قد عرف الكافة ما جاد به الجند المصري الذي سِيق على البلاد السودانية ممَّا يخلد له ولبلاده المجد والفخار، ولم يخفَ على أحد ما أصاب تلك الجنود في الأيام الأخيرة من قتل بعض ضباطهم وأفراد عساكرهم، وجرح عدد كبير منهم، وإن كان ما أصابهم قليلًا في جانب الظَّفَر الذي نالوه بمعونة الله وثباتهم وشجاعتهم.

ومن المعلوم أن من قُتِلَ منهم ترك أيتامًا وأهلًا فيهم الضعفاء وذوو البأس، ومن جُرِحَ قد يعجِز عن الكسب، ولو شفي، ويحتاج إلى ما يقيم أوده ولو إلى أجل. ومكان هؤلاء الشجعان من أهالي البلاد هو مكان الأخ الكريم من أخيه، أو العضو الشريف من البدن السليم، ولا يسمح ذو مروءة أن يدع أخاه في مثل هذا المصاب يذهب فريسة الحاجة. والبدن السليم لا بد أن يألم لما يصيب أعضاءه؛ ولهذا كان لأنباء ذلك المصاب هزة في قلوب الكثيرين من أهل الإحساس الطاهر في جميع الطبقات، وأفاض كثير من الجرائد في استنهاض الهمم لمساعدة أولئك الرجال أو أهلهم، وكان لكل واحد من سكان القطر المصري أن يبتدئ بدعوة باقيهم إلى هذا العمل المجيد، والبادي في الخير، الداعي إليه هو في الحقيقة خادم لمن ينهضه؛ فإنه إنما يفتح سبيلًا لظهور كرم السجية، وسطوع ضوء الحرية.

وقد قام بعض الأعيان من أهل العاصمة بتأليف لجنة للسعي في جمع إعانة لمساعدة أولئك الجرحى وأهالي القتلى، وعرضوا ما أرادوا الشروع فيه على الجناب الخديو الفخيم ليكون العمل تحت رعايته، فتفضل جنابُه السامي بقبول ذلك على جاري سُنَّتِه الشريفة في تقدير الأعمال الخيرية، فاجتمعوا يوم الثلاثاء ٥ ذي الحجة سنة ١٣١٥ﻫ الموافق ١٦ أبريل سنة ١٨٩٨م بمنزل صاحب السعادة أحمد سيوفي باشا، وانتخبوا الداعي رئيسًا، وسعادة أحمد سيوفي باشا أمين صندوق للإعانة، وحضرة أحمد فهمي زغلول بك كاتب سر اللجنة. ثم عرض الأمر على الجناب السامي فسُرَّ به، وكان أول من شرف العمل بالاكتتاب وتفضل به، وكذلك اكتتب صاحب العطوفة رئيس مجلس النُّظَّار وبقية حضرات النُّظَّار، ثم أخذت اللجنة تتابع عملها في دعوة أهل الخير للاشتراك في مساعدة إخوانهم.

وحيث إن … تكم من أهل الفضل وذوي الهمة والمروءة، رأيت أن أبعث إليكم بهذا، رجاء أن يُرى لهمتكم الأثر الجليل، في هذا العمل الجميل، مع العلم بأن من يتفضل بدفع شيء من المعونة لإخوانه المصابين، فإنما يفعل ذلك لمحض الشفقة والرحمة، وصدورًا عن الهمة والمروءة. ومن المعلوم أنه لا ينقص مال من صدقة، ولن تخذل أمة كان التعاون من سجاياها، فأرجو أن تساعدوا بما استطعتُم، وأن تقبلوا المساعدة ممن يليكم ويقرب منكم، وما يجتمع لديكم تتفضلون بإرساله إلى سعادة أمين الصندوق أحمد سيوفي باشا بمصر، ويرسل إلى … تكم الإيصال حسب العادة، والله لا يضيع أجر المحسنين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.