزونًا كئيبًا. وكلما مضى يوم من هذا الشهر الكريم ازداد حزنه واشتدت كآبته وتكاثفت أمامه الهموم واثَّاقلت عليه الخطوب؛ لأن هذا الشهر الكريم يحب الإنفاق والتوسعة على العيال، ولأنه لا ينتهي كما تنتهي الشهور إلى يوم من الأيام اليسيرة البسيطة، وإنما ينتهي إلى يوم معلوم قد جعله الله عيدًا للأغنياء والفقراء والموسرين والمعسرين على السواء. والأعياد تحب الإنفاق أكثر مما يحبه شهر الصوم، وتقتضي من التوسعة ما لا يقتضيه شهر الصوم، فلا بدَّ من كسوة النساء والأطفال وإمتاعهم القليل أو الكثير من الطرف. فإذا لم يفعل الآباء ذلك؛ عبست وجوه من حقها أن تبسم، وحزنت قلوب من حقها أن تفرح، وامتلأت بالدموع عيون من حقها أن تمتلئ بهجةً وسرورًا.

وقد حدثني هذا الشعب البائس، وطلب إليَّ أن أحدث وزير المعارف وزملاءه بأن الآباء حائرون، لا يدرون كيف يوسعون على عيالهم في شهر الصوم، وكيف يرفهون عليهم حين يقبل العيد؛ لأن كثيرًا منهم لا يجدون ما ينفقون. وهم حائرون لا يدرون أيحتالون لنفقات رمضان، أم يحتالون لنفقات العيد، أم يحتالون لنفقات التعليم؛ لأن المدارس ستفتح أبوابها بعد العيد بقليل!

وقد حدثني هذا الشعب البائس، وطلب إليَّ أن أحدث وزير المعارف وزملاءه بأن قد كان له حظٌّ من أمل حين أُتيحت للأطفال والصبية مجانية التعليم الابتدائي. وكان يظن، بل كان يعتقد واثقًا أن ستُتاح لهؤلاء الأطفال والصبية مجانية التعليم الثانوي، ولكنه ينظر فإذا ظنه يكذب وإذا أمله يخيب وإذا المجانية تُلغى إلغاءً ويُضيَّق عليها حتى لا تستطيع أن تتنفس. وإذا أضيق الناس يدًا وأشدهم بؤسًا مخير بين اثنتين: إمَّا أن يرد ابنه عن التعليم، وإمَّا أن يدفع لوزارة المعارف أكثر من سبعة جنيهات ثمنًا للغذاء والأدوات والعناية بصحته، وأجرًا للعبه أيضًا. وأين يريد وزير المعارف وزملاؤه أن تجد كثرة الشعب البائس هذا المقدار من المال لتؤديه إلى الدولة التي نيفت مصروفاتها على المائة من الملايين.

ليس يعنيني أن تكون الوزارة القائمة قد سارت سيرة الوزارة الوفدية أو انحرفت عنها. وأمَّا الذي يعنيني هو أن الوفد قد وضع أساسًا لتيسير التعليم للمصريين جميعًا، وكان يجب البناء على هذا الأساس، وكان يجب أن تخطو الحكومات التي جاءت بعد حكومة الوفد خطواتٍ جديدة واسعة، ولكن الشيء المحقق أن هذه الحكومة لم تبنِ وإنما تأخرت. وليس يعنيني أن يكون مجلس التعليم الأعلى قد أقرَّ أو لم يقرَّ خطة وزير المعارف، فليس المجلس الأعلى معصومًا من الخطأ، وليس بين أعضائه من يضيق بسبعة جنيهات، وليس بين أعضائه من يعرف لذة الجوع، وليس بين أعضائه من يعرف انكسار النفس حين يُردُّ ابنه عن المدرسة؛ لأنه لم يدفع المصروفات، فيعود إليه باكيًا تغسل الدموع الغزار وجهه الصغير. فإقرار المجلس الأعلى لهذا النظام لا يجعله صالحًا، ورفضه لهذا النظام لا يجعله فاسدًا. والأصل الوحيد الذي ينبغي أن يرجع إليه وزير المعارف هو أن التعليم حق للناس جميعًا، وأن على الدولة أن تيسره لهم، بل أن تكفله لهم، وأن تزيل من طريقهم العقبات. وأن مصر هي البلد الوحيد في هذا العصر بين بلاد العالم، البلد الوحيد الذي يشقى الشعب فيه بنفقات التعليم. ولا ينبغي لوزير المعارف ولا لوزير المالية ولا لرئيس الوزراء أن يحتجوا بضيق الميزانية، فالميزانية الضيقة يمكن أن تتسع، بل يجب أن تتسع حين تقتضي ذلك مصالح الشعب. ولست أدعو إلى الشيوعية ولا إلى الاشتراكية، بل لست أتجاوز حدود الديمقراطية الضيقة المعتدلة الملحة في الاعتدال حين أطالب الحكومة بأن تعفي المصريين، لا من نفقات التعليم وحده، ولكن من نفقات الغذاء أيضًا. فإن ضاقت الميزانية فعلى الدولة توسيعها بفرض ما تقتضيه المصلحة من الضرائب، فإن لم تفعل الدولة فهي مقصِّرة، والحكومة التي تحتمل هذا التقصير ليست خليقة بالبقاء في مناصب الحكم.

ليصدقني وزير المعارف وزملاؤه أنهم يزعمون أنهم يريدون محاربة الجهل والفقر والمرض. فالخطوة الأولى في سبيل محاربة هؤلاء الأعداء الثلاثة، إنما هي أن نعلم الصبية والفتية ونكفل لهم طعامًا مريئًا ولعبًا هنيئًا وصحةً موفورة، دون أن نتقاضى من آبائهم على ذلك أجرًا يعجز أكثرهم عن أدائه.

فليتوكل وزير المعارف على الله، وليستقبل أمره حازمًا، وليهدِ إلى الشعب بقرارٍ من مجلس الوزراء هذه الهدية القيمة التي لا تكلفه ولا تكلف زملاءه شيئًا، وإنما تكلف الشعب نفسه أعباءً جديدة يحملها راضيًا. وهذه الهدية هي المجانية الشاملة الكاملة للتعليم. فإن لم يستطع — ولست أدري لماذا لا يستطيع — فلا أقل من أن يُعفى الناس من هذه النفقات الإضافية، فإن لم يفعل فليثق بأنه لا يحارب الجهل والفقر والمرض، وإنما يمنحها قوةً إلى قوةٍ وانتشارًا إلى انتشارٍ.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.