كلمة الأديب في أصل معناها العربي تُقابل كلِمَةَ «المُتَمَدِّن» في الاصطلاح الحديث.

ومن هنا، فيما نعتقد، سُمِّيَت الوليمة «مأدبة»؛ لأنها عنوان أدب المُجَالسة والاجتماع، كما يُقال في الغرب «رجل صالون» و«سيدة صالون» بهذا المعنى:

وإني على ما فيَّ من عنجهية

ولوثة أعرابيَّة لَأديب

مِمَّا يُفْهَم منه أن الأدب عندهم نقيض الجلافة، وأن الأديب على هذا الاعتبار هو الإنسان المصقول.

وأصل التأديب — على ما يظهر من مادة الكلمة — مأخوذ من التهذيب والتهديب، وكلاهما يفيد التنقية والتطهير من الأشواك والأهداب، ويُقال: هَذَّبْتُ الشجرةَ وهَدَّبْتُها؛ أي قطعت زوائدها وجنيت ثمرتها. ولا خلاف في أن حروف كلمات «التأديب والتهذيب والتهديب» مِمَّا يقع فيه الإبدال الكثير؛ إذ ليس أكثر من الكلمات التي تُروى بالذال والدال، أو بالهمزة والهاء.

فالتأديب إذن هو التهذيب أو التهديب بلفظه ومعناه.

ولهذا يخطر لنا أن كلمة Literature of medicine لا تُتَرجَم بالأدب الطبي؛ لأن الكلمة الأوروبية مأخوذة من مادة الحرف أو الكتابة، وليست مأخوذة من مادة التهذيب والتهديب، وإنما تترجم بالكتابة الطبية كما قال أستاذ الجيل لطفي السيد للدكتور سليمان عزمي فيما روته آخر ساعة.

فإذا كان لا بد من اصطلاحٍ خاص، فالدكتور عزمي نفسه قد وُفِّقَ لهذا الاصطلاح قبل عشر سنوات، على ما نذكر، حين أصدر كتابه القَيِّم وسمَّاه: «على هامش الطب»؛ فإن هذا الاصطلاح يمكن أن يطلق على الكتابة التي تُقرِّب الطب إلى الجمهور، أو تُلِمُّ بتواريخ الأطباء والنظريات الطبية ولا تدخل في صميم العِلم والعمل الذي يزاوله الطبيب دون غيره.

وإذا ترجمت عبارة أدب الطب بهوامش الطب لم يلتبس على السامع ما يُقصد منها، ثم يتكفل الاصطلاح بعد ذلك بالتحديد والتأكيد.

التخصص كما أفهمه

أما هذه فهي — حقًّا — مشكلة عالمية من مشكلات العصر الحاضر بجميع أجياله، وعلى رأسه جماعة العلماء والأدباء.

يكتب الآن قادة الأفكار الغربيون في مشكلة «التخصص» التي شطرت ثقافة العصر إلى شطرين، أو جعلت الثقافة الإنسانية ثقافتين لا تغني إحداهما عن الأخرى، ولا بد منهما للإنسان الصحيح، ولا نقول الإنسان الكامل؛ فإنه غير موجود!

فالثقافة اليوم تنقسم إلى عِلمية وأدبية، بين عالم لا يعرف شيئًا عن «هوميروس» و«فرجيل»، وأديب لا يعرف شيئًا عن تكوين المادة ونظام الأفلاك.

وكلاهما نصف إنسان …

أما الإنسان «الصحيح»، فهو الذي يعرف العِلم ولا يجهل الأدب، أو يعرف الأدب ولا يجهل العلم، وإن لم يبلغ فيهما معًا مبلغ التخصص والامتياز.

وكُنَّا قبل الحرب العالمية نقول عن الرجل: إنه مهندس وأُمِّيٌّ، أو إنه طبيب وأُمِّيٌّ، أو إنه مُعَلِّمٌ وأُمِّيٌّ، أو إنه أُمِّيٌّ وهو يحمل في جَيبه وفي رأسه أرفع الشهادات.

فاليوم يخافون في الغرب من هذه الأمية التي تنتشر بين العلماء كما تنتشر بين الجهلاء، ويكاد يُحصي السكان جميعًا مَن يُحصيها بشطريها فلا يستثني منها غير فضلات الأرقام فوق الملايين.

ويعترف كُتَّابُ الإنجليز بسبق الأمريكيين والروس لهم في تعليم الثقافة العامة والمعلومات المشتركة بين طوائف القُرَّاء من العلميين والأدبيين على السواء، ويستدلون على ذلك برواج الألوف من كُتب العِلم والأدب في أيدي الجمهرة العامة من الجنسين.

ولكن نُقَّاد المجلات الأدبية يشعرون ببعض العزاء في عناية الشاب الإنجليزي بالرياضة والفروسية، ويحسبون أن العناية بالموسيقى مع الإقبال على لعب الكرة بأنواعها والسباق بأنواعه تعويض حَسن لنقص العناية بالمعلومات العامة، وإن لم يكن أحسن تعويض ولا أنفع تعويض.

ونزيد على رأي هؤلاء النقاد أن الملاحظة من أساسها تحتاج إلى تعديل كبير؛ فنحن لا نعتقد أن «التخصص» ممكن على أتم وجوهه مع الانقطاع لعلم واحد أو دراسة واحدة، فقد يكون من لوازم «التخصص» أو من لوازم التفوق فيه أن يفارق الدارس حدوده وينظر إلى الأفق الواسع من حولها. وقد يَجهَل دارَه مَن يعيش فيها طول عمره ولا يدخل دارًا غيرها ليعرف منها مواضع الزيادة والنقص في داره؛ فلا مناص لإتقان التخصص من شيء غير التخصص يُظهره على محاسنه وعيوبه، ويُظهر إلى جانبه تخصصًا آخر يقاس عليه.

لقد قيل: إن «المتخصص» نصف إنسان، وإن الإنسان الصحيح هو الذي عرف الأدب ولا يجهل العلم، أو يعرف العلم ولا يجهل الأدب.

فقل ولا حرَج عليك: كلا، ولا هو نصف إنسان.

وإنما هو كما قال نيتشة: أُذنٌ كبيرةٌ أو لسانٌ طويلٌ تمشي به قدمان.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.