هل رأيت إنسانًا بلغ من الحياة غاية أمله أو تحقَّق له فيها كلُّ مطمعه؟ أم أن كل واحد منا يظل تحرِّكه شهواته الرفيعة والوضيعة، حتى إذا دنا من الموت كانت له مطامع لم تتحقق، وغايات لم تُدرَك، وكانت هذه المطامع والغايات أكثر تشعُّبًا وسعة كلما كان صاحبها أبعد همةً وأكبر عزمًا.

فذاك الذي قضى حياته يجمع المال، ويستثمره ويزيد فيه، والذي بلغ من ذلك أن كانت له المزارع الواسعة والسلطان العظيم، يشعر إذا دنا أجله بأن كثيرًا مما كان يود أن يحققه لزيادة ثروته قد أخطأه أيام قوَّته، أو قصر به الزمن عن دركه، وهو يشعر بأن كثيرًا مما كان يرجو أن يُمتَّع به إلى جانب الثروة قد فاته؛ لأنه لم يفكر فيه، وأن هذا الكثير ليس أقل من الثروة قيمةً لمَن أراد كمال النعمة في الحياة.

وهذا الآخَر الذي قضى شبابه مكِبًّا على العلم وتحصيله، منصرفًا عما يفيض به الشباب من لذة ونعيم، لا يكاد يتنسم روائح خريف الحياة حتى يستشعر الندم على ما فرَّط في حق الملذات والنِّعَم. أما صديقه الذي حصَّل من الملذات الحظ الموفور، فيرى بعين الأسف ما أضاع فيها من وقتٍ كان أجدى عليه، لو أنه حصَّل أثناءه بعض ما حصَّل صاحبه الأول من عِلْمٍ.

وذلك شأننا جميعًا في الحياة؛ توجِّهنا شهواتنا إلى ناحية من نواحيها، فإذا ارتفع عنا حُكْم هذه الشهوات فترةً ورأينا ما فاتنا من سائر النِّعَم تولانا الأسف والندم، ولو أنَّا أُتِيح لنا أن نغترف من هذه النِّعَم من قبل أن يتولانا الندم، لعفناها إن كان لنا فيما تنهل منه شهواتنا راضيةً مطمئنةً ما يكفي لسعادتنا ونعيمنا.

هذا الأسف على ما فاتنا من نِعَم الحياة المادية، هو صورة من الشك (Les Scepiticisme) في استطاعتنا استيعاب ما في الحياة المادية من حقيقة النعمة والمتاع والسعادة.

***

والآن فانظر إلى ذلك الجمع من الجميلات ذوات الفتنة، إنهن جميعًا قد جلسْنَ على عرش الحُسْن، لكنك ترى نفسك أشد ميلًا إلى هذه الغضَّة الناعسة الطَرْف التائهة في أحلام الهوى، وأنت قد تعلقتها حتى نسيت جاراتها جميعًا، بينما تعلَّق كلٌّ من أصحابك بجميلة غيرها، فشغف واحد بممشوقة القَدِّ ذات النظرة النفاذة المملوءة حياةً وسلطانًا، وشغف الثاني بصاحبة الجبين المصقول الممتلئ حكمةً وروعةً. وقد لا يكفي أحدكم أن ينسى جارات صاحبته، بل لقد ينكر عليهن الحُسْن؛ لأنه يريد أن تتفرد صاحبته به، ولا يكون لغيرها منه نصيب، فإذا أراد القدر أن يرفع عنكم حُكْم الهوى برهة من زمان، وأن يهبكم حُسْن ذوق الجمال، ونظَرَ كلٌّ منكم إلى الجميلات جميعًا، إذن لرأى أن لكل جميلة حظًّا من الحُسْن لا يقل عن حظ صاحبته، ولرأى أنه ظلم نفسه أن قصرها عند واحدة حبسها عليها.

وهذه صورة من الشك الذي يختلج نفوسنا في أمر الجمال وتقديره.

***

ذوق الجمال والمال والعلم له دركه الأدنى، ودرجه الأسمى، فأدناه ما هدت إليه فطرة الفرد أول خلقه، وهو في هذه يشترك مع ذوق الحيوان، وأسماه ما وصل إليه غاية تقدُّم الإنسان في الخير وفي الشر، والذوق بين بدئه وغايته خاضِع لشهوات الإنسان بمقدار مستقل عنها كذلك بمقدار، وخضوعه واستقلاله يختلف ما بين فرد وفرد وأمة وأخرى، وهو أكثر للشهوات خضوعًا كلما كان أقرب للدرك الأدنى. فالمتوحش ومَن كان في حكمه ضعيف في تذوُّق الجمال، شديد الاندفاع وراء أية صورة من صوره، ضعيف في حبه للمال، شديد الاندفاع وراء ما قل أو كثر منه، ضعيف في تلقي العلم، مشوق غاية الشوق لما يستطيع أن يسيغه من بسائطه، لكن غاية التقدم لا تقتضي حتمًا ضعف حُكْم الشهوة، فمن الناس مَن يسيغ غايةَ ما بلَغَتْهُ الإنسانيةُ من حضارةٍ، ثم هو يخضع في ذوق ذلك الدرج الأسمى لشهوته التي أترفت هي الأخرى فتساوت مع غاية الحضارة.

من هؤلاء الغزاة والفاتحون، ومنهم الداعون إلى المبادئ عن إيمان ويقين.

***

الفكر كالحس والعاطفة له شهواته، والفكر يجعل كلَّ ما في الحياة من محسوس وغير محسوس صورًا يذوقها، وأدنى ذوق الفكر لصور الحياة مجتمعة صورة بسيطة يؤمن بها إيمانًا، وهو في هذه الحال خاضع للشهوة التي تجعل له من هذه الصورة معبودًا ينظر إليه نظرة إلى تلك الغضَّة البضَّة الناعسة الطرف المرسَلة الشعر التائهة في أحلام الهوى؛ فهو ينسى كل صورة غير هذه الصورة التي يقدِّسها، وينكر على كل صورة أخرى حق الوجود. فإذا قُدِّر للفكر أن يسمو إلى غايةِ ما وصل إليه تقدُّم الإنسانية أقَرَّ لغير صورته المقدَّسة بحق الوجود، لكنه يظل ما دام خاضعًا لحكم شهواته مقتنعًا بأن في سائر الصور نقصًا وفسادًا. فإذا أراد القدر أن يرفع عن الفكر حُكْم الهوى برهة من زمان، إذن لرأى في كل فكرة مقدارًا من الحق لا ينقص عمَّا في فكرته المحبوبة، ولرأى في هاته الأفكار جميعًا كما رأيتَ أنت في أولئك الجميلات جميعًا أشعة من نور الحق لا تدرك الإنسانية موضع ملتقاها، ولأيقن أن في كلٍّ من هاته الأفكار غير الناحية المضيئة بشعاع الحق ناحية تسترها ظلمة تبعث إلى النفس شكًّا في قيمة الفكرة، وتحفز النفس لجلاء هذا الشك، فإذا لم تخضع الفكرة لشهوة، ولم يدرك الذهنَ السأمُ، فاندفع يقلِّب الأفكار واحدةً بعد أخرى؛ إذن لرأى لكلٍّ منها وجهًا مضيئًا وآخَر مستورًا ضياؤه، فنازعه الشك فيها جميعًا، وهذا الشك يحفز الفكر، ويشحذ الذهن لجلاء ما قد يكون في الحياة من حقيقة سامية، وهو يظل عند آخر حياة المفكر ذلك الندم الذي يشعر به جامع المال حين يرى في آخر أيامه، أنه لم يحقِّق كل غايته إن أخطأه شيء من التوفيق أيام قوته، أو قصر به الزمن عن درك كل ما كان يطمع في دركه، والذي يشعر به مَن أكَبَّ شبابه على العلم ففاتته لذائذ الحياة، ومَن حصَّل من لذة الحياة الحظ الموفور ففاته كثير من العلم.

وهذا هو الشك العلمي أو الشك الفكري، وهو «السيبتيسزم».

***

والناس يتسامحون مع جامع المال أو لذائذ الحياة، وقد يشاركونه في الأسف على ما فاته، ويقرون بذلك شكه المادي، لكن الأقلين هم الذين يتسامحون مع مَن يلتمس في كل فكرة وجهها المستور، ومَن يشك لذلك في كل فكرة، ويرى أكثر الناس الشك نقصًا وضعفًا. فالحياة تحركها الشهوة، والشهوة لا تعرف الشك، والذين يضعون كل رأي وكل فكرة موضع الشك يضعفون شهوات الحياة. فلو أن رجلًا وصل من شكه إلى قتل حكم الشهوات جميعًا عليه؛ لفقد هو طعم الحياة، ولأصبح وجوده بين الناس أمرًا مشكوكًا في إمكانه.

ومن ثَمَّ نرى كل مفكِّر يصل من حياته الفكرية إلى التسليم برأي معين يقف عنده ويدافع عنه بكل ما أتاح المنطق، وأتاحت اللغة للناس من وسائل الدفاع، وهو في موقفه هذا يخضع لحكم الشهوة الفكرية إلى حدٍّ كبيرٍ؛ ذلك أنه يحسب أنه وصل إلى لُبِّ الحقيقة السامية التي يقوم عليها بناء العالم، ويكون شأنه في تسليمه بهذه الحقيقة السامية شأن الساذج الذي يجمع الحياة في فكرة بسيطة يؤمن بها إيمانًا. فأولئك الفلاسفة الذين يقيمون مذاهبهم عن الحياة، ويريقون من المداد لتأييدها ما تشاء لهم شهواتهم الفكرية، فهو مؤمنون إيمان الساذج بعقيدته، ومِثْلهم أصحاب المذاهب الاقتصادية والاجتماعية المختلفة.

ولن يزال الحال كذلك ما دامت حياة الأفراد، وحياة الأجيال لا تتخطى هذا العدد القليل من السنين الذي يعتبر متوسط حياة الإنسان، فكل فرد وكل جيل يجب أن يعيش في خير ظروف هيَّأ له القدرُ العيشَ فيها، وهذه الظروف لا شأن للفرد ولا للجيل في اختيارها، هي أثر هذا الميراث الذي يخلفه الماضي الطويل لكل جيل من الأجيال. وكما أنك إذا ملكت قطعةً من الأرض في قرية أو في مدينة معينة لا تفكر في أن تجوب أقطار الأرض الأربعة، باحثًا عن خير قطعة من الأرض تتبدلها بما ملكت لتقيم عليها منزلًا، بل ينحصر تفكيرك في البحث عن خير منزل يقام على هذه القطعة من الأرض التي ملكت، وعن خير أثاث يُوضَع في هذا المنزل، وعن خير زينة تزيِّنه، كذلك ينحصر تفكير أهل كل جيل فيما أورثهم الماضي من آراء ومذاهب وقواعد للحياة، فإن يسَّرَتْ لهم هذه الآراء والمذاهب خيرَ ظروف العيش فذاك، وإلا انصرف كلُّ مفكر يبحث عن أوجه النقص في تفكير السلف وجاهد كي يزيل هذا النقص، فيجلو ما يغشى الحقيقة من ستار لم يتمكن سلفه من أن يجلوه، فإذا اطمأن إلى أنه وصل إلى الكمال وقف عند كماله يدافع عنه، ويؤمن به إيمان الساذج بفكرته البسيطة عن مجموع الحياة.

وكل جيل يضع آراء الأجيال التي سبقته موضع الشك، ومن كل جيل يقوم مَن يهدم آراء كانت موضع إيمان أجيال سابقة، وفي كل جيل يكشف العلم ويكشف النظر عن أوجه من الحق كانت مستورة، وأوجه من الباطل كانت لامعة، لكن كل جيل يَطْمَئِنُّ آخِر الأمر إلى أنه وقف على حقيقة الحياة وأزاح الستار عن كل مواضع الشك، وعندئذٍ تصبح هذه الحقيقة عنده شهوة الفكرة التي تحرِّك الحياة، وتدفع الوجود في سبيل التوازن والتقدم.

وما نظننا بكبير حاجة إلى ضرب الأمثال لهذا التطور الدائم في حياة الأفكار ما بين جيل وجيل، وأمة وأخرى؛ فقد تعاقبت الأديان وكلٌّ منها يقر الدين الذي سبقه، ويضيف إليه أو يحور منه، وتعاقبت المذاهب الاجتماعية والاقتصادية، وكل مذهب يرى فيما سبقه سببَ آلام الناس ومصائبهم، ثم لا تحقق الحياة من أمر المذهب الجديد إلا أن تحور المذهب القديم بالمقدار الذي يسمح بعيش الجماعة في خير ظروف هيَّأ لها القدر العيش فيها، وكم من آراء كانت موضع إيمان الناس زمنًا ثم شَكَّ الناس فيها، ثم ألقوها جانبًا أن رأوها ظاهرةَ الخطأ، بل السخف والسقم، وهذه نظرية روسو عن العقد الاجتماعي، حسبها أهل زمانه وحسبها من بعده من أهل الثورة الفرنساوية آية الآيات، فآمنوا بها إيمان كل ساذج بفكرته البسيطة عن الحياة، وها هي اليوم معتبرة من السخافات المضحكة، يعجب الناس اليوم كيف ساغ لعقلٍ أن يأخذ بها، وكيف ساغ لجيل أن يقيم عليها كل إيمانه.

هَبْ رجلًا من الناس أوتي سر الخلود، فرأى بعينيه هذه الأجيال التي تتعاقب فيهدم كل جيل شيئًا من آراء الجيل الذي سبقه، ورأى أنه لا تكاد تمر فترة قصيرة من فترات حياة الوجود، كألف سنة أو ألفين، حتى تصبح فكرة الوجود شيئًا جديدًا غير الذي كانت، وحتى يكشف الناس من أسرار الوجود عن كثير أو عن قليل غير الذي كشف عنه مَن قبلهم، وحتى يختفي شيء من الأسرار التي كانت قد كُشِفت. أفتظن أن هذا الذي أوتي سر الخلود فاطَّلَعَ على تنازع الأجيال وعلى الأفكار وقيامها وانهيارها، وعلى أسرار الوجود وظهورها وخفائها؛ مطمئنًا إلى حقيقة أيٍّ من هذه الأسرار أو تلك الأفكار، أم تراه يتولاه الشك فيها جميعًا، وينظر إليها آخِر الأمر على أنها حقائق لازمة لقيام حياة الناس، عاجزة تمام العجز عن تفسير سر الوجود.

والفكر في أسمى درجات تفكيره يطمع في الكشف عن سر الوجود، والإنسان المفكر وإن كان قصير مدى العمر في عدد السنين، إلا أنه باستيعاب ميراث تفكير الماضي يظن أنه قد استعرض حياة الوجود الفكري مما قبل التاريخ، ويزعم أنه كذلك الذي أوتي سر الخلود، قد رأى بعينيه تعاقُبَ الأجيال واقتتال الأفكار وانهيارها، وهو لذلك يخرج من استيعابه واستعراضه بذلك الشك الفكري أو الشك الفلسفي الذي لا يؤمن بفكرة ولا ينقض كل فكرة، والذي يضطر غاية الرأي وبحكم الحياة التي تسيرها الشهوة إلى الميل بفطرته، لتفضيل نوع معينٍ من العيش، وإن رأى بفكره أن هذا النوع المعين ليس لذاته خيرًا من سواه.

هذا الشك الفكري هو السبيل الوحيد لبلوغ الحقيقة الكامنة عند سر الوجود، إنْ كان ثمة حقيقة كامنة عند سر الوجود، أو كان للوجود سر غير ما يُدرَك بالفطرة، وهذا الشك الفكري لا يصل إليه إنسان إلا بعد استعراض كليات تفكير الوجود، وبحثها بحثًا دقيقًا.

فأما الشك الذي يصل إليه كثير من الناس لسرعة ملالهم من البحث، والشك الذي يحتمي به كثيرون ممَّن لا يريدون التقيد بفضائل نوعٍ معين من الإيمان، فذلك شك لا يصلح سبيلًا لشيء في الحياة، ولا يصلح نظامًا فكريًّا لأحد، إنما هو نوع من اليأس أو الشلل الفكري يقف بصاحبه عن أن يشارك المؤمنين في إيمانهم والباحثين في بحثهم.

والشك الفكري الصحيح الذي يعمل أبدًا لكشف ما هو مستور من ضياء الحق، والذي لا ينخدع أبدًا بضياء يحجب عنه أستار الريب، هو من الإيمان بمثابة العالَم الواسع من القَصْر الأنيق، فهو لا يفتر يقلب هذا العالَم يريد أن يقف منه على جديد. أما المؤمن فهو متى أقام قَصْره احتمى فيه، وقصر همه على زخرفه، وهو قد يكون بذلك أكثر سعادة، وأبعد عن تيهاء الضلال، لكنه يظل حياته حبيس إيمانه بينا يجد الآخَر في شكه سبيلًا لإيمانٍ يتجدد كلما برق شعاع جديد من حقٍّ كان مستورًا، ثم ينهار كلما غشت الظلم شيئًا من الضياء.

فإذا كان للمؤمن طمأنينة بإيمانه وسعادة بطمأنينته، فللشاكِّ سعادة كبرى بالحقائق المتناقضة التي تبدو أمامه ثم تخفى، لكنه مع ذلك لا غنى له عن إيمان يسلِّط عليه شهوات فكره، كما أن المؤمن لا غنى له عن مواضع شك يستريح عندها إلى أنه ما زال يفكر.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.