لم ينشط للعب النرد كما تعوَّد أن يفعل كلما لقي أنداده في ناديهم حين يرتفع الضحى من كل يوم؛ فقد كان سريعًا إلى الاستجابة كلما دعاه إلى هذا اللعب واحد من هؤلاء الأنداد. ربما سبق هو إلى الدعاء فتخيَّر من أصحابه هذا أو ذاك ودعاه في شيء من التحدي إلى عشرة من هذه العشرات التي يُضيِّع الفارغون فيها بعضَ ما يثقل عليهم من الوقت، وربما أصبح واترًا أو موتورًا فدعا خصمه إلى المبارزة أو دعاه خصمه إلى المبارزة ليصلحا ما كان من الهزيمة التي تفرقا عنها أمس حين أقبل الليل وصرفتهما عن اللعب شئون الجد أو شئون الفراغ.

ولكنه في ذلك الضحى لم ينشط للعب … لم يَدْعُ أحدًا ولم يستجب لأحد، وإنما آثر الإقبال على الحديث والاستماع في غير جهد يسير أو ثقيل، ولاحظ منه أصحابه هذا الفتور ولاحظوا أنه كان يصغي إلى أحاديثهم بإحدى أذنيه، فيسمع حينًا ولا يسمع أحيانًا، ويفهم قليلًا ولا يفهم كثيرًا، ولا يشارك فيما كانوا يخوضون فيها إلا مشاركة ضئيلة ذاهلة كأنما حضر مجلسهم بجسمه وأرسل نفسه أو انصرفت عنه نفسه إلى بعض ما يهم من الأمر يلتمسه في مكان مجهول من السماء أو في مكان بعيد من الأرض!

فلما طال منه ذلك على أصحابه؛ قال له أحدهم في صيحة متضاحكة: ما خطبك؟! إنك لمشغول بأمر ذي خطر منذ اليوم. قال، وقد ثابَتْ إليه نَفْسُه وجعل لسانه يدور في فمه دورانًا بطيئًا بما كان يقول: لم أُشْغَل بأمر يسير ولا خطير، وإنما أنا مُتْعَب مكدود؛ لأني أنفقتُ ليلة بيضاء أو كالبيضاء لم أذق فيها النوم إلا غرارًا، وكنت أنت مصدر ذلك الأرق الذي شقيتُ به أثناء الليل ومصدر هذا العناء الذي أشقى به منذ اليوم!

قال صاحبه متضاحكًا: أنا؟! وكيف كان ذلك؟! قال بعض القوم مُغْرِقًا في الضحك، وقد ذكر عهد المدرسة الثانوية: زعموا أن … ثم أقبلَتِ الجماعةُ على الباشا المُتعَب المكدود يريدون أن يعرفوا قصته ويتبينوا لماذا أرق في ليله وشقي في نهاره …

ولكن الباشا ظلَّ مشرد النفس معقود اللسان، قد ثبتت على ثغره ابتسامة شاحبة تريد أن تتكلف الابتهاج فلا تخرج من الاكتئاب، فلما ألح القوم عليه في المسألة قال لصاحبه في صوت فاتر: ألا تذكر ذلك البيت الذي أنشدته أمس حين كنا نتحدث عن بعض ما قرأنا في الصحف، قال صاحبه مبتسمًا:

لا تَظْلِموا الموتى وإنْ طالَ المدى

إنِّي أخاف عليكمو أن تلتقوا

قال الباشا: هو ذاك، فاعلم إن كان هذا يسرك أني قد لقيتُ بعض الموتى من ليلتي هذه، هنالك أغرقَتِ الجماعةُ في ضحك متصل ضاق به الباشا أشد الضيق، وكاد يترك له مجلسه لولا أن ثاب إلى القوم بعضُ الهدوء، ولكن بعضهم مع ذلك جعل يقول لبعض: كيف لقي الموت من ليلته هذه؟! فإن الأحياء لا يلقون الموتى وهم أحياء، وإنما يمكن أن يلقوهم في الدار الآخرة بعد أن يفارقوا هذه الحياة، وما إلى غير هذا قصد أبو العلاء.

قال الباشا: لا أدري إلامَ قصد أبو العلاء، ولكني لقيتُ بعض الموتى من ليلتي هذه ولم ألقَهم مرة ولا مرتين وإنما لقيتهم مرات، وكان فيهم أبو العلاء، وقد ضِقْتُ بلقائهم أشد الضيق حتى وثبتُ من سريري وهجرتُ غرفة نومي وتكلفتُ من العمل ما يَحُول بيني وبين النوم إلى أن ينقضي الليل ويُقْبِل الصبح، وخرجتُ من داري ضيقًا بالنوم واليقظة جميعًا أَجِدُ من الجهد والإعياء ما يُحَبِّب إليَّ النوم، وأَجِدُ من القلق والخوف ما يُبَغِّض إليَّ النوم.

قال بعض القوم: أضغاث أحلام. وقال بعض القوم: فهلا استشرتَ الطبيب؟! وقال بعض القوم وهو يُخْرِج من جيبه علبة صغيرة: خُذْ واحدًا من هذه الأقراص؛ فإذا أويتَ إلى مضجعك بعد الغداء، فستُقْبِل على نوم هادئ مريح يضع عنك ثقل الأرق وثقل ما تَجِد الآن من الجهد.

قال مُنْشِد البيت: ولكن اقصص علينا رؤياك، فمن يدري لعلنا نجد لها تأويلًا، ولعل هذا التأويل أن يكون خيرًا من استشارة الطبيب واتخاذ الدواء.

قال الباشا: لقد سمعتُ هذا البيت، ولا أدري لماذا استقر في قلبي فلم ينصرف عني ولم أنصرف عنه إلى آخر السهرة، ولم ينصرف عني ولم أنصرف عنه منذ افترقنا إلى أن بلغتُ الدار وآويتُ إلى مضجعي، وإنما كان يدور في قلبي كما تدور النَّحْلة التي يلقيها الصبي، ولولا أني كنتُ أدفع نفسي أشد الدفاع لتردَّدَ على لساني تردُّدًا متصلًا، ولكني صبَّرْتُ نفسي عليه وعقدتُ لساني عن النطق به، وحاولتُ أن أنصرف عنه إلى غيره من الشعر أو إلى غيره من الخواطر فلم أستطع، وإنما وجدتني أدخل في النوم وقد نسيتُ أحد شطريه وجعل شطره الآخر يتردَّد في نفسي:

إني أخاف عليكمو أن تلتقوا … أن … أن … أن تلتقوا …

ثم أفقد نفسي، ثم أراني في مكان لا أذكر منه إلا أنه كان بعيد الأرجاء، مترامي الأطراف، يمتد البصر فيه إلى أبعد مدى دون أن يرى شيئًا يقفه أو يحده، وقد ترقرق في هذا المكان الواسع المنبسط ضوء ليس بالناصع ولا بالساطع، إنما هو شيء شاحب يكاد يبلغ القتمة، وهو على ذلك يشيع في النفس حزنًا وحسرة وأسى.

وأرى جماعات متفرقة هنا وهناك لا يتحدثون فيما بينهم إلا همسًا، أرى أنهم يتحدثون ولا أسمع مما يقولون شيئًا، ثم أرى صديقنا ذاك الذي أنشدتنا بيت أبي العلاء بعد أن قرأتَ علينا ما نشرتْ له الصحف، أراه مقبلًا يشتد كأنه الطفل يعدو هربًا من شر يجدُّ في أثره، حتى إذا كاد يبلغني أومأ إليَّ إيماءة فيها شيء من خوف كأنه يستفتيني، ولا أكاد أهم بتحيته وسؤاله حتى أراه قد وقف فجأة كأنما لصقت قدماه بالأرض، ثم أنظر فأرى شخصين أعرفهما وتعرفونهما قد أقبلا يسعيان في هدوء وعلى ثغرهما ابتسامة فيها قليل من غضب وكثير من سخرية، فأما أحدهما فسعى حتى بلغ صديقنا ذاك فقام عن يمينه وأخذ بأذنه اليمنى، وأما الآخر فقام عن شماله وأخذ بأذنه اليسرى، وجعلا يعركان أذنيه عركًا شديدًا وهو يتضور بينهما يريد أن يخلص منهما فلا يَجِد إلى ذلك سبيلًا. يقول له أحدهما: لقد أضفتَ إليَّ مِنَ القول ما لم أقُلْ. ويقول له الآخر: لقد أضفتَ إليَّ من العمل ما لم أعمل. ثم يقول له أحدهما: لقد تحدثتَ عن قلبي بما لا علم لك به. ويقول له الآخر: لقد أهدرت ما كان لي عليك من حق الوفاء.

وهو يتململ ويتضور يريد أن يستأخر أو يستقدم فلا يستطيع، يريد أن يتضاءل حتى يلتصق بالأرض لعله يخلص أذنيه من أيديهما فلا يستطيع أن يشكو أو يعتذر أو يخفف عن نفسه بالصياح بعض ما يجد من الألم فلا يستطيع، وإنما ترتسم على وجهه آيات منكرة تصور الروع والهول والألم الذي لا سبيل إلى وصفه، ورجل رزين رصين نعرفه كلنا قد قام غير بعيد ينظر ويبتسم في هدوء لا يقول شيئًا، وأهم أن أسعى إلى صديقنا لعلِّي أن أرُدَّ عنه شرًّا، ولكني أسمع صوتًا، فالتفتُّ وإذا شيخ ضرير قد جلس على الأرض وانعطف أعلاه على أسفله، وجعل يعبث بأصابعه في التراب وهو ينشد شعرًا لم أسمعه قط، ولكني أفقتُ من نومي مذعورًا وقد حفظتُه:

ومهما كان في دنياك أمر

فما تخليك من قمر وشمسِ

وآخرها بأولها شبيه

وتصبح في عجائبها وتمسي

قدوم أصاغر ورحيل شيب

وهجرة منزل وحلول رمسِ

إذا قلتُ المحال رفعتُ صوتي

وإن قلتُ اليقين أطلتُ همسي

ويهم بعض القوم أن يتكلم، ولكن الباشا يمضي في حديثه قائلًا: لقد هببتُ من نومي ضيقًا بهذا الحلم ولم أشُكَّ في أنه الكابوس، فأخرج من سريري، وأمشي في غرفتي ذاهبًا جائيًا، وأشغل نفسي ببعض القراءة، حتى إذا أحسستُ الحاجة إلى النوم أويتُ إلى مضجعي، وما أكاد أغفل حتى أرى هذا المنظر، فأثوب إلى اليقظة مروعًا وأعود إلى القراءة، ثم إلى النوم ثم إلى اليقظة … أفعل ذلك مرات أربعًا، ثم أستيئس من الراحة فأترك الغرفة وأفزع إلى مكتبي وأنفق فيه سائر الليل، ويسألني أهلي عن مكاني من هذا المكتب قبل إبان العمل فأخفي عليهم الأمر وأصرف عنهم القلق، وأزعم لهم أني سهرتُ لبعض العمل وأغرقتُ فيه حتى نسيتُ الليل والنوم.

ثم يتجه إلى منشد البيت قائلًا: ألا ترى أنت؟! أنت مصدر ما شقيتُ به من أرق وما أشقى به الآن من عناء. قال صاحبه وعلى ثغره ابتسامة ساخرة ماكرة: لن أنشدك منذ الآن شعرًا إذا أقبل الليل، ولكني أنصح لك بأن تستشير طبيب الأعصاب لعله يَرُدُّ عليك الهدوء، وبأن تقص رؤياك على صدقي باشا لعله يتجنب في مذكراته حديث الموتى:

لا تظلموا الموتى وإن طال المدى

إني أخاف عليكمو أن تلتقوا

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.