قليل من بني مصر مَن يعرف الروائي الشهير بول آدم؛ ويرجع ذلك لقِلة من يعرف اللغات الأجنبية من أبناء هذا البلد الأمين. أما الفئة التي درست تلك اللغات فقليل أيضًا من اختص منها بالآداب الغربية، فلم نجد من بينها من أقدم على تعريب إحدى روايات هذا الكاتب الفاضل الذي يَعُدُّهُ النُّقَّاد في فرنسا من أئمة الروائيين. وواجب الصحافة الأدبية أن تكتب لقرائها عن أئمة الكُتَّاب في كل بلد، وعلى الأخص إذا اختطف الموت أحدَهم في الساعة التي نرى فيها أبناء جَلدته في أشد الحاجة لقراءة كتبه الجديدة.

من أجل هذا كتبنا هذا المقال.

تُوُفِّيَ بول آدم في صبيحة اليوم الثاني من شهر يناير، وذهب ضحية الحمى الإسبانولية التي لم تشفق منذ عام بإدمون روستان شاعر القرن العشرين. فلحق الروائي بالشاعر، ولبست فرنسا عليهما الحداد. تُوُفِّيَ بول آدم غير بالغ من العمر السابعة والخمسين، فبكاه رجال الأدب في العالم أجمع، وعدوا موته خسارة كبيرة على الآداب الفرنسية، وقد قال عنه المسيو دومينيك برجا في مجلة أوروبا الجديدة: «اليوم فقدنا أكفأ روائي في القرن العشرين.»

لم يكن يدور بخَلَد بول آدم أيام كان فتًى أنه سيصبح يومًا ما روائيًّا كبيرًا؛ وذلك لشدة ميله للسياحة، ولقد صرخ ذووه بعد وفاته بأن فقيدهم كان يأمل أن يصبح يومًا ما مكتشفًا يجوب البلاد البعيدة والأقطار النائية. بيد أن الجو الذي نشأ فيه والتعاليم التي ربيت عليها نفسه حدت به إلى احتراف القلم، فكتب رواياته العديدة، ولكنه كان ينتهز الفرص ليغادر بلده إلى بلاد أخرى يدرس حياتها الاجتماعية وحالة أهلها الخلقية، واشتهر برواياته الأدبية شُهرة كبيرة، فأجَلَّه النقاد، ورَأَوْا فيه رجلًا يكاد يساوي بلزاك شهرة ومجدًا.

بدأ بول آدم حياته الأدبية بالسير على آثار الروائي الكبير إميل زولا صاحب المذهب الذي يطلقون عليه اسم «ناتوراليست»، وهو المذهب الذي يتعمد فيه الكاتب وصف حياة الإنسان بما فيها من عيوب وقاذورات وصفًا يشمئز منه القارئ، ولا نغالي لو قلنا: يخجل منه الشيخ الهرم. كتب بول آدم روايته الأولى: «الجسر الناعم»، سالكًا طريق «الناتوراليست»، فعده الكُتَّاب عميد المذهب بعد زولا. ولكنه لم يلبث طويلًا في هذا السبيل، وكتب روايته «عام كلاريس»، مبتعدًا فيها عن مذهب زولا، ومتقربًا من المذهب الرمزي Symboliste، فجاءت روايته وفيها مزيج من المذهبين. ثم خلع عنه رداء المذهب الأول وارتدى لباس المذهب الثاني، وكتب رواياته: «معركة هود»، «القوة»، «ابن استرليتز»، «تحت شمس يولية»، «الحيلة»، «الثعبان الأسود». ولكنه لم يسلك في المذهب الرمزي طريق الخيال فحسب، بل سار خلف الحقيقة أيضًا في كثير ممَّا كتبه. وما رواياته غير مجموعة من الأفكار الواقعية في قالب رمزي. واشتهر بقدرته في تصوير ما تراه عينه في عصرنا الحاضر، وما قرأنا في بطون الكتب عن العصور السالفة.

ولم يقتصر على القسم الروائي الأدبي، بل عالج باب التمثيل، فكتب روايته التمثيلية الأولى «الخريف» مع المسيو جبرائيل موري وله من العمر إحدى وثلاثون سنة، وصف فيها صورة حية لعمال مضربين انتهى إضرابهم بسفك الدماء، ثم كتب روايته التمثيلية الثانية «النحاس» مع المسيو أندريه بيكار، وهي صورة جلية واضحة للحالة المالية في أوروبا. ثم قدم للكوميدي فرانسيز روايته «ليمويت»، ولكنها لم تنجح إذ لم تُمَثَّلْ إلا تسعة وعشرين مرة. ومات وهو يؤلف مع المسيو جبرائيل موري رواية اسمها «تانيت».

ونحن نقدم للأمة الفرنسية تعازي الأمة المصرية، ونأسف معها لفقد هذا الكاتب العظيم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.