«الموضات» الدولية وقضية مصر: حقوق العروش، حقوق الشعب، رسالة الرجل الأبيض، تحريم تجارة الرقيق، تقرير المصير، جماعات الأمم … هذه هي «الموضات» الدولية أو الدعوات الدولية التي تصايحت بها الدول الكبرى على الخصوص منذ مائة سنة، وكل منها قد اتخذ في حينه ذريعة لخدمة غرض من أغراض الاستعمار، وصح فيه قول أبي العلاء:

إنما هذه المذاهب أسبا

ب لجلب الدنيا إلى الرؤساء

وقد سميناها «بالموضات» لأنها في هذا الباب أشبه بالأزياء التي تلبس في أوقاتها، ثم تخلع بعد فواتها، ولعل كلمة «اللبوس» العربية أقرب إلى هذا المعنى من كل كلمة أخرى:

البس لكل حالة لبوسها

إما نعيمها وإما بؤسها

وقد كان لكل من هذه الموضات أو هذه اللبوس شأنه في قضية مصر الوطنية، وتاريخها في القرن الأخير هو الذي يعنينا في هذا المقال.

ظهرت الدعوة إلى «حقوق العروش» باسم الحركة الشرعية أو الحق الإلهي، الذي كان يزعمه لأنفسهم بعض الملوك المستبدين ممن أنكروا كل حق للشعوب في الحكم، واعتبروا حركاتها في سبيله عصيانًا غير شرعي أو غير مشروع، وبلغت الدعوة ذروتها بين دول أوروبة الوسطى والشرقية، ولا سيما النمسا وروسيا وألمانيا، وكان جهدها الأكبر منصرفًا إلى مقاومة الجمهوريات، وكبح الثورات، وإعادة الملوك والأمراء إلى العروش.

وكانت تقترن بها في العصر نفسه حركة الحكومة الشعبية أو حكومة الشعب للشعب باسم الدستور، ومرجعه إلى الأمة مصدر السلطات.

ولكيلا تسري هذه الدعوة إلى أمم الشرق أو تسري عليها؛ بادر الدعاة الأوروبيون إلى اختراع رسالة تخولهم أن يحكموا الأمم الشرقية على أساس غير أساس الحقوق الشعبية، وهو ما يدعونه للرجل الأبيض من حق القيام بأمانة التمدين والتعليم، وتدريب الأمم المتخلفة على ولاية شئونها ومراقبة حكامها.

وهذه الأمم المتخلفة بالبداهة هي أمم الشرق الآسيوية والأفريقية دون غيرها، وليس منها بالبداهة أيضًا كل أمة من أهل أوروبة، ولو بلغ من تخلفها أن تنبذ الحضارة وتستغرق في جهالة القرون الوسطى.

وراجت في الآونة نفسها — أو بعدها بقليل — حركة تحريم النخاسة؛ أي تجارة الرقيق، وتكفلت الدول الأوروبية برقابة الأسواق التي يجلب منها الرقيق أو يجلب إليها، فكان هذا منفذًا آخر إلى الرقابة على البلاد الشرقية، والقارة الأفريقية منها على الخصوص، وكانت بعثات التفتيش الإنجليزية على شواطئ السودان وفي داخله رائدًا للجيش والأسطول.

ثم جاءت الحرب الكبرى الأولى، وخرجت الأمم منها بدعوة الرئيس ويلسون إلى تقرير المصير، واشتراك الأمم الحرة جميعًا في هيئة عالمية هي التي سميت يومئذ بعصبة الأمم، وقد كان مصيرها هي نفسها إلى الزوال.

وجاءت الحرب العالمية الثانية، فخرجت الأمم منها بميثاقها، وفي طليعتها الأمم الخمس الكبرى، والأمم التي تُختار بالانتخاب لتأليف مجلس الأمن المعلوم.

كل هذه «الموضات» الدولية قد اتخذها ساسة الاستعمار في إنجلترا ذريعة لادعاء شيء في مصر يؤيد احتلالها ويُؤخِّر جلاءها.

فلما اشتعلت الثورة العرابية كانت بريطانيا العظمى — أُم البرلمانات — ظهيرة للنمسا وروسيا وألمانيا في المناداة بالحق الإلهي، وبحقوق العروش على شعوبها، وما إلى ذلك من الحقوق التي لا تدين بها الأمة الإنجليزية؛ فزعمت أنها تذهب إلى مصر لتثبيت العرش وتأييد صاحب السلطة الشرعية الجالس عليه، واستخدمت هذه الذريعة في عاصمة السلطنة العثمانية؛ لأن سلاطين آل عثمان كانوا يشايعون الجماعة الدولية التي اشتهرت بجماعة الشرعيين، وكانوا يشفقون من سريان الثورة إلى أقطار الدولة، ونهوض الترك أنفسهم للمطالبة بالدستور.

وقد نكَّل السلطان عبد الحميد بالمصلح الكبير أحمد مدحت باشا؛ لأنه تصدى لزعامة الحركة الدستورية، ووضع «المشروطية» — كما كانوا يسمون الدستور — فلم يكن إخماد الثورة المصرية أمرًا مكروهًا عند آل عثمان، ولم يكن في استطاعتهم أن يخمدوها بقوتهم، فنظروا ببعض الأغضاء إلى احتلال الإنجليز للقاهرة، ولعبت الرشوة ألاعيبها إلى جانب هذا السبب المريب.

ثم ضعفت قوة «السلطة المقدسة» أمام النهضات الدستورية، فتركها الاستعمار الإنجليزي ورجع إلى حق الشعب يستخدمه لإطالة أجل الاحتلال، فكانت ذريعته في هذا الدور إلى البقاء أنه يحمي الفلاح لابس الجلباب الأزرق من الباشوات والأفندية، أو أنه يحمي الشعب من صاحب السلطة الشرعية الذي جاء بالأمس لحمايته من شعبه دون سواه!

لكن ليس حق الشعب هنا بطبيعة الحال كحق الشعب في بلاد الرجل الأبيض؛ فإن الرجل الأبيض منذور لرسالة إنسانية أو رسالة إلهية، إن شئت أن تنظر إلى تصريف المقادير. وهذه الرسالة الإلهية هي تعليم بني الإنسان ونقلهم من طور الجهالة إلى طور العلم والحضارة. ويعزز هذه الرسالة أن الرجل الأبيض له ديون «مالية» في أعناق أولئك الأفريقيين، وأنه عاجز عن استردادها بغير الحجر عليه والرقابة على موارده ومصارفه. وقد تضاف إلى تلك الديون ديون أخرى للتعمير والتنظيم وضمان الحضارة إلى زمن طويل!

ولم يخل تحريم النخاسة من فائدته في تدبير حجة للاحتلال؛ فإن الرقيق ينقل من السودان ومن بعض البلاد التركية، ولا بد من الرقابة على تجارة البحر الأحمر، بل على قصور الأعيان المصريين والمتمصرين، فكان الرجل الأسود حليفًا للرجل الأبيض على الرغم منه؛ لأداء تلك الأمانة التي تجمع بين السواد والبياض، وتطلق أيدي البيض في القارة السوداء؛ منعًا للتسخير، وإتمامًا للإنقاذ والتحرير.

ثم جاء تقرير المصير …

جاء تقرير المصير وإلى جانبه تقرير الوصاية والانتداب، وما شابه الوصاية من حماية ووقاية، أو من رعاية وهداية، فأخذ الاستعمار البريطاني من كل تقرير ما احتاج إليه، ونبذ منه ما لا حاجة له فيه، ولم يكن في وسعه أن يطيق الانتداب الفرنسي إلى جواره على سورية ولبنان، ولم يكن في وسعه كذلك أن يلغي بعض الحقوق من عصبة الأمم ويحتفظ ببعضها منفردًا بها دون غيره بين الرجال البيض، فعليه إذن وعلى أعدائه يا رب! … وذهب الانتداب وما يشبه الانتداب من سورية ولبنان، ومن مصر والعراق، ثم ذهب من فلسطين، وحلَّ محله في كل موطن ما يغني عنه، ولم يحلَّ في محله شيء حيث لا حاجة إليه.

ذهب انتداب عصبة الأمم حيث شاء الاستعمار البريطاني أن يذهب، وبقي انتداب لم يكتسبه من عصبة الأمم، فلا مزاحمة عليه من الدول ذوات الانتداب، وذلك هو «انتداب» السودان على الوجه الذي قضاه الاتفاق المعلوم!

ففي السودان بقية للاستعمار البريطاني من جميع الموضات الدولية المهجورة والمنسية، فيه من رسالة الرجل الأبيض، ومن حماية الرقيق، ومن تقرير المصير. وأي هذه الموضات نفع القوم فسنراهم مسربلين به من الكتفين إلى القدمين، بل ربما رجعوا إلى أقدم الموضات المهجورة ليبعثوها في ثوب من الأثواب الإلهية الشرعية، وسنرى كيف ينبعث غدًا في ذلك الثوب العتيق … الأنيق.

لقد ابتليت دعوات الأمم على يد الاستعمار البريطاني بضروب شتى من السخرية والتسخير، ولا نحسب أنه قادر غدًا على أن يسخر بشيء بعد تقرير المصير، فلعله هو الدرب الأخير … أما مواثيق الجماعات الدولية فقد يستغلها اليوم باسم «الدفاع الإقليمي»، ولكنه إذا تمادى بها إلى غاية مداها كانت الخسائر عليه أعظم من الأرباح.

وخطأ أن يظن بالاستعمار البريطاني أنه خلق تلك الدعوات أو تلك الموضات، فإنما كان صنيعه فيها جميعًا أنه استغلها حيث تأتَّى له استغلالها، وأنه زيفها كثيرًا أو قليلًا من التزييف، وحرَّفها كثيرًا أو قليلًا من التحريف، ولا بد في كل تزييف من معدن صحيح ومعدن مدسوس عليه. وتلك هي الحقيقة التي يضل من يجهلها سواء السبيل، فمن قال: إن تلك الدعوات جميعًا باطل، مخدوع كمن قال: إنها حق محض لا باطل فيه. وعلى الناظر اليقظان إلى التاريخ وإلى الواقع أن يميز بين المعدن الصحيح والمعدن المدسوس عليه.

لم يخلق الاستعمار البريطاني تلك الدعوات، ولم يخلقها أحد غيره بقصده وتدبيره؛ فليس في وسع أحد أن يخلق دعوة من العدم، ولو كانت مخلوقة من العدم لما اقترنت بظروفها الطبيعية، وتعاقبت بترتيبها في مجرى الحوادث السياسية، فكل دعوة منها خطر على من يجهل حقها وباطلها، ويغفل عن صحيحها وزائفها، وليس بالصيرفي الخبير من يقبل كل عملة، أو يرفض كل عملة، بل ليس بالصيرفي الخبير من لا ينتفع بالصحيح من كل عملة زائفة، ومن لا يأخذ الباطن النفيس من كل ظاهر نجس زهيد.

وليتنا نحذق هذه الصرافة مع الحذاق من المزيفين؛ فهي معاملة لا مناص منها في سوق السياسة، وفي كل سوق.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.