أجل منسي، ومنْ حَقِّه أن يكون مذكورًا، وأن يلهج باسمه الذين يتحدثون عن الشعر والشعراء في هذا العصر الحديث؛ فقد كان علَمًا من أعلام الشعر، وكان قدوة لفحول شعرائنا في آخر القرن الماضي وفي أول هذا القرن، ولكن حظوظ النَّاس تَخْتَلف في الذكر والنِّسيان، وفي الإقبال والإهمال كما تختلف في كل شيء.

ولا تُحدثني عن التاريخ وإنصافه؛ فإنصاف التاريخ مقدور بذكاء الذين يصنعونه أو يعيشونه، وبإخلاص الذين يكتبونه، والتاريخُ عملٌ منْ أعمال النَّاس يجري عليه ما يجري على أعمالهم من الصدق والكذب، ومن الإحسان والإساءة، ومن الإنصاف والجور.

وأشهدُ لقد جارَ الذين أرَّخُوا للأدَبِ في هذه الأيام على هذا الشاعر العظيم فلم يقدروه قدره، ولم يُعطوه حقَّه مِنَ العِناية به، والإشادة بِشِعْره، كما يعنون بشعر الفُحول من شُعَرائنا، ويُشيدون بقصائدهم وأبياتهم في كل موطن، وفي غير موطن أيضًا. وعسى أن يكون إسماعيل صبري — رحمه الله — مسئولًا بعض الشيء عن إهمال الناس له، وغفلتهم عنه، وتقصيرهم في ذاته وفي ذات شعره، فقد كان رحمه الله لا يهتم لحديث الناس عنه، ولا يحفل بإقبالهم عليه أو نُفورهم منه، ولم يكن يقول شعره ليُشيدَ به الناس، وإنَّما كان يقوله مُستجيبًا لطبعه، ومُرضيًا لنفسه قبل كل شيء، بل لم يكن يثبت الشعر إذا قاله، ولم يُحاول أنْ يَجمعه في ديوان، ولم يحاول أن يجمعه لنفسه، وإنما كان يقول الشعر ثم ينساه، أو يُسلمه إلى الضياع: يُقيده على الأوراق الطائرة لا يجمعها ولا يرتبها ولا يحفظها في مكان بعينه.

كان يقول الشعر ويشقى بقوله، فيصلحه وينقحه ويُطيل النظر فيه، ثم يُرسله مع رياح الصيف أو مع رياح الشتاء، ولا عليه أنْ يبقى أو أنْ يمضي مع تلك الرياح، ولولا أنَّ أسرته بذلت جهدًا أي جهد، واحتملت عناء أي عناء في جمع ما بقي من شعره، وتلقطه هنا وهناك، وتتبع الذين كان إسماعيل صبري يلقاهم وينشدهم شعره، أو يكتب إليهم به؛ لضاع شعره كله مع ما يضيع من نفائس الشعر على مَرِّ الأيام وتعاقب الأعوام.

ولم يظلمه الذين أَرَّخوا الأَدَب وحدَهم، وإنما ظلمته الدولة أيضًا، وهي معذورة، فليس للدولة من يُؤرخ الآداب وينبئها بمن يستحق منهم العناية وإحياء الذكر، ليست الدولة مؤرخة للآداب ولا مُستقصية للنابهين من الأدباء، وليس من شأنها أن تنهض بذلك، وإنما هو إلى المؤرخين والأساتذة الدارسين. وهذه الدَّولة قد عُنيت هذا العام بإنشاء طابعين من طوابع البريد على كل واحد منهما الاسم وصورة لشاعر من شاعرينا العظيمين حافظ وشوقي — رحمهما الله — ولم تنس إلا أستاذين من أساتذة هذين الشاعرين العظيمين؛ أحدهما: محمود سامي البارودي، والآخر: إسماعيل صبري.

ونِسيان الدولة مُتدارك إذا ذكَّرها المذكرون، وأنا أُملي هذا الحديث لأذكر الدولة حق هذين الشاعرين العظيمين عليها، ولأنبه المؤرخين للآداب إلى هذا الحق، وأذكرهم به، ولأنبه المغنين الذين يصبون في رءوس الناس سخفًا كثيرًا في هذه الأيام إلى كنوز غنائية في شعر إسماعيل صبري — رحمه الله — وإلى أزجال له غنى بها المغنون في الجيل الذي عاصر الشاعر؛ لأنه صنعها لهم، وأعْرَض عنها المغنون المحدثون كما يُعرضون عن أشياء كثيرة؛ لأنَّهم لا يحفلون بما مضى، ولا يذكرون منه شيئًا، شَغَلتهم أنفسهم عمن سبقهم، وصَدَّهم الكسل حتى عن الالتفات إلى أسلافهم من أعلام المغنين في تلك الأيام.

وقد ولد إسماعيل صبري بُعيد منتصف القرن الماضي في السنة الرَّابعة من نصفه الثاني، وتعلَّم في المدارس المصرية، وفي مدرسة الإدارة التي صارت الآن كلية للحقوق في جامعة القاهرة، وأُرسل إلى فرنسا فأتم درسه للحقوق فيها، وعاد إلى مصر فاشتغل بمناصب القضاء المختلط والمدني، ثم بالإدارة، فكانَ محافظًا للإسكندرية، وكان وكيلًا لوزارة العدل، أو لنظارة الحقانية كما كانت تُسمى إذ ذاك، ثم أُحيل إلى المعاش فنسيه الناسُ أو كادوا ينسونه، وذاق هو مرارة هذا النسيان، فقال بيتين من الشعر أكتفي بذكر البيت الأول منهما:

أين صبري من يذكر اليوم صبري

بعد أعوام عزلة وشهور؟

ثم توفي قبل الربع الأول من هذا القرن بسنتين؛ فحزن عليه الأصدقاء ورثاه من رثاه من الشعراء، واجتمع النَّاسُ لتأبينه ذات يومٍ، ثم ألقى النسيانُ بينهم وبينه ستارًا كثيفًا، وحاولت الأسرة بعد وفاته بسنين أنْ ترفع هذا السِّتار شيئًا، فجدَّت ما جدت، واجتهدت ما استطاعت الاجتهاد، وجمعت له ديوانًا صغيرًا قدَّم له أُستاذان من أساتذة الجامعة مُنذ عشرين عامًا، واهتم لتحقيقه وتصحيحه أديب بارعٌ نسيه النَّاسُ، وما أكثر ما ينسى الناس، وهو الأستاذ أحمد الزين — رحمه الله — ونشر الديوان، وقرأه من قرأه، ولكنَّ النِّسيانَ وهذه الأمواج المتراكمة الأخرى من العبث والجهل ردت هذا الستار الكثيف إلى حيث كان، وجاز لنا أن نقول الآن كما كان يقول صبري نفسه: أين صبري؟ من يذكر اليوم صبري بعد أعوام عزلة وشهور؟

ومع ذلك؛ فهذا الشاعر العظيم أجدر الناس أن يُذكر ولا ينسى، كما قلتُ آنفًا، فقد كان مرجعًا لحافظ وشوقي، وكانا يطلبان إليه تقريظ شعرهما حين ينشرانه، وكان من أصدق الناس لهجة، وأقواهم حسًّا، وأرَقهم شُعورًا، وأَصْفَاهُم مِزاجًا وذَوقًا، وكان شعره مُتنوعًا يُصور عصرين من عصور الشعر.

بدأ يقول الشعر كما كان الناس يقولونه في القرن الماضي يتكلف البديع، ويُؤرخ للأحداث، وللأشخاص أيضًا، ثم تطور شعره في أواخر القرن الماضي واتخذ طابعًا جديدًا هو طابع الرصانة والجزالة، والنسج على مِنوال الشعراء القُدماء أيام العباسيين، فاجتنى البَديع وتكلفه، وآثر الإعراب عن ذات نفسه في صراحة ويسر، وقال الشعر كما كان يقوله البارودي وشوقي وحافظ ومن سار سيرتهم، وشارك هؤلاء جميعًا في إحياء اللغة الشعرية النقية التي لا يُفسدها تكلف، ولا يَشُوبها تصنع، ولا يقصر بها البديع عن أداء ما في النفس من المعاني، أو تصوير ما في القلب من العواطف.

وكان شعبيًّا عميقًا في شعبيته، يُصور شعوره الشعبي في غنائه أصدق تصوير وأدقه وأجمله في لغة عربية فصيحة نقية، ولكنَّها قريبة من الشعب يفهمها في غير مشقة ولا عناء، واقرأ إن شئت هذه الأبيات:

أقصر فؤادي فما الذكرى بنافعة

ولا بشافعة في رد ما كان

سلا الفؤاد الذي شاطرته زمنًا

حمل الصبابة فاخفق وحدك الآنا

ما كان ضرك إذ علقت شمس ضحى

لو ادكرت ضحايا العشق أحيانا

هلَّا أخذت لهذا اليوم أهبته

من قبل أن تُصبح الأشواقُ أشجانا

لهفي عليك قضيت العمر مقتحمًا

في الوصل نارًا وفي الهجران نيرانا

واقرأ إنْ شئت هذين البيتين اللذين يتحدثُ فيهما إلى الموت، ويُصور فيهما ضيقه بالحياة:

يا موت هأنذا فخذ

ما أبقت الأيام مني

بيني وبينك خطوة

إن تخطها فرجت عني

وكان شعر صبري في الحب والموت أروع ما قال شعراؤنا المعاصرون كما قال أحد الذين أبَّنوه الأستاذ أنطون الجميل — رحمه الله.

وكانت وطنيته ملتهبة تدفعه أحيانًا إلى المغامرة، وإلى شيء من تحدي السلطان الجامح في تلك الأيام، كان صديقًا حميمًا لمصطفى كامل — رحمه الله — فأراد مصطفى كامل أن يخطب في الإسكندرية، وطلبت الحكومة إلى محافظ المدينة، إسماعيل صبري، أنْ يمنع الاجتماع لاستماع الخطبة صيانة للأمن والنِّظام، فأبى وقال: إنه المسئول عن حماية الأمن والنظام المحتمل لتبعات الإخلال بهما.

وما أكثر الذين كانوا يسبقون الحكومات في تلك الأيام إلى ما تريد، ويحتاطون لأنفسهم ومصالحهم قبل أن يحتاطوا لشعور الشعب والإعراب عن أمانيه.

وما أعرف شاعرًا وصف أعقاب دنشواي في حياة أهلها، وطالب بإلغاء القانون البغيض الذي صدر عنه القضاء الجائر في تلك الأيام، مثل إسماعيل صبري في تلك القصيدة القافية التي رفعها إلى عباس يشكر له عفوه عن المسجونين من أهل دنشواي، ويُطالبه بإلغاء ذلك القانون حتى يقطع على الجور طريقه إلى الأدباء.

والقصيدة في الديوان يستطيع أن يقرأها من شاء، وقد مدح صبري وهجا ورثا وتغزل واشتكى الحياة وتمنى الموت كما فعل الشعراء في عصره، ولكنه كان يمتاز منهم بتجويد شعره وتمحيصه ونقده هو، قبل أن ينقده غيره من النَّاس، واقرأ إنْ شئت هذين البيتين اللذين يُصور فيهما احتياطه لشِعْره قبل أنْ يسمعه الناسُ أو يقرءوه، واللذين أختم بهما هذا الحديث راجيًا أن يتاح لهذا الشاعر العظيم حقه من الذكر والإنصاف:

شعر الفتى عرضه الثاني فأحْرِ به

ألا يشوه بالأقذار والوضر

فانقدْ كلامك قبل الناقدين تحظ

ثاني النفيسين من لغو ومن هذر

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.