وطنك أيها المصري هو تلك الأرض التي تعيش عليها، والتي تمتد من الإسكندرية إلى أسوان، هذا هو الوطن إذا أردت أن ترى فيه غير بقعة من الأرض تأكل ثمراتها، وتتنفس هواءها، وتضم رجامها عظامك إذا فاضت روحك إلى بارئها.

في جوف هذه الأرض ينام مينا ورمسيس ومحمد علي، وفوق هذه الأرض ترى الأهرام وأبا الهول، وتلك الآثار القديمة التي تفتخر بها مصر، فليس الوطن إذن هو بقعة الأرض فحسب، بل هو تاريخك أيضًا، ذلك التاريخ الذي يضم شتاتك، والذي ترى لأجدادك في بطونه صفحات طاهرات.

وإذا نظرت أيها المصري لمواطنيك، ألا تجد لهم لغة حية يتكلمون بها ويكتبون ما يجول في خواطرهم؟ ألا ترى لهم لونًا خصيصًا ببشرتهم؟ ألا تسمع لكلامهم نغمة مصرية تفرقهم عن السوري والغربي بل عن جميع سكان الأرض؟

هذه حقيقة لا نزاع فيها.

وتراهم أيضًا متفقي المشارب متحدي الأميال يسمعون لهدير النيل ألحانًا لا يعجب بها غيرهم من الناس، ويرون في زرقة سمائهم جمالًا غاب عن أهل الأرض جميعًا، فاللغة واللون والنغمة والمشارب والأميال وألحان النيل وزرقة السماء كل هذه الأشياء هي الوطن أيضًا.

تراهم لا ينسون مصائبهم وآلامهم، وإذا حلت بواديهم نعمة من نعم الله قاموا جميعًا مع اختلاف دياناتهم يشكرون الله على ما أولاهم به من نعم، وما النعم والمصائب التي تحل بهم إلا رابطة قوية تربطهم ببعض، وهي أيضًا وطنهم العزيز.

فوطنك أيها المصري ليس هو بقعة الأرض التي تعيش عليها، بل هو كل ما يهجس بخاطرك ويمر بمخيلتك من هواجس السعادة والآلام.

من أجل ذلك قمت أيها المصري في الثالث عشر من شهر نوفمبر لتحتفل بعيد استقلالك فحسنًا فعلت.

ومن أجل ذلك ما زلت تعمل لنيل استقلالك، ومن أجل ذلك تحيا وتموت.

والسفور — وهو جريدة مصرية قبل أن تكون خصيصة بالفنون والآداب والاجتماع — تحيي أمتها العزيزة، وتقف في صفها، وتسأل الله أن يبارك الحركة المصرية، ويمدها بروح من عنده؛ ليظهر الحق واضحًا جليًّا، وينقضي عهد الأكاذيب والألاعيب السياسية، وتنال مصر استقلالها التام.

كتبت هذه المقالة في وقت احتفال المصريين بعيد الاستقلال الموافق ١٣ نوفمبر سنة ١٩١٩.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.