يوجه إلينا أبناؤنا الشبان المشتغلون بالصحافة بين حين وحين أسئلة في شئون شتى، ومنها ما يتردد الإنسان في الإجابة عليه، من ذلك أن أحدهم سألني يومًا: لو عدتَ إلى الشباب فما عسى يكون رأيك في كذا وكذا؟ وكيف تتصرف في كيت وكيت؟ وأُخِذت لهذا السؤال؛ لأنني حفظت منذ أكثر من نصف قرن أن كلمة (لو) حرف امتناع لوجود، والعود إلى الشباب مستحيل، وهو الامتناع الذي لا وجود معه، وإذا كنا لا نعرف المشيب في شبابنا، فقد نسينا الشباب في مشيبنا، وإن بقيت لنا منه ذكريات تلمع أمام بصيرتنا، وإن كنا نعلم أنها سراب لا سبيل إلى بلوغه.

وإن ذلك ليجري في خاطري إذ جاءني خطاب من شاب في باريس يسيل شعرًا ورِقَّة، وعجبت إذ تلوت الخطاب وسألت نفسي: ألا يزال في باريس من الشعر اليوم ما كنت أعرفه فيها منذ نصف قرن من الزمان. لقد كنت أقف منها في ميدان قوس النصر ليالي يكمل القمر بدرًا، فأطيل التحديق به، ثم أراني أقمت على ذلك ساعة وأكثر من الساعة مسحورًا بمنظر ساهر السماوات يخطو على هون، وقد التفَّ بغِلالة بنفسجية جعلته أشبه شيء بما يراه الإنسان على مسارح باريس، حين تعبث الأضواء بما عليها من صور الجمال فتزيد جمالها روعة وسحرًا. وقد ذهبت إلى باريس في السنوات الأخيرة مرات ومرات، ووقفت عند قوس النصر، لكنني لم أرَ القمر في غلالته البنفسجية، ولم يخطر ببالي وأنا أراه كيف تعبث أنوار المسرح بفتنة مَن عليها، فهل تغيَّر قمر باريس عما كان عليه صدر شبابي؟ وهل فترت أنوار مسارحها عن أن تثير أمام النظر تلك الألوان الفاتنة التي كنت أراها إذ ذاك؟ أم أن القمر ظل في بهاء شبابه كما كان، وأن المسارح ظلت تعبث بفتنة مَن عليها، على حين نقلتني السنون على متنها الذي يخطف العمر كما تخطف الطائرة الأبعاد، فتركت ورائي قمر شبابي ومسارح شبابي، ولم يبقَ لي إلا هذا القمر الأفيد الذي يأخذ بنظري، ولا يثير في القلب متعة، ولا في الفؤاد فتنة؟

وأنا مع ذلك أنعم اليوم بألوان من الحياة لم أكن أعرفها في ذلك العهد، وليست هذه الألوان أقل روعة من تلك. لقد طالما وقفتُ أمام الأشجار في بدء نموها وإزهارها، ووقفت أمام مثيلاتها وقد بلغت تمام النمو وكمال الإثمار. أيهما أمتع للعين وأشهى للحواس؟ إن الورق الأخضر على الشجرة الشابة لأبهى صورة وأروع منظرًا، لكنه لا غناء فيه أكثر من إمتاع النظر، أما هذا الثمر الذي يتوِّج رءوس الأشجار الكبيرة وقد سقط معظم الورق الأخضر من حوله، فهو للشجرة التي تحمله، وللعين التي تنظر إليه، وللريق الذي يتحلَّب لتذكُّر ذوقه الشهي — فخرٌ وأي فخرٍ، وما بقيت هذه الشجرة التي علاها المشيب تثمر، فمن حقها أن تتيه بثمرها، وأن ترى فيه جمالًا لا يعدله جمال الورق الأخضر وإن بلغ من البهاء أعظم مبلغ.

لكن هذه الشجرة التي جلَّل المشيب رأسها وقارًا، لن تلبث إلا أعوامًا ثم تودع زميلاتها الشابات وداع الأبد. تُرَى ألهذا الوداع هو الآخَر جمال وسحر؟ أَوَنستطيع أن ننظر إليه بعين الرجاء في ألوان جديدة من المتاع؟ نعم إنه باب الآخرة، باب التوبة والمغفرة، وسعت رحمة الله كل شيء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.